السجود على القير

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يجوز السجود على البلاط المتَّخذ من القير؟

الجواب:

أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله تعالى أنَّه لم يجد خلافاً قديماً وحديثاً في عدم جواز السجود على القير، وأفاد أنَّه يمكن تحصيل الإجماع على ذلك(1).

ويُمكن الاستدلال على ذلك -بقطع النظر عن الروايات الخاصَّة- بإطلاقات ما دلَّ على عدم جواز السجود على غير الأرض وما أنبتته من غير المأكول والملبوس، فإنَّ القير وإنْ كان يتَّخذ من الأرض إلا أنَّه لا يعدُّ من الأرض عرفاً فهو مادَّةٌ سوداء تتكوَّن في الأرض ولكنَّه ليس منها تماماً كما هي المعادن كمعدن الذهب والفضَّة فإنَّها ليست من الأرض وإنْ كانت تتكوَّن فيها.

فالقير أو القار وكذلك الزفت والذي هو مادَّة سوداء ولكنَّها مائعة بخلاف القير فإنَّه جامد، فهما ليسا من النبات كما هو واضح وليسا من الأرض عرفاً دون ريب، نعم قد تكون مادَّتهما متكوِّنة من عناصر الأرض ولكنَّ ذلك ليس هو مناط ما يصحُّ السجود عليه بل المناط هو ما يصدق عليه اسم الأرض، والقير والزفت ليسا ممَّا يصدق عليهما اسم الأرض، فمقتضى القاعدة المستفادة من إطلاق الروايات عن أهل البيت (ع) هو عدم صحَّة السجود عليهما، هذا بقطع النظر عن الروايات الخاصَّة الواردة في القير فقد أفاد بعضُها جواز السجود عليه مطلقاً، وأفاد البعضُ الآخر عدم جواز السجود عليها.

الروايات المصحِّحة للسجود على القير:

أمَّا روايات الجواز فمنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: سأل المعلَّى بن خنيس أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده عن السجود على القُفْر وعلى القير؟ فقال: لا بأس به"(2).

في الوافي: "القفر بضم القاف وسكون الفاء ثم الراء شيءٌ يُشبه القير، وقيل هو نوعٌ منه يُقال له قفر اليهود"(3) وفي مجمع البحرين: "القُفر كأنَّه ردي القير المستعمل مراراً، وفي عبارة بعض الأفاضل القفر شيءٌ يُشبه الزفت ورائحتُه كرائحة القير"(4) والرواية صريحة في الجواز وظاهرةٌ في الإطلاق.

ومنها: صحيحةٌ أخرى لمعاوية بن عمَّار أنَّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة على القار؟ فقال: لا بأس به"(5).

هذه الرواية ظاهرة في جواز السجود على القير وحملها على إرادة الصلاة دون موضع السجود خلافُ الظاهر.

ومنها: صحيحةٌ ثالثة لمعاوية بن عمَّار قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة -إلى أنْ قال- يصلِّي على القِير والقُفر ويسجدُ عليه"(6).

ومفروض السؤال في الرواية وإن كان هو الصلاة في السفينة إلا أنَّ ذلك لا يُصحِّح حمل الجواز على حال الضرورة، إذ من الممكن جدَّا الصلاة على ما يصحُّ السجود عليه كالخشبة وغيرها وهو في السفينة، ولهذا فالرواية ظاهرة في الإطلاق وأنَّه يصحُّ السجود على القير وإنْ لم يكن المكلَّف مضطراً.

ومنها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "القير من نبات الأرض"(7).

ودلالة الرواية على الجواز ينشأ عن ظهورها في تنزيل القير منزلة النبات الذي يصحُّ السجود عليه، إذ مِن الواضح أنَّ القير ليس من النبات واقعاً، فيتعيَّن حمل الرواية على أنَّها بصدد بيان أنَّ الشارع يعتبر القير بمنزلة النبات من جهة صحَّة السجود عليه، فلسان الرواية لسان الحكومة الموسِّعة لدائرة موضوع ما يصحُّ السجود عليه.

ومنها: معتبرة إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد الله (ع) سأله فقال: "نخرج إلى الأهواز في السفن فنجمع فيها الصلاة فقال (ع): "نعم ليس به بأس فقال له: فنسجدُ على ما فيها وعلى القِير قال: لا بأس"(8).

الروايات المانعة من السجود على القير:

وفي مقابل هذه الروايات ثمة ما يدلُّ على عدم صحَّة السجود على القير وهي صحيحة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قُلْتُ لَه: أَسْجُدُ عَلَى الزِّفْتِ يَعْنِي الْقِيرَ فَقَالَ: لَا، ولَا عَلَى الثَّوْبِ الْكُرْسُفِ، ولَا عَلَى الصُّوفِ، ولَا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ، ولَا عَلَى طَعَامٍ، ولَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ثِمَارِ الأَرْضِ، ولَا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الرِّيَاشِ"(9) فهذه الرواية تنفي صحَّة السجود على القير بلسان النهي عن السجود عليه وهي مؤيَّدة برواية مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: "لَا تَسْجُدْ عَلَى الْقِيرِ، ولَا عَلَى الصَّارُوجِ"(10).

