شمائل الإمام أمير المؤمنين (ع) الجسديَّة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

كان عليٌّ (ع) قمريَّ الوجه، وكان أحسنَ الناس وجهاً، كأنَّ وجهه القمر ليلةَ البدر حُسناً -كما أفاد جابر بن عبد الله الأنصاري وغيرُه- وكان أبلج الوجه أي مشرق الوجه ومسفره، وقيل الحسَنُ الواسعُ والذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، وكانت عيناه نجلاوين، وكان أدعجَ العينين، أزجَّ الحاجبين، وكان بهيَّاً نَضِراً أغيداً، كأنَّ عنقَه إبريق فضَّةٍ لنصوعه، ضحوك السنِّ، فإنْ تبسَّم فعنْ مثال اللؤلؤ المنظوم. وكان أنزعاً قد انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وكان في شيخوخته أبيض الرأس واللحيَّة، وكان لا يُغيِّر شيبه وكان كثَّ اللحية معتدلة القوام.

وكان مربوعاً معتدل القامة لا هو بالطويل ولا هو بالقصير وكان -كما قيل- أقرب للطول، وكان عريض المنكبين عريض الصدر، عبْل الذراعين، لا يَبين عضدُه من ساعده، قد أُدمجت إدماجاً، فكان شديدَ الساعد واليد إذا أمسك بذراعِ رجلٍ أمسك بنفَسه، فلم يستطع أنْ يتنفّس، وكان شثْنَ الكفَّين، وكان لمنكبيه مُشاشٌ كمُشاش السبُعِ الضاري، إذا مشى تكفَّأ كأنَّه ينزل في صبَب، وإذا مشى إلى الحرب هرول ثبت الجنان.

هذه هي الشمائل الجسديَّة لأمير المؤمنين (ع) التي يمكن التثبُّت منها، وأمَّا ما يتناقله شانئوه من غير ما ذكرناه فهو مكذوب كما سوف يتبيَّنُ ذلك إن شاء الله تعالى من مطاوي الحديث.

تشبيه الروايات عن الرسول (ص) جماله بجمال يوسف:

ونبدأ أولاً باستعراض الروايات المأثورة عن الرسول الكريم (ص) والتي يُمكن التعرُّف من طريقها على الشمائل الجسديَّة لأمير المؤمنين (ع) وما صحَّ منها وما لم يصحُّ.

النصُّ الأول: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي عن سيِّد العابدين عليِّ بن الحسين عن أبيه (عليهما السلام) قال: "نظر رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) ذات يومٍ إلى عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقد أقبل وحوله جماعة من أصحابه، فقال: "مَن أراد أنْ ينظر إلى يوسفَ في جماله، وإلى إبراهيمَ في سخائه، وإلى سليمانَ في بهجته، وإلى داودَ في قوَّته، فلينظرْ إلى هذا"(1).

النصُّ الثاني: ما أورده المحبُّ الطبري في الرياض النضرة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "مَن أراد أنْ ينظرَ إلى إبراهيم في حلمِه، وإلى نوحٍ في حكمه، وإلى يوسفَ في جماله فلينظرْ إلى عليِّ بن أبي طالب" قال: خرَّجه الملاء في سيرته"(2).

النصُّ الثالث: ما أورده ابن شهراشوب قي المناقب عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن المعمر عن الزهري عن ابن المسيَّب عن أبي هريرة وابن بطة في الإبانة عن ابن عباس كلاهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله قال: "مَن أراد أنْ ينظر إلى آدم في حلمه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى إدريسَ في تمامِه وكماله وجماله، فلينظر إلى هذا الرجل المُقبل، قال: فتطاول الناسُ فإذا هم بعليٍّ كأنَّما ينقلبُ في صبَب وينحطُ من جبل. تابعهما أنس إلا أنه قال: وإلى إبراهيم في خلَّته، وإلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب. قال: وروي أنَّه نظر ذات يومٍ إلى عليٍّ فقال: "من أحبَّ أن ينظر إلى يوسفَ في جماله، وإلى إبراهيم في سخائه، وإلى سليمانَ في بهجته، وإلى داود في قوَّته، فلينظرْ إلى هذا"(3).

النص الرابع: ما أورده النيسابوري في روضة الواعظين قال: (وروى) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظر ذات يوم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحوله جماعة من أصحابه، فقال: من أحب ان ينظر إلى يوسف في جماله والى إبراهيم في سخائه والى سليمان في بهجته، والى داود في قوته فلينظر إلى هذا"(4).

النص الخامس: ما أورده المحبُّ الطبري في الرياض النضرة قال: وفي رواية وأخرجهما الملاء في سيرته قيل يا رسول الله وكيف يستطيعُ عليٌّ أنْ يحمل لواء الحمد؟ فقال رسولُ الله (ص): "وكيف لا يستطيع ذلك وقد أُعطي خصالاً شتى، صبراً كصبري، وحُسناً كحُسن يوسف، وقوَّةً كقوَّةِ جبريل"(5).

النص السادس: قال رسول الله (ص): "علي أول من يُدعى به يوم القيامة وبيده لواء الحمد، وهو بيني وبين إبراهيم، وهو أخي ويُكسى معي ويحيى معي، صبره كصبري، حسنُه كحُسن يوسف، قوَّتُه كقوَّة جبرئيل" رواه جماعة من أعلام العامة في كتبهم: منهم العلامة السيد أحمد بن محمد بن أحمد الحسيني الخافي (الخوافي) الشافعي في كتاب (التبر المذاب)(6).

النص السابع: ما ورد في شرح إحقاق الحق فال: روي عن رسول الله (ص) "عليٌّ مثل آدم في علمه، ومثل نوحٍ في حكمته وهمته، ومثل إبراهيم في حلمه وخلَّته، ومثل يوسف في حُسنه، ومثل محمد (ص) في هَدْيه وحِلمه"(7) "عليٌّ مثل آدم في علمه، ومثل يوسف في حُسنه، ومثل موسى في صلاته، ومثل عيسى في زهده، ومثل محمد (ص) في خُلقِه"(8) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد أن ينظر إلى آدم عليه السلام وإلى يوسف وحسنه وإلى موسى وصلاته وإلى عيسى وزهده وإلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خلقه فلينظر إلى علي بن أبي طالب"(9).

