هل يثبت القصاص على السكران 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يثبتُ القصاص على السكران إذا قتل مسلماً متعمِّداً؟

الجواب:

اختلف الفقهاءُ في استحقاق السكران للقصاص فنُسب إلى الأكثر البناء على ثبوت القصاص عليه بل قد يظهر -كما في الجواهر(1)- من غاية المراد نسبته إلى الأصحاب مشعِراً بالإجماع عليه بل ادَّعى صاحبُ إيضاح الفوائد صريحاً الإجماع على ذلك(2).

مستند المشهور في استحقاق السكران للقصاص:

والمستند فيما ذهب إليه المشهورُ من استحقاق السكران للقصاص هو معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كان قومٌ يشربونَ فيسكرونَ فيتباعجونَ بسكاكين كانت معهم، فرُفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسجنهم، فمات منهم رجلان، وبقيَ رجلان فقال أهل المقتولَين: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) أقِدْهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون ؟ فقالوا: نرى أنْ تقيدَهما، فقال عليٌّ (عليه السلام) للقوم: فلعلَّ ذينك اللذَين ماتا قتلَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، قالوا: لا ندري، فقال عليٌّ (عليه السلام): بل أجعلُ ديةَ المقتولَين على قبائل الأربعة، وآخذُ ديةَ جراحة الباقيين من دية المقتولَين .."(3).

وتقريب الاستدلال بالرواية هو أنَّ ظاهر قوله (ع): "فلعلَّ ذينك اللذَين ماتا قتلَ كلٌّ واحدٍ منهما صاحبَه" أنَّ المانع من إقامة القصاص على الرجلين ليس هو سكرهما وإنَّما هو عدم العلم بأنَّ القتل قد صدر عنها، ومقتضى ذلك أنَّه لو علم أنَّ القتل قد صدر عنهما لاقتصَّ منهما رغم أنَّهما كانا سكرانين، وبذلك يثبتُ أنَّ السكر ليس مانعاً من الاستحقاق للقصاص. وبعبارة أخرى: الروايةُ ظاهرة في المفروغيَّة عن أنَّ السكر ليس مانعاً من الاستحقاق للقصاص.

إلا أنَّه قد يُقال بمنافاة هذه المعتبرة لِما ورد في صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي أَرْبَعَةٍ شَرِبُوا فَسَكِرُوا فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ السِّلَاحَ فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ اثْنَانِ وجُرِحَ اثْنَانِ، فَأَمَرَ بِالْمَجْرُوحَيْنِ فَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وقَضَى بِدِيَةِ الْمَقْتُولَيْنِ عَلَى الْمَجْرُوحَيْنِ وأَمَرَ أَنْ يُقَاسَ جِرَاحَةُ الْمَجْرُوحَيْنِ فَتُرْفَعَ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَجْرُوحَانِ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولَيْنِ شَيْءٌ"(4).

فالإمام (ع) بحسب هذه الصحيحة قد أسقط عن المجروحين القصاص رغم ثبوت صدور القتل للقتيلين عنهما بقرينة جعل دية القتيلين عليهما، ولا موجب لإسقاط القصاص عنهما بعد أنْ كانا قاتلين سوى أنَّهما في حالة سكر، فتكون هذه الصحيحة معارضة لمعتبرة السكوني.

إلا أنَّه قد يقال إنَّ هذه الصحيحة لا تصلحُ لمعارضة معتبرة السكوني، فهي إنَّما تحكي قضيةً في واقعة، فلعلَّ منشأ عدم الاقتصاص من الجريحين هو أنَّ صدور القتل عنهما وقع في حال الاقتتال، ثم إنَّه لم يتَّضح الوجه في عدم ثبوت الدية الكاملة في فرض موت الجريحين بالسراية، على أنَّ من غير المُحرز أنَّ منشأ جعل الدية للقتيلين على المجروحين هو ثبوت صدور القتل عنهما، فلعلَّ القتيلين قتلَ أحدُهما الآخر، وقُتل الثاني من قِبل أحد الجريحين، ولعلَّ جراحة أحد الجريحين وقعتْ من قِبل الجريح الآخر ولم تقع من القتيلين أو من أحدهما، فالحكم بفرض الدية على الجريحين للقتيلين لا يكشف عن ثبوت صدور القتل عنهما، فلعلَّ منشأ ما قضى به أميرُ المؤمنين (ع) من ثبوت الدية على الجريحين هو أنَّ ذلك حكمُ مثل هذه الواقعة التي ينشبُ فيها اقتتال فيموت فيها بعضٌ ويُجرحُ فيها آخرون. ومن هنا لا تكون هذه الرواية صالحة لمعارضة معتبرة السكوني.

ومع البناء على معارضتها لمعتبرة السكوني يكون المرجع بعد تساقطهما بالتعارض هو ما تقتضيه القاعدة وهو أنَّ القتل العمدي -والذي هو موضوع القصاص- متقومٌ بالعقل، وحيث إنَّ السكران فاقدٌ للعقل لذلك لا يثبت عليه قصاص. إلا أنْ يُعلم أنَّه إذا شرب المسكر فإنَّه سيقدِم على جريمة القتل، فلو شرب المسكر في هذا الفرض فإنَّه يكون قد أقدم على القتل عمداً فيكون بذلك مستحقَّاً للقصاص.

والمتحصل أنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من استحقاق السكران للقصاص إذا أقدم على القتل بمقتضى معتبرة السكوني، وذلك لعدم صلاحيَّة صحيحة محمد بن قيس لمعارضتها، نعم إنَّما يستحقُّ السكران للقصاص في فرض وقوعه في حالة السكر عن سوء اختيار منه، وأمَّا إذا نشأ ذلك عن إكراه أو اضطرار أو عن غير اختيار فإنَّ صدور القتل عنه في هذا الفرض لا يُوجب القصاص، وذلك لعدم ظهور معتبرة السكوني في الشمول لهذا الفرض، فيكون المرجع هو ما تقتضيه القاعدة من عدم استحقاق القصاص حين يصدرُ القتل في ظرف فقدان العقل.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

20 / ذي القعدة / 1447ه

7 / مايو / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص186.

2- إيضاح الفوائد -فخر المحققين محمد بن الحسن بن المطهر الحلي- ج4 / ص601

3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص240، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص234.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص284، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص233.