ما قيل في معالجة التعارض وجوابه:

وبذلك يقع التعارض بين الطائفتين من الروايات وقد ذُكر وجهان لمعالجة هذا التعارض:

الأول: هو حمل الروايات المصحِّحة للسجود على القير على فرض الضرورة من تقية أو غيرها، وحمل الطائفة المانعة على فرض الاختيار وانتفاء الضرورة، وهذا النحو من الجمع تبرعي، إذ لا يقتضيه الفهم العرفي، فإنَّ المتلقِّي للطائفتين يجد تنافياً مستحكِماً بينهما، وحيث لا شاهد على هذا الجمع من خارج الطائفين لذلك لا يصحُّ اعتماده.

الثاني: هو حملُ الطائفة الناهية على إرادة الكراهة، وذلك لصراحة الطائفة الأولى في صحَّة السجود على القير، فإنَّ نفي البأس عن السجود عليه صريحٌ في الجواز، وهذا بخلاف الطائفة الناهية فإنَّ أقصاها هو الظهور في المنع، ولذلك يتعيَّن رفع اليد عن هذا الظهور بقرينة التصريح بالجواز والصحة في الطائفة الأولى أي أنَّه يُحمل الظاهر على الصريح، فيكون الصريح قرينةً على تحديد المراد الجدِّي من الروايات الناهية عن السجود على القير وأنَّ المراد منها هو الكراهة.

والجواب هو أنَّ هذا الجمع يكون عرفياً لو كانت الطائفة الثانية ظاهرة وليست صريحة في المنع عن السجود على القير إلا أنَّ الأمر ليس كذلك فإنَّ العرف لا يجد فرقاً بين الطائفتين في مستوى الوضوح لمدلولهما، فكما أنَّ الطائفة الأولى شديدة الظهور الجواز كذلك فإنَّ الطائفة الثانية شديدة الظهور في المنع وعدم الجواز خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار وقوع النهي عن السجود على القير في سياق النهي عن السجود على الكرسف والصوف والجلود والرياش والذي لا ريب في عدم جواز السجود على شيء منها، فالصحيح هو استحكام التعارض بين الطائفتين وأنَّ مفاد الطائفة الأولى هو الجواز، ومفاد الطائفة الثانية هو عدم الجواز. ولهذا يتعيَّن الرجوع لمرجِّحات باب التعارض، إذا بني على تكافؤ الطائفتين في الحجيَّة لولا التعارض، فقد يُقال إنَّ الطائفتين غير متكافئتين، وذلك لأنَّ الطائفة الأولى المصحِّحة للسجود على القير فاقدةٌ للحجيَّة في نفسها بقطع النظر عن التعارض، وذلك لإعراض المشهور شهرةً عظيمة عن العمل بمضمونها، وهو ما يفقدها شرط الحجيَّة.

إلا أنَّه قد يقال إنَّ الإعراض ليس مُحرزاً إذ لعلَّ منشأه هو ابتلاؤها بالتعارض، فعدم العمل بمضمونها لعلَّه لم ينشأ عن إعراض المشهور عن العمل بمضمونها وإنَّما نشأ عن الترجيح الذي كان بجانب الطائفة الثانية. فالصحيح هو ملاحظة ما تقتضيه مرجِّحات باب التعارض.

الصحيح في معالجة التعارض:

والظاهر هو اقتضاؤها ترجيح الطائفة الثانية، وذلك لموافقة الطائفة الأولى لما عليه العامَّة فتُحمل لذلك على التقية، ومع البناء على عدم المرجِّح يسقط كلٌّ من الطائفتين عن الحجيَّة فيكون المرجع هو عموم السنَّة المانعة من السجود على غير الأرض وما أنبتت من غير المأكول والملبوس.

وبذلك تكون النتيجة على كلا التقديرين هو البناء على عدم صحَّة السجود على القير إمَّا لحمل الطائفة المصحِّحة على التقيَّة أو لأنَّ ذلك هو مقتضى عموم السنَّة الشريفة بعد البناء على سقوط الطائفتين عن الحجيَّة بالتعارض.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

9 / شوال / 1447ه

30 / مارس / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج8 / ص417.

2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص 354.

3- الوافي -الكاشاني- ج7 / ص530

4- مجمع البحرين -الطريحي- ج3 / ص463.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص354.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص355.

7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص355.

8- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج1 / ص457، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص355.

9- الكافي -الكليني- ج3 / ص330، وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج5 / ص346.

10- الكافي -الكليني- ج3 / ص331، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص353. الصاروج: النورة وأخلاطها، تصهرج بها الحياض والحمامات" العين -الفراهيدي- ج6 / ص46. وفي الصحاح -الجوهري- قال: "الصاروج: النورة وأخلاطها، فارسي معرب.
وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم، لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب" ج1 / ص325. وفي لسان العرب لابن منظرو قال: ابن سيده: الصَّارُوج النُّورة بأَخلاطها تُطْلَى بها الحياض والحمَّامات، وهو بالفارسية جاروف، عُرِّب فقيل: صارُوج، وربما قيل: شارُوق. وصرَّجها به: طَلاها، وربما قالوا: شرَّقه" ج2 / ص310.