النص الثامن: ما رواه شاذان القمي بسنده عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: بينما أنا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى، وقال: يا جندب، مَن أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمِه، وإلى نوحٍ في فهمه، وإلى إبراهيم في خلَّته، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سياحته، وإلى أيوب في بلائه وصبره فلينظر إلى هذا الرجل المُقبِل الذي هو كالشمس، والقمر الساري، والكوكب الدرِّي، أشجع الناس قلباً، وأسماهم كفَّاً، فعلى مبغضِه لعائنُ الله والملائكةِ والناس أجمعين، قال: فالتفتَ الناسُ تنظر أنَّه من هذا المُقبِل، فإذا هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)"(10).

هذه رواياتٌ متظافرة وردتْ عن الرسول الكريم (ص) من طُرق الفريقين اشتملت على تشبيه جمال عليِّ بن أبي طالب (ع) بجمال نبيِّ الله يوسف(ع) وتشبيهِ حُسنه بحُسن يوسف(ع) وشبَّه بعضُها جمالَ عليٍّ(ع) وتمامه وكماله في هيئته بجمال نبيِّ الله إدريس (ع) وكماله، وشبَّهتْ بعضُ هذه الروايات بهجته ببهجة نبيِّ الله سليمان(ع) وشبَّهت الرواية الأخيرة عليَّاً (ع) بالشمس والقمر الساري والكوكب الدُرِّي، ومجموع هذه الروايات تشتركُ في إفادة أنَّ جمال عليٍّ (ع) كان فائقاً، إذ أنَّ ذلك هو مقتضى تشبيهِ حُسنه وجماله بجمال يوسف (ع) والذي كان مضرب المثل في جماله وحُسن قوامِه، وهو مقتضى تشبيهه (ع) بالشمس والقمر الساري والكوكب الدرِّي، فإنَّ مقتضى ذلك هو أنَّه كان مُشرقَ الوجه ناصعاً أبلجاً يتَّسم بالبهجة والصفاء والنضارة والبهاء تماماً كما هي الشمسُ والقمرُ الساري والكوكب الدُرِّي.

ما تناقلته كلمات المؤرخين عمَّن شاهده:

ويؤيِّد ما أفادته الروايات ما تناقلته كلمات المؤرخين عمَّن شاهده حيث وصفوه بأنَّه كان مِن أحسن الناس وجهاً، وأنَّ وجهه كالقمر ليلة البدر حُسناً، وأنَّ عنقه كأبريق فضَّة، وأنَّه كان أبلج الوجه ضحوكَ السِنِّ فإنْ تبسَّم فعَنْ مثال اللؤلؤِ المنظوم.

فمن ذلك ما في حديثٍ عن ابن عباس (رحمه الله) أَنَّه قال: "كان عليٌّ أَميرُ المؤمنين يُشْبِه القَمَر الباهِرَ، والأَسَدَ الخادِرَ، والفُراتَ الزَّاخِرَ والرَّبيعَ الباكِرَ، أَشْبَه من القَمر ضَوْءَه وبَهاءَه ومِنَ الأَسَدِ شَجاعَتَه ومَضاءَه، ومن الفُراتِ جُودَه وسَخاءَه، ومن الرَّبيعِ خِصْبَه وحَياءَه"(11).

ومنه: ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري وابن الحنفية أنَّ عليَّاً كان (ع) ".. ربعَ القامةِ، أزجَّ الحاجبين، أدعج العينين أنجل، يميلُ إلى الشهلة، كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر حُسناً .. وكأنَّ عنقَه إبريق فضَّة .."(12).

ومنه: ما قاله أبو الأسود الدؤلي في رثائه (ع):

ألا يا عين ويحك أسعدينا ** الا تبكي أمير المؤمنينا

إذا استقبلت وجهَ أبي حسين ** رأيت البدر راق الناظرينا"(13)

ومنه: ما ورد في أسد الغابة قال: وقال ابن أبي الدنيا حدَّثني أبو هريرة حدثنا عبد الله بن داود حدثنا مدرك أبو الحجاج قال: رأيتُ عليَّاً يخطب، وكان من أحسن الناس وجهاً، وقيل كان كأنَّما كسر ثم جبر، لا يُغيِّر شيبه، خفيفُ المشي، ضحوكُ السنِّ"(14).

ومنه: ما ورد الكامل لابن الأثير قال: "وكان ضخم عضلةِ الذراع، دقيق مستدقُّها، ضخمُ عضلة الساق، دقيق مستدقها، وكان مِن أحسن الناس وجهاً، ولا يُغيِّر شيبه، كثير التبسُّم"(15).

ومنه: ما ورد في الاستيعاب لابن عبد البَرِّ قال: "كان ربعةً من الرجال .. أدعجُ العينين، حسنُ الوجه، كأنَّه القمر ليلة البدر حُسناً.. أغيد، كأنَّ عنقه إبريق فضة.."(16).

ومنه: ما ورد في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري بسنده عن زيد بن وهب "أنَّ عليَّاً خرج إليهم فاستقبلوه .. وكان .. أدعج العينين، كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر حسنا.. كأنَّ عنقه إبريق فضة .."(17).

ومنه: ما ورد في تاريخ مدينة دمشق للحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن داود عن مدرك أبي الحجاج قال: "رأيتُ عليَّاً له وفرة، وكان مِن أحسنِ الناس وجهاً"(18).

ومنه: ما أورده ابن الصبَّاغ المالكي قال: "وممّا رواه الغر المحدّث في صفته وذلك عند سؤال بدر الدين يوسف بن لؤلؤ صاحب الموصل له عند صفته له فقال: كان -عليٌّ- ربعةً من الرجال، أدعجَ العينين، حَسنَ الوجه كأنَّه القمر ليلة البدر حُسناً.. كأنّ عنقه إبريق فضّة .."(19).

هذه هي بعض النصوص التأريخيَّة المأثورة عمَّن شاهد أمير المؤمنين (ع) أو شاهد مَن شاهده، وهي متوافقة مع ما أفادتْه الروايات الواردة من طُرق الفريقين عن الرسول الكريم (ص) لذلك فهي من الحواضن المُوجبة للوثوق بصدور الروايات في الجملة، على أنَّ الروايات صالحةٌ في نفسها للإثبات التأريخي، وذلك لتظافرها ولمنافاتها لأهواء الشانئين لأمير المؤمنين (ع) والذين لم يوفِّروا مدخلاً للطعن على أمير المؤمنين (ع) إلا سلكوه، وقد سخَّروا كلَّ امكانياتهم في هذا الطريق حسداً وبغياً، وقد كانت بيدهم أزمَّةُ الأمور عقوداً مترامية.

