حكم الصلاة لفاقد الطهورين
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم مَن لم يجد ماءً يتطهَّرُ به للصلاة ولم يجد ما يصحُّ التيمم به؟
الجواب:
إذا استوعب عدمُ وجدان المكلَّف للماء ولِما يصحُّ التيمم به تمامَ وقت الصلاة فهو فاقدٌ للطهورين ويجب عليه في هذا الفرض القضاء، ويسقط عنه الأداء.
منشأ سقوط الأداء عن فاقد الطهورين:
أمَّا سقوط الأداء فمنشأه كما أفاد السيد الخوئي(1) هو أنَّ الطهور مقوِّم لماهية الصلاة كما هو مقتضى صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: "الصلاة ثلاثة أثلاث، ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود"(2) فإنَّ مفاد هذه الصحيحة هو أنَّ المقوم لماهية الصلاة هي هذه الأمور الثلاثة والتي منها الطهور، ومقتضى ذلك هو انتفاء اسم الصلاة وعنوانها بانتفاء أحدها، فالمكلَّف العاجز عن الإتيان بأحدها عاجزٌ عن الإتيان بالصلاة من رأس، إذ يتعذَّر الإتيان بالصلاة في فرض العجز عن الاتيان بجزئها المقوِّم، فالصلاة الفاقدة للطهور مثلاً ليست بصلاة بنظر الشارع.
وهذا بخلاف الواجبات الأخرى فإنَّها وإنْ كانت معتبرة في المأمور به ولكنَّها ليست من مقوِّمات الماهية للصلاة، ولهذا لو اتَّفق انتفاء بعضها فإنَّ ذلك لا يضرُّ بتحقُّق ماهية الصلاة، إذ لم تُجعل من مقوِّماتها التي يتوقَّف وجود الماهية على وجودها، غايته أنَّها معتبرة في المأمور به، فاسم الصلاة وعنوانها قابلٌ للتحقُّق حتى مع افتراض انتفائها أو انتفاء بعضها، فالصلاة الفاقدة للذكر مثلاً أو الفاقدة للقراءة صلاةٌ، وذلك لأن الذكر لم يُجعل شرعاً من مقوِّمات الماهية للصلاة، وأمَّا الصلاة الفاقدة -مثلاً- للطهور أو الركوع فهي ليست بصلاةٍ، لأنَّ الشارع اعتبر الطهور والركوع من مقوِّمات الماهية للصلاة كما هو مقتضى حديث التثليث.
وما قد يقال إنَّ لسان جعل الطهور هو ذاته لسان جعل الطهارة فكما ورد: "لا صلاة إلا بطهور"(3) فكذلك ورد "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"(4) فكما أنَّ مفاد لا صلاة إلا بطهور" هو نفي حقيقة الصلاة بانتفاء الطهور كذلك فإنَّ مفاد: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" هو انتفاء حقيقة الصلاة بانتفاء الفاتحة. فما هو المُوجب لدعوى أنَّ القراءة من الأمور المعتبرة في المأمور به وأما الطهور فهو من مقوِّمات الماهية للصلاة؟
فالجواب أنَّ قوله (ع) "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وإنْ كان الظاهر منه بدواً هو النفي لحقيقة الصلاة بانتفاء الفاتحة إلا أنَّه حيث ورد في رواياتٍ أخرى أنَّ العاجز عن الفاتحة يقرأ ما تيسَّر وأنَّ من نسي القراءة صحَّت صلاته عُلم من ذلك أنَّ القراءة ليست من مقوِّمات الماهية للصلاة وأنَّ المراد الجدي من قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ليس هو نفي حقيقة الصلاة بانتفاء الفاتحة بل المراد الجدِّي من ذلك هو بيان أهمية الفاتحة، وهذا بخلاف قوله: "لا صلاة إلا بطهور" فإنَّه لم يرد ما يستكشف منه عدم إرادة دخل الطهارة في حقيقة الصلاة، ولهذا لا مقتضي لرفع اليد عن ظهور قوله: "لا صلاة إلا بطهور" في نفي حقيقة الصلاة بانتقاء الطهور، هذا مضافاً ما يقتضه ظهور حديث التثليث في اعتبار الطهور من مقوِّمات حقيقة الصلاة.
فالطهور والركوع والسجود لم يرد ما ينفي اعتبارها من مقوِّمات الماهية للصلاة، وهذا بخلاف الواجبات الأخرى حيث ورد ما يدلُّ على عدم ضائرية انتفائها -في بعض الفروض- بتحقُّق ماهية الصلاة وهو ما يكشف عن أنَّها وإنْ كانت معتبرة في المأمور به ولكنَّها ليست من مقوِّمات الماهية للصلاة.
