قضاء الولد عن الأب الذي لا يصلي ولا يصوم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا لم يكن الأب يصلِّي ولا يصوم عصياناً فهل يجب على ولده الأكبر القضاء عنه أو يختصُّ وجوب القضاء عن الأب بما إذا كان على الأب صلوات فائتة أو صوم فائت لعذرٍ؟

الجواب:

المشهور ظاهراً بين الفقهاء هو وجوب قضاء الولد الأكبر عن الأب مطلقاً سواءً كان ترك الأب للصلاة والصوم عن عذرٍ أو قصورٍ أو تقصير أو كان تركه للصلاة طغيانا وتمرُّداً على أمر الله تعالى. وفي مقابل ما عليه المشهور أفتى بعض الأعلام باختصاص ما يجب قضاؤه بما فات الأب عن عذرٍ ونسب إلى الحلِّي وابن سعيد اختصاص ما يجبُ قضاؤه بما فات الأب في مرض الموت(1).

ومستندُ المشهور هو إطلاق صحيحة حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وعَلَيْه صَلَاةٌ أَوْ صِيَامٌ؟ قَالَ: "يَقْضِي عَنْه أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِه قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِه امْرَأَةً؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا الرِّجَالُ"(2) فموضوع مَن يجب القضاء عنه من قبل وليِّه هو مُطلق مَن يموت وعليه صلاة أو صيام سواءً نشأ ذلك عن عذرٍ أو عصيان. فإنَّ كلاً منهما يصدق عليه دون عناية عنوان مَن يموت وعليه صلاة أو صيام.

مدرك دعوى الاختصاص بالمعذور:

وفي المقابل استند مَن ذهب إلى الاختصاص بالمعذور إلى دعوى الانصراف، فإنَّ النصَّ المذكور وإنْ كان يشمل بإطلاقه غير المعذور إلا أنَّه منصرفٌ عنَّه نظراً لكون المستظهَر من النصِّ هو أنَّ منشأ جعل القضاء عن الميِّت إنَّما هو الإحسان إليه والإرفاق به، ولا يستحقُّ غيرُ المعذور الإحسان فإنَّه كان قادراً على الأداء أو القضاء ولكنَّه تركه بسوء اختياره.

والجواب أنَّ غير المعذور قد يكون متسامحاً في الأداء ولكنَّ ذلك ليس مطَّرداً في تمام أحواله بل في حالاتٍ محدودة لمرضٍ غير معذِّر أو ضجرٍ أو همٍّ مع بنائه على القضاء، وقد يتهاونُ في قضاء ما عليه من فوائت ولكنَّه بانٍ على قضائها، وهو ملتزم بأداء فرائضه في سائر أيامه، فمثله وإنْ لم يكن معذوراً إلا أنَّه ليس من الواضح انصراف إطلاق النصِّ عن مثله، ودعوى أنَّ المستظهَر من النص هو أنَّ جعل القضاء عن الميِّت نشأ عن الاحسان والإرفاق بالميِّت وغير المعذور لا يستحقُّ الاحسان والإرفاق هذه الدعوى على إطلاقها لا تصحُّ، فإنَّ المتسامح وإنْ لم يكن معذوراً إلا أنَّ من غير الواضح عدم استحقاقه للإحسان والإرفاق فإنَّ الفرض هو التزامه بالأداء والقضاء في سائر أيامه وإنَّما نشأ تركه لذلك عن عارضٍ، فالعرف المتلقِّي لمثل صحيحة حفص لا يرى مثلَه خارجاً عن إطلاقها.

هذا مضافا إلى أنَّ أصل دعوى ظهور الصحيحة في أنَّ ملاك جعل القضاء عن الميِّت هو الإحسان والإرفاق هذه الدعوى غير واضحة فليس في الرواية ما يدلُّ عليها ولو بنحو الإشعار، نعم يحتمل أن يكون ذلك هو ملاك الجعل، ويحتمل أنْ يكون الملاك هو إحسانه لولده، ولو كان ذلك هو الملاك لم يكن فرقٌ بين كونه معذوراً أو غير معذور فإنَّ غير المعذور محسنٌ أيضاً لولده فيكون حقُّه عليه أنْ يقضيَ عنه.