وكيف فالروايات المتظافرة المعتضدة بما نصَّ عليه المؤرِّخون صالحةٌ لأنْ تكون مرجعاً لتمييز ما هو صحيحٌ أو مقبول من شمائل أمير المؤمنين (ع) وما هو مكذوبٌ منها.

كان علي (ع) أنزعاً:

تظافرت الأخبار بل تواترت أنَّ عليَّاً (ع) كان أنزعاً، والأنزع هو مَن قد انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وهو من الصفات الممدوحة في الرجال، وكانت العرب تتيمَّن بالأنزع، فلكِّل إنسان نزعتان وناصية، فالناصية هي الشعر الذي يكون في مقدم الرأس محاذيًا للجبهة التي تتوسط الجبينين، والنزعتان هما الموضعان اللذان يكونان عن يمين الناصية وشمالها في مقدَّم الرأس، فمَن لم يكن على نزعتيه شعر يُقال له الأنزع، ويُقابله الأغم، وهو مَن كان الشعر بالغًا حدَّ جبينيه. 

يقول ابنُ منظور في لسان العرب: "والنَّزَعُ: انْحِسارُ مقدَّم شعَر الرأْسِ عن جانبي الجَبْهةِ، وموضِعُه النَّزَعةُ، وقد نَزِعَ يَنْزَعُ نَزَعاً، وهو أَنْزَعُ بَيِّنُ النَّزَعِ، والاسم النَّزَعةُ .. والنَّزَعتانِ: ما يَنْحَسِرُ عنه الشعر من أَعلى الجَبينَينِ حتى يُصَعِّدَ في الرأْس... وفي صفة علي، رضي الله عنه: البَطِينُ الأَنْزَعُ، والعرب تُحبُّ النزَع، وتَتَيَمَّنُ بالأَنْزع، وتَذُمُّ الغَمَمَ وتَتَشاءَم بالأَغَمّ، وتَزْعُمُ أَنَّ الأَغم القفا والجبين لا يكون إِلا لَئِيماً: ومنه قول هُدْبةَ بن خَشْرَمٍ: ولا تَنْكِحي، إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنا أَغَمَّ القَفا والوَجْه لَيْسَ بِأَنْزَعا، وأَنْزَع الرجلُ إِذا ظهرت نَزَعَتاه"(20).

هذا وقد ذكرت بعضُ الأخبار أنَّ عليَّاً (ع) كان أجلحاً(21) الجَلَحُ -كما أفاد ابن مظور في لسان العرب- هو: "ذهابُ الشعر من مُقَدَّم الرأْس، وقيل: هو إِذا زاد قليلاً على النَّزَعَة، يقال: جَلِحَ، بالكسر، جَلَحاً، والنعتُ أَجْلَحُ وجَلْحاء، واسم ذلك الموضع الجَلَحَة، والجَلَحُ: فوق النَّزَعِ، وهو انْحِسار الشعر عن جانبي الرأْس، وأَوّله النَّزَعُ ثم الجَلَحُ ثم الصَّلَعُ، قال أَبو عبيد: إِذا انحَسَر الشعر عن جانبي الجبهة، فهو أَنْزَعُ، فإِذا زاد قليلًا، فهو أَجْلَح، فإِذا بلغ النصفَ ونحوه فهو أَجْلى"(22).

ويقول ابن الأثير في النهاية: "والأجلح من الناس: الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه"(23).

فالجلح إذن هو النزع نفسه أي هو انحسار الشعر عن جانبي الجبهة أو يزيد قليلاً على قول.

ومن ذلك يتضح أن النزع والجلح لا يجتمعان مع الصلع، إذ لا معنى لوصف أحدٍ بالأنزع إذا لم يكن له في رأسه شعر أو كان شعره منحسراً إلى القفا، فالوصف بالأنزع متقوِّمٌ بوجود الشعر على تمام الرأس عدا الصدغين أو شيءٍ مما يليهما.

وعليه يتعيَّن طرح الأخبار التي وصفت عليَّاً (ع) بالأصلع والبناء على كونها مكذوبة، إذ لا يمكن أن يكون الرجل أنزعاً أو أجلحاً وفي ذات الوقت يكون أصلعاً، وحيث إنَّ الأخبار التي وصفته بالأنزع متظافرةٌ بل هي تفوقُ حدَّ الاستفاضة، لذلك يتعيَّن البناء على أنَّ الأخبار التي وصفتْه بالأصلع مكذوبة.

ويؤيد صحَّة الأخبار التي وصفت أمير المؤمنين (ع) بالأنزع وبالأجلح هو أنَّ النزع والجلح من الصفات المحمودة في الرجل والموجبة للمزيد من الجمال والحُسن والبهاء فتكون هذه الأخبار متوافقة مع الروايات والمأثورات التي وصفتْ أميرَ المؤمنين (ع) بأنَّه كان من أحسن الناس وجهاً وأنَّه كالقمر في ليلة البدر، وأنَّه كالشمس والكوكب الدُرِّي، وأنَّه يُشبه يوسف(ع) في جماله وحُسن هيئته.

وكذلك يُمكن تأييد الأخبار التي وصفته بالأنزع وبالأجلح بما رُوي عن ابن عباس أنَّه قال: "ما رأَيتُ أَحْسَنَ من شِرَصةِ عَليٍّ" والشرصة -كما أفاد ابن منظور وابن الأثير في النهاية- هي بفتح الراء الجَلَحةُ، وهي انْحِسارُ الشعَرِ عن جانبي مُقَدَّم الرأْس؛ قال ابن الأَثير: هكذا قال الهروي وقال الزمخشري: هو بكسر الشين وسكون الراء، وهما شِرْصتانِ والجمع شِراصٌ. ابن دريد: الشِّرْصةُ النزَعةُ"(24).

وقال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث: قال ابنُ عباس: "ما رأيتُ أحسنَ من شِرصة عليٍّ". الشرصتان بكسر الشين وسكون الراء: النزعتان والجمع شراص.. هو من الشرص بمعنى الشصر وهو الجذب كأنَّ الشعر شرص شرصاً فجلح الموضع، أَلا تَرى إلى تسميتها نزعة، والجذب والنزع من وادٍ واحد"(25).

