هل يثبت القصاص بقتل المجنون

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قتل البالغُ العاقلُ مجنوناً عن عمدٍ فهل يستحقُّ بقتله له القصاص أو ليس لأولياء المجنون سوى المطالبة بالدية مضافاً إلى تعزير السلطان؟

الجواب:

الظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء رضوان الله عليهم في أنَّه لا قصاص في قتل المجنون، فقد أفاد صاحب الرياض وصاحب الجواهر(1) أنَّهما لم يجدا خلافاً في ذلك، ونُسب إلى السرائر وإلى كشف الرموز دعوى الإجماع عليه(2) بل أفاد الفاضل الهندي في كشف اللثام أنَّ بذلك قطع الأصحاب(3).

الوجه في عدم ثبوت القصاص بقتل المجنون:

والمستند فيما بنى عليه الفقهاء من عدم القصاص في قتل المجنون هو صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً مَجْنُوناً؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ أَرَادَه فَدَفَعَه عَنْ نَفْسِه فَقَتَلَه فَلَا شَيْءَ عَلَيْه مِنْ قَوَدٍ ولَا دِيَةٍ، ويُعْطَى وَرَثَتُه دِيَتَه مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: "وإِنْ كَانَ قَتَلَه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ أَرَادَه فَلَا قَوَدَ لِمَنْ لَا يُقَادُ مِنْه، فَأَرَى أَنَّ عَلَى قَاتِلِه الدِّيَةَ مِنْ مَالِه يَدْفَعُهَا إِلَى وَرَثَةِ الْمَجْنُونِ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّه ويَتُوبُ إِلَيْه"(4).

فالرواية صريحةٌ في عدم استحقاق أولياء المجنون للمطالبة بالقصاص من قاتل وليِّهم، وذلك لأنَّ المجنون لا يُقاد ولا يقتصُّ منه لو أقدم على قتل أحدٍ، ولهذا فهو لا يُقاد له ولا يقتصُّ له من قاتله.

هذا وقد أفادت الرواية أنَّ على القاتل الذي تعمَّد قتل المجنون الدية من ماله يدفعُها إلى ورثة المجنون، ويثبتُ على قاتل المجنون عن عمدٍ عدواناً التعزير والعقوبة بما يراه الحاكم، وذلك لما ثبت من أنَّ كلَّ من ارتكب كبيرةً من كبائر الذنوب فإنَّه يكون مستحقَّاً للعقوبة بما يراه الحاكم.

ثبوت الدية بقتل المجنون:

ثم إنَّ استحقاق ورثة المجنون للدية مِن القاتل يثبتُ إذا لم يكن القتل للمجنون دفاعاً عن النفس، وأمَّا لو كان القتل دفاعاً عن النفس أو عن بعض ما يتعلَّق بالقاتل من عرضٍ أو مال فالمشهور – ظاهراً- بين الفقهاء هو أنَّ دمَه في هذا الفرض يكون هدراً(5) ولعلَّ الوجه في ذلك هو أنَّ قتله في هذا الفرض إما واجب أو هو مباح فلا يكون القتل عدوانيَّاً ولهذا لا يثبت على قاتله قصاص ولا تثبت عليه ولا على عاقلته دية.

إلا أنَّه في مقابل ما أفاده المشهور ذهب جمعٌ من الأعلام كالشيخ المفيد، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع(6) إلى أنَّه تثبتُ الدية لورثة المجنون في هذا الفرض من بيت مال المسلمين، وهذا هو ما نصَّت عليه صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر(ع) قال: "إنْ كَانَ الْمَجْنُونُ أَرَادَه فَدَفَعَه عَنْ نَفْسِه فَقَتَلَه فَلَا شَيْءَ عَلَيْه مِنْ قَوَدٍ ولَا دِيَةٍ، ويُعْطَى وَرَثَتُه دِيَتَه مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ".

ويُؤيده ما ورد في رواية أَبِي الْوَرْدِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه أَوْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَصْلَحَكَ اللَّه رَجُلٌ حَمَلَ عَلَيْه رَجُلٌ مَجْنُونٌ فَضَرَبَه الْمَجْنُونُ ضَرْبَةً فَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ السَّيْفَ مِنَ الْمَجْنُونِ فَضَرَبَه فَقَتَلَه؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ لَا يُقْتَلَ بِه، ولَا يُغْرَمَ دِيَتَه وتَكُونُ دِيَتُه عَلَى الإِمَامِ ولَا يَبْطُلُ دَمُه"(7).

فقوله (ع): "وتكون ديته على الإمام" تعبيرٌ آخر عن ثبوت الدية له من بيت المال حتى لا يبطلُ دمه ويذهب هدرا. فالصحيح هو ثبوت الدية للمجنون من بيت مال المسلمين وإنْ كان قتله دفاعاً عن النفس، فإنَّ سقوط الدية مطلقاً في فرض الدفاع عن النفس إنَّما هو في غير المجنون بمقتضى صحيحة أبي بصير المؤيَّدة برواية أبي الورد.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

20 / ذي القعدة / 1447ه

8 / مايو / 2026م

 


1- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص98، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص185.

2- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص98، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص185.

3- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج11 / ص100.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص294، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص71.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص185.

6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص185

7- الكافي -الكليني- ج7 / ص294، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص72.