فإذا ثبت أنَّ الطهور مقوِّمٌ لماهية الصلاة فالعجز عنه عجزٌ عن الصلاة، إذ يستحيل تحقُّق الشيء مع فرض العجز عن جزئه المقوِّم، فلو جاء بالصلاة فاقدةً للطهور فهو لم يأتِ بالصلاة وإنَّما جاء بصورتها دون حقيقتها. فسقوطُ الأمر بالأداء لفاقد الطهورين نشأ عن عدم إمكان الإتيان الصلاة، إذ أنَّ العجز عن الإتيان بالجزء المقوِّم عجزٌ عن الإتيان بالكل.
قد يقال إنَّ البناء على سقوط أداء الصلاة لفاقد الطهورين منافٍ لما ورد عن أهل البيت (ع) من أن الصلاة لا تسقط بحال.
والجواب: إنَّ موضوع عدم السقوط بحال هو الصلاة، فلابدَّ من افتراض إمكان إيجادها ليصح الحكم بعدم سقوطها، والصلاة من الفاقد للطهورين لا يُمكن إيجادها، وذلك لأنَّ الشارع قد اعتبر الطهور جزءً مقوِّماً للصلاة، فالصلاة الفاقدة للطهور ليست بصلاة، ولا ينطبق عليها اسم الصلاة وعنوانها بنظر الشارع لذلك لا يُمكن لفاقد الطهورين الإتيان بها.
وبتعبير آخر: إنَّ الحكم بعدم سقوط الصلاة مبتنٍ على الفراغ عن تحقُّق اسم الصلاة، ففي كلِّ موردٍ يتعذر فيه الإتيان ببعض أفعال الصلاة فإنَّ الصلاة لا تسقط إذا كان خلوها من ذلك الفعل المتعذِّر لا يسلبُ عنها اسم الصلاة وعنوانها بنظر الشارع، وأمَّا إذا كان الفعل المتعذِّر من قبيل الطهور فإنَّ الصلاة غير قابلةٍ للتحقُّق ليُحكَم بعدم سقوطها، لذلك فحديث عدم سقوط الصلاة بحال لا يشمل الموارد التي يكون فيها الفعل المتعذِّر من مقوِّمات الماهية للصلاة، إذ أنَّ افتراض تعذُّره -وهو مقوِّم للصلاة- مساوقٌ لافتراض تعذُّر الصلاة نفسها. فليس لها قابليَّة الوجود ليصح الحكم بعدم سقوطها.
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ سقوط الأداء عن فاقد الطهورين منشأه عدم إمكان الأداء للصلاة بعد افتراض أنَّ ماهية الصلاة متقوِّمة بالطهور بمقتضى حديث التثليث.
الوجه في وجوب القضاء على فاقد الطهورين:
وأما وجوب القضاء على فاقد الطهورين في الوقت فمنشأه كما أفاد السيد الخوئي(5) هو إطلاق ما دلَّ على أنَّ موضوع وجوب القضاء هو فوت الصلاة في وقتها على المكلَّف بها، وفاقدُ الطهورين في الوقت وإنْ لم يكن تكليفُه بالأداء فعليَّاً لعجزه عن الأداء في الوقت ولكنَّه مكلَّفٌ بها في الوقت شأناً تماماً كما هو النائم والناسي فإنَّ تكليفهما بأداء الصلاة في الوقت لم يكن فعليَّاً وذلك لعجزهما لكنَّهما مكلَّفانِ بها شأناً، ولهذا لا يرتاب من أحدٍ في وجوب القضاء عليهما، وهو ما يكشف عن أنَّ موضوع وجوب القضاء هو فوت التكليف الأعم من كونه فعليَّاً أو شأنياً، وحيث إنَّ فاقد الطهورين مكلفٌ شأناً بالأداء، إذ أنَّ سقوط الأداء عنه مستندٌ للعجز عن الأداء وليس مستنداً إلى التخصيص في دليل وجوب الصلاة كما الشأن في الحائض والنفساء لذلك يتعيَّن عليه القضاء لتحقُّق موضوعه وهو فوت التكليف في وقته.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ موضوع وجوب القضاء هو فوت الملاك، كما يدلُّ على ذلك وجوب القضاء على مثل الناسي والنائم، إذ لا مقتضي لوجوب القضاء عليهما سوى فوات الملاك وإلا فهما غير مكلَّفين فعلاً بالأداء لعجزهما كذلك هو الحال في الفاقد للطهورين فإنَّه لا موجب لسقوط التكليف عنه سوى العجز عن الأداء، وهو ما يكشف عن وجدانه لتمام الملاك، لذلك فموضوع وجوب القضاء وهو الفوت لملاك التكليف ثابتٌ في حقِّه.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / شوال / 1447ه
1 / أبريل / 2026م
1- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج 16 / ص116.
2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج6 / ص310.
3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص315.
4- مستدرك الوسائل ج4 / ص158، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج6 / ص37 والرواية مرسلة ولهذا يمكن الاستعضة عنها بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته؟ قال: لا صلاة له إلا أن يقرأ بها ..".
5- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج16 / 119.