 وكذلك يمكن تأييد الأخبار التي وصفته (ع) بالأنزع ما رواه الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن داود عن مدرك أبي الحجاج قال: "رأيت عليَّاً له وفرة، وكان من أحسن الناس وجها".

والوفرة هي -كما أفاد ابن منظور في لسان العرب-" الشعر المجتمع على الرأْس، وقيل: ما سال على الأُذنين من الشعر، والجمع وِفارٌ .. والوَفْرَةُ: ما جاوز شحمة الأُذنين واللِّمَّةُ: ما أَلمَّ بالمَنْكِبَينِ -وقال في- التهذيب: والوَفْرَةُ الجُمَّة من الشعر إِذا بلغت الأُذنين، وقد وفَرَها صاحبها، وفلان مُوَفَّرُ الشعر؛ وقيل: الوَفْرَةُ الشعرة إِلى شمحة الأُذن ثم الجُمَّة ثم اللِّمَّةُ، وفي حديث أَبي رِمْثَةَ: انطلقتُ مع أَبي نَحْوَ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فإِذا هو ذو وَفْرَة فيها رَدْعٌ من حِنَّاءِ؛ الوَفْرَة: شَعر الرأْس إِذا وصل إِلى شحمة الأُذن"(26).

وقال ابن الأثير في النهاية: "في حديث أبي رمثة" انطلقتُ مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو ذو وفرة، فيها ردع من حناء "الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن"(27).

كان عليٌّ كثَّ اللحية:

كان عليٌّ (ع) كثَّ اللحية كما كان رسول الله (ص) ولم تكن متعدِّيةً في الطول كما زعموا، ويدلُّ على ذلك أنَّ التعدِّي في إطالة اللحية منافٍ للسنَّة الشريفة، وأولى الناس بامتثال السُنَّة الشريفة هو أميرُ المؤمنين(ع) حيثُ لم يكن يتجاوزها قيد شعرة.

فمما ورد في الحضِّ على عدم إطالة اللحية ما رُوي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: مَرَّ بِالنَّبِيِّ (ص) رَجُلٌ طَوِيلُ اللِّحْيَةِ فَقَالَ: "مَا كَانَ عَلَى هَذَا لَوْ هَيَّأَ مِنْ لِحْيَتِه فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَهَيَّأَ لِحْيَتَه بَيْنَ اللِّحْيَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ (ص) فَلَمَّا رَآه قَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا"(28).

ومنه: ما أورده الكليني بسنده عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَمَّنْ أَخْبَرَه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ فَفِي النَّارِ، يَعْنِي اللِّحْيَةَ" وروى عن أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: مَا زَادَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الْقَبْضَةِ فَهُوَ فِي النَّارِ"(29).

ومنه: ما أورده الكليني عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي قَدْرِ اللِّحْيَةِ قَالَ: تَقْبِضُ بِيَدِكَ عَلَى اللِّحْيَةِ وتَجُزُّ مَا فَضَلَ"(30).

ومنه: ما أورده بسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ -الباقر- (ع) والْحَجَّامُ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِه فَقَالَ: دَوِّرْهَا"(31).

ويؤيِّد ما ذكرناه من أنَّ عليَّاً (ع) لم يكن -كما زعموا- طويل اللحية ما أورده الشيخ الصدوق في الخصال أنَّه (ع) عاب على أهل البصرة -الذين حاربوه في معركة الجمل- خصالاً فكان ممَّا عابه عليهم أنَّ لحاهم طويلة قال: "وأقبلوا بها تخبط الفيافي، وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب .. في عصبةٍ قد بايعوني ثانية بعد بيعتِهم الأولى في حياة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم حتى أتتْ أهل بلدة قصيرة أيديهم طويلة لحاهم قليلة عقولهم عازية آراءهم .."(32).

فكيف يعيبُ على أهل البصرة أنَّ لحاهم طويلة لو كان هو كذلك؟!! إنَّ غاية ما زعموه من أنَّ عليَّاً (ع) كان طويل اللحية وأنَّه عظيم اللحية وأنَّها قد ملأت صدره إنَّ غايتهم من ذلك هو الطعن عليه من طرفٍ خفي، وذلك لأنَّ المعروف في ثقافة العرب أنَّ طول لحية الرجل من أمارات حمقِه، ولعلَّ مما يؤكِّد ذلك ما أثر عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: "يعتبر عقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمه، وفي كنيته"(33).

 وكانت العرب تتندرُ بطويل اللحية وتصفُه بالحماقة، فغايتُهم -لخبث سرائرهم وحسدِهم- من وصف لحيته بالطول هو الطعن عليه بذلك، ولم يكن (ع) طويل اللحية ولا عريضها، وإنَّما كان كثَّ اللحية كما كان رسول الله (ص) كذلك، والمراد من كثِّ اللِّحية هو مَن غلظت لحيتُه وكثرتْ أصولها وقصرت فلم تنبسط كما أفاد ذلك ابنُ منظور في لسان العرب وقال: وفي صفته، صلَّى الله عليه وآله وسلم: "أَنه كان كَثَّ اللحية؛ أَراد كَثرةَ أُصولها وشعرها، وأَنها ليست بدقيقة، ولا طويلة، وفيها كَثافة"(34).

وقال ابنُ الأثير في النهاية في مادة كثث: "في صفته عليه الصلاة والسلام" كَثُّ اللحية "الكثاثة في اللِّحية: أنْ تكون غير رقيقة ولا طويلة، ولكنَّ فيها كثافة. يقال: رجل كَثُّ اللحية بالفتح، وقوم كُثُّ بالضم"(35).

كان عليٌّ (ع) أدعج العينين أنجل:

كان عليٌّ(ع) أدعجَ العينين كما كان رسول الله (ص) وكانت عيناه نجلاوين كما نصَّ على ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن الحنفية في المناقب، ونصَّ كذلك على أنَّه أدعجُ العينين زيد بن وهب كما في وقعة صفين، ونصَّ عليه ابنُ عبد البر في الاستيعاب والمحبُّ الطبري في الرياض النضرة، وابن الصباغ في الفصول المهمة والأربلي في كشف الغمة وغيرهم(36).