منشأٌ آخر لدعوى الانصراف:

قد يقال إنَّ منشأ دعوى الانصراف هو أنَّ غير المعذور مستحقٌّ للعقاب فلا يُجديه القضاء عنه شيئاً.

والجواب هو أنَّ من غير المحرَز استحقاق مطلق غير المعذور للعقاب حتى في فرض القضاء عنه، فقد يكون القضاء عنه موجباً للعفو عنه، فالجزم بأنَّ القضاء عنه لا يُجديه شيئاً في غير محلِّه، نعم يُمكن الجزم -بمقتضى ما دلَّت عليه النصوص- بأنَّ تارك الصلاة والصوم طغياناً وتمرُّداً على الله تعالى لا يُجديه القضاء عنه إلا أنَّ ذلك يختصُّ بهذا الفرض، وأمَّا مَن كان ملتزماً بالفراض في سائر أيامه ولكنَّه تساهل ففاته الأداء أو القضاء لبعض الفرائض فإنَّ مِن غير المُحرَز استحقاقَه للعقاب حتى في فرض القضاء عنه.

الوجه الثالث لدعوى الانصراف:

وثمة وجهٌ آخر يمكن أنْ يكون هو مستند دعوى الانصراف وهو أنَّ غير المعذور عاصٍ لله تعالى، فإيجاب القضاء على غيره يكون من تحميل وزر المعصية على غير فاعلها، وهو منافٍ لما دلَّت عليه الآياتُ والروايات من أنَّ وزر المعصية لا يتحمَّلها إلا من اكتسبها.

والجواب هو أنَّ قضاء الولد عن أبيه ليس من تحميل غير العاصي وزرَ معصية الغير بل هو تكليفٌ من الله تعالى لعبده، غايته أنَّ موضوع هذا التكليف هو تركُ الأب لفريضةٍ كانت عليه، ونظير ذلك – كما أفاد السيد الخوئي(3)- ما لو نجَّس أحدُهم المسجد، فإنَّه مخاطَب بتطهيره، فلو عصى فإنَّ على مَن علم بنجاسة المسجد المبادرة لتطهيره رغم أنَّ التنجيس لم يكن من فعله، فلا محذور في أنْ يكون موضوع التكليف هو فعل الغير أو قل لا محذور في أنْ يكون موضوع التكليف هو معصية الغير، فقضاءُ الولد عن أبيه تكليفٌ من الله تعالى للولد غايته أنَّ موضوع هذا التكليف هو معصية الأب. فأينَ هذا من تحميل غير العاصي وزرَ معصية العاصي؟!

والمتحصل مما ذكرناه أنَّه لا قصور في ظهور صحيحة حفص في الإطلاق والشمول لغير المعذور إذا كان ملتزماً بأداء فريضتي الصلاة والصوم وكان ما فاته منهما عارضاً ولأسبابٍ لا تتصلُ بالطغيان والتمرُّد على الله جلَّ وعلا، وأمَّا من كان تاركاً للصلاة أو الصوم طغياناً فإنَّ الظاهر هو عدم تناول الصحيحة لمثله فقوله: "الرَّجُلِ يَمُوتُ وعَلَيْه صَلَاةٌ أَوْ صِيَامٌ" لا يظهرُ منه أكثر من أنَّ عليه بعض الفوائت، وأمَّا من لم يكن يصلي أساساً أو لم يكن يصوم فإنَّ المتلقي لهذه الصحيحة لا يفهمُ منها التناول لهذا الفرض، وعليه فهي قاصرةٌ عن الشمول لمثل هذا الفرض.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

6 / شوال / 1447ه

26 / مارس / 2026م

 


1- مستند الشيعة -النراقي- ج10 / ص462، مستمسك العروة الوثقى -السيد الحكيم- ج7 / ص138. 

2- الكافي -الكليني- ج4 / ص123، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص331.

3- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج16 / ص269.