معنى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
قوله تعالى من سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى / ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾(1) من المقصود من قوله: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وما معنى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾؟
الجواب:
الموصوف بشديد القوى:
المعنيُّ من قوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ هو الأمينُ جبرئيل (ع) فهو الفاعل للفعل "علَّمه" وشديد القوى صفة له، والتقدير علَّمه جبريلُ الموصوف بأنَّه شديد القوى، فحُذف الموصوف وهو جبرئيل فصارت صفتُه -شديد القوى- في موقع الفاعل للفعل علَّمه، والضمير في "علمه" يرجع إلى النبيِّ الكريم (ص) فهو في موقع المفعول به الأول، والمفعول به الثاني هو الوحي أو قل المفعول به الثاني هو القرآن المجيد، فمفاد الآية هو: علَّم جبرئيلُ النبيَّ (ص) القرآنَ. وقوله علَّم بمعنى بلَّغ.
والقُوى جمع قوَّةٍ وإضافة القُوى إلى شديد من باب إضافة الصفة المشبَّهة إلى فاعلها، والأصل شديدةٌ قواه، فالآية تصف جبرئيل بأنَّ قواه الممنوحة له من الله تعالى شديدة، وهو تعبير عن كمال القُوى والملكات الممنوحة له من الله تعالى، والمناسب لكونه المبلِّغ للوحي عن الله جلَّ وعلا هو أنَّ المراد من هذه القُوى هي مثل هو القدرة الشديدة على الإدراك والفهم والاستيعاب لما كلِّف بتبليغه، والحفظ له على أتمِّ وجه، والأمانة والدقَّة الكاملة في النقل، فما يتلقَّاه النبيُّ (ص) عن جبرئيل هو عين ما كلِّف جبرئيلُ بتبليغه له عن الله تعالى، ولهذا وصفه اللهُ تعالى في آيةٍ أخرى بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ/ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ / عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾(2) فما نزل به الروح الأمين هو ذاته تنزيلُ ربِّ العالمين لا يشذُّ منه حرفٌ وما دونه. ووصفه في موضعٍ آخر بقوله جلَّ وعلا: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ / مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾(3) فهو ذو قوة على حمل ما كلِّف بحمله مكينٌ مرضيٌّ عند ذي العرش لا يداينه في المكانة والقرب من الله جلَّ وعلا أحد من ملائكته، أمينٌ على تبليغ الرسالة عن الله تعالى وإيصالها -كاملةً وافية- لنبيِّه الكريم (ص) دون أدنى نقصٍ أو تبديل.
معنى قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾:
وأما قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ فهو نعتٌ آخر لجبرئيل (ع) والمِرَّةُ بكسر الميم هي قُوّةُ الخَلْقِ وشِدّتُه والجمع مِرَرٌ، وأَمْرارٌ جمع الجمع، ومِرَّةُ الحَبْلِ: طاقَتُه، ومنه قوله تعالي: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾(4) أَي مُحْكَمٌ قَوِيٌّ. وتُطلق المِرة كذلك ويراد منها العزيمة، والعزَّة، والأنفة، وقوة القلب، يقال: اسْتَمَرَّت مَريرَةُ الرجل إِذا قويت شَكِيمَتُه(5).
وعليه فالآية تصفُ جبريل (ع) أنَّ الله تعالى خلقه قويّاً ذا مِرَّة شديدة أي بُنية وطاقة شديدة، ومحكمة أو ذا عزَّةٍ وعزيمة، وقوة في القلب، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ جملة معطوفة على قوله: ﴿عَلَّمَهُ﴾ أي استقرَّ جبرئيلُ واستقام على صورته الحقيقيَّة التي خلقه اللهُ عليها: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾(6).
فقد قيل إنَّ جبرئيل (ع) كان ينزل على رسول الله (ص) متمثلاً في صورٍ مختلفة، فلم ينزل عليه في صورته الأصليَّة التي خلقه الله تعالى عليها إلا مرَّتين فكانت هذه هي إحداها.
وقيل إن الموصوف بقوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ هو النبيُّ الكريم (ص)(7) ومعناه أنَّه (ص) ذو قوَّةٍ في عزيمته وتحمُّله، وذو قوة في عقلِه وقلبِه وشدَّةٍ في ذات الله جلَّ وعلا، وبه يكون الفاعل للفعل ﴿فَاسْتَوَى﴾ هو النبيُّ الكريم (ص) ومعناه استقام واستقر وهو بالأفق الأعلى في المعراج.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / ذي القعدة / 1447ه
30 / أبريل / 2026م
1- سورة النجم / 5-6.
2- سورة الشعراء / 192-194.
3- سورة التكوير / 20-21.
4- سورة القمر / 2.
5- لاحظ: لسان العرب -ابن منظور- ج5 / ص170، العين -الخليل بن أحمد الفراهيدي- ج8 / ص262، تاج العروس -الزبيدي- ج7 / ص476.
6- سورة النجم / 7.
7- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج2 / ص334.