ومعنى دعج العينين هو شدَّة سواد العين في شدَّة بياضها، وقيل مع سعتها (37) والمراد من وصفه (ع) بأنجل العين هو أنَّ عينيه واسعتان في حُسن كما أفاد ذلك ابن منظور في لسان العرب قال: "والنَّجَل بالتحريك: سعة شقِّ العين مع حُسْنٍ، نَجِل نَجَلاً وهو أَنْجَل والجمع نُجْل ونِجال، وعين نَجْلاء .."(38).

وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "والنجل: سعة العين مع حسن، يقال: رجل أنجل وعين نجلاء"(39) وقال ابن قتيبة في غريب الحديث: "فإنْ عظمت المقلة مع السعة فهو أنجل"(40) وفي معجم مقاييس اللغة:" النجل سعة العين في حسنٍ والنجل جمع أنجل"(41).

ويُؤيد صحَّة وصفه بأنَّه أدعج العينين وأنهما نجلاوان يؤيده بل يدلُّ عليه ما ورد في الروايات المتظافرة الواردة عن الرسول الكريم (ص) والمعتضدة بالمأثورات عمَّن شاهده والتي تشترك جميعها في أنَّ جمال عليٍّ (ع) وحُسن هيئته كان فائقاً، ومن المعلوم أنَّ شطر جمال الرجل إنَّما هو في عينه بل لو كانت عين الرجل معيبةً فإنَّه لا يصحُّ وصف وجهه بالحُسن والجمال وإن كان واجداً لسائر صفات الجمال، وعليه يتعيَّن طرح كلِّ خبر يظهر منه أنَّ في عين عليٍّ(ع) عيباً، وذلك لمنافاته مع ما ثبت من أنَّه كان من الحسن بحيث صحَّ تشبيه جماله بجمال يوسف(ع) وأنَّه كان من أحسن الناس وجهاً، وأنَّ وجهه كان كالقمر في ليلة البدر وأنَّ وجهه كالشمس والكوكب الدري.

فما زعمه البعض من أنَّه أخفش أو أنَّ في عينيه خفش(42) مكذوبٌ جزماً، وذلك لأنَّ الخفش عيب في العين وهو ما ينافي الأخبار المتظافرة المعتضدة بالمأثورات التي نصَّت على أنَّه فائق الحسن والجمال، وكذلك هي منافية لوصف عينيه بالنجلاوين، وأنَّه أدعج العينين، وذلك لأنَّ الخفش -كما أفاد ابن منظور- يعني "ضعفٌ في البصر وضيقٌ في العين، وقيل: صغرٌ في العين خلقةً، وقيل: هو فساد في جفن العين واحمرار تضيق له العيون من غير وجعٍ ولا قُرْحٍ"(43).

وقال ابن الأثير في النهاية: "الخفش، مصدر خفشت عينه خفشاً إذا قلَّ بصرها، وهو فساد في العين يضعفُ منه نورها، وتغمصُ دائماً من غير وجع"(44) وقال الخليل ابن أحمد الفراهيدي:"الخفش: "فساد في الجفون تضيق له العيون من غير وجعٍ ولا قرح"(45).

وكذلك فإنَّ ما زعمه بعضُهم من أنَّه (ع) أعمش العين مكذوبٌ لكون ذلك عيباً ظاهراً، فقد أفاد ابن منظور أنَّ الأَعْمَشُ هو: "الفاسد العين الذي تَغْسِقُ عيناه، ومثله الأَرْمَصُ. والعَمَشُ: أَنْ لا تزالَ العين تُسِيل الدمع، ولا يَكادُ الأَعْمشُ يُبْصِرُ بها، وقيل: العَمَش ضَعْفُ رؤية العين مع سيلانِ دمعها في أَكثر أَوقاتِها"(46).

وقال الجوهري في الصحاح: العمش في العين: "ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها. والرجل أعمش، وقد عمش، والمرأة عمشاء، بيِّنا العمش"(47) وقال الفراهيدي في كتاب العين: "رجل أعمش، وامرأة عمشاء، أي: لا تزال عينُها تسيل دمعاً، ولا تكاد تُبصر بها"(48).

فدعوى أنَّه أعمش العينين منافٍ للروايات المتظافرة المعتضدة بالمأثور عمَّن شاهده من أنَّه كان من أحسن الناس وجهاً وأنَّ وجهه كالقمر في ليلة البدر وهي كذلك منافية لما نصَّت عليه روايات حديث خيبر من أنَّه (ع) ما اشتكى عينيه قط بعد أنْ مسح عليهما النبيُّ (ص) من رمدٍ أصابه، ومن الواضح أنَّ العمش وسيلان العين دائماً أو كثيراً لو كان واقعاً لكان من أجلى مصاديق الشكوى من العين، إذ هو أذىً ظاهر يبذل المبتلى به ما في وسعه لمعالجته، وهو ما ينافي ما أفادته الروايات من أنَّه ما اشتكى عينيه بعد غزوة خيبر والتي كانت في مقتبل عمره الشريف.

فالواضح من مختلقي هذه الأخبار ومروجيها هو أنَّهم يبتغون منها التنقٌّص من أمير المؤمنين (ع) وأنَّ الباعث لهم من ورائها هو الحسد والتنفيس عن الضغائن التي انطوت عليها نفوسهم. 

كان عليٌّ (ع) مربوعاً معتدل القامة:

كان عليٌّ (ع) معتدل القامة كما كان رسول الله (ص) كذلك فلا هو بالطويل البيِّن الطول ولا هو بالقصير، فهذا هو مقتضى ما استفاضت به الأخبار وذكرها أكثر المؤرخين من أنَّه (ع) كان مربوعاً وأنَّه كان ربعةً من الرجال(49) والمَرْبوعُ كما أفاد ابن منظور في لسان العرب هو: "الذي ليس بطويل ولا قصير"(50) وقال الجوهري في الصحاح: "ورجل ربعةٌ أي مربوع الخلق لا طويل ولا قصير، وامرأة ربعة أيضا"(51) وقال الزمخشري في أساس البلاغة: "ورجل ربعة ومربوع ومرتبع وسيط القامة"(52) وقال الفراهيدي: "ورجل ربعةٌ ومربوعُ الخلق، أي: ليس بطويلٍ ولا قصير"(53).

فعليٌّ (ع) كان مربوعاً معتدل القامة، وأفاد بعضُهم أنَّه كان إلى الطول أقرب، فمن ذلك ما أورده ابن سعد في الطبقات بسنده عن رزام بن سعد الضبِّي قال: سمعت أبي ينعتُ عليَّاً قال: كان رجلاً فوق الربعة"(54) وأورد ذلك البلاذري في أنساب الأشراف (55) وابنُ عساكر في تاريخ مدينة دمشق(56).

وعليه فما زعمه البعض من أنَّه (ع) كان قصير القامة منافٍ لما استفاض من الأخبار من أنَّه (ع) كان مربوعاً، ويؤيِّد ذلك ما ورد من أنَّه كان إلى الطول أقرب وكذلك هو مؤيَّد بما أورده ابن عساكر بسنده عن زرارة بن سعيد قال: سمعتُ أبي ينعت عليَّاً قال: كان رجلا عظيماً"(57) ولا يصح وصف القصير أنَّه كان رجلاً عظيماً كما هو واضح.

هل كان عليٌّ (ع) بطيناً:

جاء في الروايات الواردة عن الرسول الكريم(ص) وأهل بيتِه (ع) وصف عليٍّ (ع) بالأنزع البطين، وتصدَّت هذه الروايات لبيان منشأ وصف الأمام عليٍّ (ع) بالأنزع البطين وأفادت أنَّه (ع) منزوعٌ من الشرك، بطينٌ من العلم.

فمِن ذلك ما أورده الشيخ الصدوق بإسناد معتبر عن الإمام الرضا(ع) عن أبائه قال: قال رسول الله (ص) يا علي إنَّ الله تعالى قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك، ومحبي شيعتك، ومحبي محبي شيعتك، فأبشر فإنَّك الأنزع البطين، منزوعٌ من الشرك، بطينٌ من العلم"(58).

ومنه: ما أورده الشيخ الصدوق بإسناده عن عباية بن ربعي، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس -رضي الله عنه- فقال له: أخبرني عن الأنزع البطين علي بن أبي طالب عليه السلام فقد اختلف الناس فيه. فقال له ابن عباس: أيُّها الرجل والله لقد سألتَ عن رجلٍ ما وطأ الحصى بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله أفضل منه، وإنَّه لأخو رسول الله صلَّى الله عليه وآله وابن عمه ووصيه و خليفته على أمته، وإنَّه لأنزع من الشرك، بطينٌ من العلم، ولقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "من أراد النجاة غداً فليأخذْ بحجزةِ هذا الأنزع يعني عليَّاً عليه السلام"(59). وأورد قريباً من ذلك الموفق الخوارزمي في المناقب(60).

فوصفُ الإمام عليٍّ (ع) بالبطين تعبيرٌ مجازي أُريد منه الكناية عن كثرة علمِه لا عن انتفاخ أو ضخامةٍ في البطن.

وهذا الذي ذكرناه لا تختصُّ الشيعةُ بقوله بل ذكره بعضُ أكابر علماء السنَّة مثل السبط بن الجوزي قال: "ويسمَّى عليٌّ (ع) البطين لأنَّه كان بطينًا من العلم، وكان يقول لو ثُنيتْ لي الوسادة لذكرتُ في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير، ويُسمَّى الأنزع لأنَّه كان أنزع من الشرك، وقيل: لأنَّه كان أجلح"(61) .

وروى ابن المغازلي الشافعي في المناقب عن رسول الله (ص): "يا علي إنَّ الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبِّي شيعتك، فابشر فإنَّك الأنزع البطين المنزوع من الشرك، البطين من العلم"(62).

وقال العلامة محمد بن طلحة الشافعي في وصف علي (ع): ".. وقد اشتهر بين المخبرين .. أنَّ من صفاته التي تختص بإضافة نسبها إليه .. الأنزع البطين حتى صارت عليه علمًا للناظرين، وممَّا يُستفتح به أبواب المسامع من واردات طلايع البدايع في معنى صفات البطين الأنزع ما هو ألذ عند السامع من حصول الغنى للبائس القانع. وهو أنَّه لما اشتمل عليه رسول الله (ص) بتربيته إيَّاه ومتابعته في هداه فكان بأوامره ونواهيه يروح ويغتذي وبشعاره يتجلَّب ويرتدي وباستبصاره في اتباعه يأَتمُ ويهتدي .. خصَّه الله عزّ وعلا من أنوار النبوَّة المنتشرة في الآفاق بنفس زكيَّة مستنيرة الأشراق. حيث اتَّضح ما آتاه من أنوار العلم وأقسام الحكمة، فباعتبار ذلك وصف بلفظ البطين، فإنها لفظة يُوصف بها مَن هو عظيم البطن متَّصف بامتلائه، ولما قد امتلأ علمًا وحكمة وتضلع من أنواع العلوم وأقسام الحكمة ما صار غذاءً له مملوءً به وصف باعتبار ذلك بطينًا، فأطلقت هذه اللفظه نظرًا إلى ذلك، هذا هو المعنى الذي أهدته هداة الرواة إلى ألسنة الأقلام .."(63).

ويُؤيد أنَّ المراد من البطين في وصف أمير المؤمنين(ع) ليس هو العظيم البطن ما ورد في وصفه كما عن المغيرة بن شعبة أنَّه: "كان عليٌّ (عليه السلام) على هيئة الأسد؛ غليظاً منه ما استغلظ، دقيقاً منه ما استدقّ"(64) والواضح أنَّ ما استدقَّ من الأسد هو خصرُه وبطنُه، فالأسد لا يكون إلا ضامراً.

وكذلك يُمكن تأييد عدم إرادة المنتفخ البطن من وصف أمير المؤمنين(ع) بالبطين ما ورد من وصف أمير المؤمنين (ع) شيعته بأنَّهم خمص البطون، فمِن ذلك رواه السيد المرتضى قال: رُوي عنه عليه السلام أنَّه رأى قوماً على بابه فقال: يا قنبر مَن هؤلاء؟ فقال له قنبر: هؤلاء شيعتُك فقال: مالي لا أرى فيهم سيماء الشيعة قال: وما سيماء الشيعة؟ قال: خمص البطون من الطوى ويبس الشفاه من الظما.."(65) وأورده المتَّقي الهندي في كنز العمال(66) والزمخشري في ربيع الأبرار(67) وأورده ابنُ الأثير في الكامل عن المدائني(68).

وروى الشيخ الطوسي في الأمالي نوف بن عبد الله البكالي قال: قال لي عليٌّ (عليه السلام): "يا نوف، خُلقنا من طينة طيِّبة، وخُلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة ألحقوا بنا. قال: نوف: فقلتُ: صف لي شيعتك، يا أمير المؤمنين؟ فبكى لذكرى شيعته، ثم قال: يا نوف، شيعتي والله الحلماء العلماء بالله ودينه، العاملونَ بطاعته وأمره، المهتدون بحبِّه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجُّد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمصُ البطون من الطوى"(69) فكيف يصف شيعته بأنَّه خمصُ البطون وهو ممتلأ البطن كما زعموا؟!!

هذا مضافاً إلى منافاة ما توهَّمه البعض من أنَّ المراد من البطين هو انتفاخ البطن وتدلِّيه منافاة ذلك مع ما ثبت من تشبيه جمال عليٍّ (ع) بجمال يوسف (ع) فإنَّه لا يصحُّ وصف أحدٍ بالجمال لو كان بطنُه منتفخاً متدلِّياً، فإنَّ من أوضح معاني الجمال وحُسن الهيئة هو تناسق الجسد، وهو المناسب لوصف هيئته بالتمام والكمال وهو المناسب لوصفه بالأسد الخادر كما عن ابن عباس وغيره.

معنى وصفه بالآدم والأسمر:

وصف بعضُ المؤرِّخين أميرَ المؤمنين (ع) أنَّه "كان أسمر، مربوعاً" كما في مقاتل الطالبيين(70) وذكر بعضُهم أنَّ "لونَه إلى سمرة ما"(71) وهو إلى السمرة(72) وذكر بعضُهم كما في الطبقات هو آدم، وإنْ تبيَّنته من قريب قلتَ: أن يكون أسمر أدنى من أن يكون آدم(73) وذكر الخوارزمي في المناقب أنَّه (ع): آدمُ اللون، حسَنُ الوجه"(74)"والآدَمُ من الناس: الأَسْمَرُ" كما في لسان العرب (75) وامرأَة مُؤدَمَةٌ مُبْشَرَةٌ: إِذا حسن مَنْظَرُها وصحَّ مَخْبَرُها. وفي حديث نَجبَة: ابنتُك المُؤْدَمَة المُبْشَرة. يُقال للرجل الكامل: إِنه لَمُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ، أَي جمع لينَ الأَدَمِة ونُعُومَتَها"(76) السُّمْرَةُ -كما في لسان العرب وغيره- "منزلة بين البياض والسواد، يكون ذلك في أَلوان الناس والإِبل وغير ذلك.. وفي صفته، صلَّى الله عليه وآله وسلم: كان أَسْمَرَ اللَّوْنِ؛ وفي رواية: أَبيضَ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ. قال ابن الأَثير: ووجه الجمع بينهما أَنَّ ما يبرز إِلى الشمس كان أَسْمَرَ وما تواريه الثياب وتسترُه فهو أَبيض"(77) وفي التهذيب: "السُّمْرَةُ لَوْنُ الأَسْمَرِ، وهو لونٌ يضرب إِلى سَوَادٍ خَفِيٍّ"(78) وفي القاموس المحيط للفيروزابادي "السُّمرة، بالضم: منزلة بين البياض والسواد .. والسمراء: الحنطة"(79)

إذن لم يكن عليٌّ (ع) شديد البياض بل كان لون بشرته قريباً من لون الحنطة، فذلك هو معنى السُمرة بحسب ما أفاده اللغويُّون فهو بياض يضرب إلى سوادٍ خفيٍّ أو كان ما يظهر من بشرته للشمس يميل إلى السمرة وما تواريه الثياب وتسترُه فهو أَبيض كما أفاد ذلك ابن الأثير في مقام الجمع لما هو المأثور من وصف رسول الله (ص) وأنَّه كان أسمر اللون وكان أبيض مشرباً بالحمرة، ويؤيد ذلك ما ذكره بعضهم في وصفه (ع) أنَّه كان أحمر(80) وكذلك يؤيده ما هو المأثور في وصفه (ع) أنَّ عنقه كإبريق فضة، إذ لا يوصف بذلك إلا من كان أبيض اللون أو كان إلى البياض أقرب.

 وأمَّا ما زعمه بعضهم أنَّه (ع) شديد الأدمة -كما هو المنقول عن عمرو بن العاص(81)- أو أنَّه شديد السمرة فهو مكذوبٌ حتماً لمنافاته للمتظافر من الروايات عن الرسول الكريم (ص) أنَّه يُشبه يوسف (ع) في جماله وحُسنه وأنَّه يشبه إدريس في تمامه وجماله وكماله، ويشبه سليمان في بهجته، وأنَّه كالشمس والقمر الساري والكوكب الدري، ولمنافاته للمتظافر عمَّن وصفه ممَّن شاهده أو شاهد من شاهده من أنَّه كالقمر ليلة البدر حسناً، وبالقمر الباهر، وبالقمر في ضيائه وبهائه، وأنَّه كان من أحسن الناس وجهاً وأنَّ عنقه كإبريق فضة، فإنَّ شديد الأدمة أو السمرة لا يصحُّ وصفه بالشمس وبالقمر ليلة البدر وبالقمر الباهر والمضيء وأنَّ عنقه كإبريق فضَّة، ولا يصحُّ تشبيه جماله بجمال يوسف (ع) إلا أنْ يكون المراد من الأدمة هو البياض الواضح فهو أحد استعمالات هذه الكلمة(82).

ويؤيِّد ذلك ما رواه ابن عساكر بسنده عن أبي إسحاق قال: قال أبي: قم فانظر إلى أمير المؤمنين فإذا هو على المنبر شيخٌ، أبيض الرأس واللحية أجلح ضخم، أبيض ربعةٌ، عليه إزار ورداء، وليس عليه قميص"(83). 

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

12 / شهر رمضان / 1447ه

2 / مارس / 2026م

 


1- الأمالي -الصدوق- ص757.

2- الرياض النضرة -المحب الطبري- ج3 / ص196، ذخائر العقبى -المحب الطبري- ص94.

3- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3/ 57.

4- روضة الواعظين -الفتال النيسابوري- ص128.

5- الرياض النضرة -المحب الطبري- ج3 / ص172، جواهر المطالب -الباعوني الشافعي- ج1 / ص182.

6- شرح احقاق الحق -المرعشي- ج22 / ص339.

7- شرح احقاق الحق -المرعشي- ج4 / ص397،

8- شرح احقاق الحق -المرعشي- ج5 / ص5.

9- شرح احقاق الحق -المرعشي- ج5 / ص 5.

10- الروضة في فضائل أمير المؤمنين -شاذان القمي- ص34.

11-لسان العرب -ابن منظور- ج14 / ص216، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار -الزمخشري- ج5 / ص103، المحكم والمحيط الأعظم -ابن سيدة المرسي- ج2 / ص398.

12- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص91،

13- وقد تمثَّلت بهذه الأبيات أمُّ الهيثم بنت العريان النخعية، لاحظ: اسد الغابة ج4 / ص40، تاريخ الطبري ج4 / ص116، المناقب -ابن شهراشوب- ج3 / ص98، الكامل -ابن الأثير- ج3 / ص395، تاريخ الخلفاء -السيوطي- ص205، الوافي بالوفيات -الصفدي- ج21 / ص182، بلاغات النساء -ابن طيفور- ص30.

14- اسد الغابة -ابن الأثير- ج4 / ص39.

15- الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج3 / ص397.

16- الاستيعاب -ابن عبد البَرِّ- ج3 / ص1123.

17- وقعة صفين -ابن مزاحم المنقري-  ص233.

18- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42/ 25.

19- الفصول المهمة -ابن الصباغ المالكي ج1 / ص598، كشف الغمة -الأربلي- ج1 / ص75.

20- لسان العرب -ابن منظور- ج8 / ص352

21- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص21.

22- لسان العرب -ابن منظور- ج2 / ص424.

23- النهاية في غريب الحديث -ابن الأثير- ج1 / ص284.

24- لسان العرب -ابن منظور- ج7 / ص46، النهاية في غريب الحديث -ابن الأثير- ج2 / ص459.

25- الفائق في غريب الحديث -الزمخشري- ج2 / ص195

26- لسان العرب -ابن منظور- ج5 / ص288.

27- النهاية في غريب الحديث ج5 / ص210.

28- الكافي -الكليني- ج6 / ص488.

29- الكافي -الكليني- ج6 / ص487.

30- الكافي -الكليني- ج6 / ص487.

31- الكافي -الكليني- ج6 / ص487.

32- الخصال -الصدوق- ص377. 

33- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص113.

34- لسان العرب -ابن منظور- ج2 / ص179.

35- النهاية في غريب الحديث- ج4 / ص152.

36- الرياض النضرة- المحب الطبري- ج3 / ص107.

37- لسان العرب -ابن منظور- ج2 / ص271، القاموس المحيط -الفيروزأبادي- ج1 / ص188، أساس البلاغة -الزمخشري- ص271، النهاية -ابن الأثير- ج2 / ص119.

38- لسان العرب -ابن منظور- ج11 / ص647.

39- العين -الخليل بن أحمد الفراهيدي- ج6 / ص125.

40-غريب الحديث -ابن قتيبة الدينوري- ج3 / ص358.

41- معجم مقاييس اللغة -ابن فارس- ج5 / ص396.

42- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص20.

43- لسان العرب -ابن منظور- ج6 / ص298.

44- النهاية في غريب الحديث -ابن الأثير- ج2 / ص53.

45-العين -الخليل بن أحمد الفراهيدي- ج4 / ص172.

46- لسان العرب -ابن منظور- ج6 / ص320، معجم مقاييس اللغة -ابن فارس- ج4 / ص143.

47- الصحاح- الجوهري- ج3 / ص1012.

48- كتاب العين-الخليل بن أحمد الفراهيدي-

49- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر ج42 / ص20-21، الاستيعاب -ابن عبد البر- ج3 / ص1123، الرياض النضرة -المحب الطبري- ج3 / ص107، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص91.

50- لسان العرب -ابن منظور- ج8 / ص107.

51- الصحاح الجوهري ج3 / ص1214.

52- أساس البلاغة -الزمخشري- ص317.

53- العين -الخليل بن أحمد الفراهيدي- ج2 / ص133.

54- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج3 / ص26.

55- أنساب الأشراف -البلاذري- ج2 / ص125.

56- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص23.

57- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص23، معرفة الصحابة -أبو نعيم الأصفهاني- ج1 / ص79.

58- عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج2 / ص52، الأمالي -الطوسي- ص293، مناقب علي بن أبي طالب -ابن المغازلي- ص262.

59- معاني الأخبار -الصدوق- ص63، علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص159.

60- المناقب -الخوارزمي- ص294.

61- تذكرة الخواص -سبط ابن الجوزي- ج1 / ص16.

62- مناقب علي بن أبي طالب -ابن المغازلي الشافعي- 

63- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول -محمد بن طلحة الشافعي- ص76.

64- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص91.

65- الأمالي -السيد المرتضى - ج1 / ص13.

66- كنز العمال -المتقي الهندي- ج11 / ص325.

67- ربيع الأبرار -الزمخشري- ج1 / ص397.

68- الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج3 / ص402.

69- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص576.

70- مقاتل الطالبيين -أبو الفرج الأصفهاني- ص16.

71- شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج5 / ص178.

72- وقعة صفين -ابن مزاحم المنقري- ص233.

73- الطبقات الكبري -ابن سعد-ج3 / ص27.

74- المناقب -الموفق الخوارزمي- ص45.

75- لسان العرب -ابن منظور- ج12 / ص11.

76- لسان العرب -ابن منظور- ج12 / ص10.

77- لسان العرب -ابن منظور- ج4 / ص376، تاج العروس -الزبيدي- ج6 / ص539، النهاية -ابن الأثير- ج2 / ص399.

78- لسان العرب -ابن منظور-ج4 / ص376.

79- القاموس المحيط -الفيروزابادي- ج2 / ص51.

80- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر ج42 / ص11.

81- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص91.

82- لسان العرب -ابن منظور-ج12 / ص11، القاموس المحيط -الفيروزابادي- ج4 / ص73، تاج العروس -الزبيدي- ج16 / ص10.

83- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر ج42 / ص21.