معنى قولها (ع): "لا حاجة لي فيه" حين بشِّرت بالحسين (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

روى الشيخ الصدوق بسنده عن علي بن رئاب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "لمَّا أنْ حملت فاطمة عليها السلام بالحسين عليه السلام قال لها رسول الله صلَّى الله عليه وآله: إنَّ الله عزَّوجل قد وهبَ لك غلاماً اسمُه الحسين، تقتلُه أمتي، قالت: فلا حاجة لي فيه، فقال: إنَّ الله عزَّوجلَّ قد وعدني فيه عِدَةً، قالت: وما وعدَك؟ قال: وعدني أنْ يجعل الإمامة من بعده في ولده، فقالتْ: رضيت"(1).

كيف تقول السيدة فاطمة (ع): "لا حاجة لي فيه" أليس ذلك من الرد لما وهبه الله تعالى لها؟

الجواب:

ليس في ذلك ردٌّ لما وهبَه الله تعالى لها ولا اعتراضٌ على مشيئة الله جلَّ وعلا وإنَّما هو طلبٌ للعافية من البلاء حين يفترض كون البلاء شخصياً، فإنَّ الظاهر من قولها(ع): "فلا حاجة لي فيه" هو أنَّها تسأل الله العافية من هذا البلاء.

ويتَّضح ذلك من هذا البيان:

وهو أنَّ كلَّ امرأةٍ فهي ترغبُ بطبعها في أن تكون أمَّاً وأنْ يكون لها أولاد، فالأمومة حاجةٌ نفسيَّة لكلِّ امرأة إلا أنَّه في الوقت الذي ترغبُ فيه المرأة أنْ تكون أمَّاً وأنْ يرزقها اللهُ تعالى بولدٍ فإنَّها ترغبُ في أنْ ينعَمَ هذا الولدُ بالسلامة، فلو خيُّرت بين أن تُرزقَ بولدٍ فيُقتل أو أنْ تُحرمَ منه فإنَّها سوف تختارُ أنْ لا تُرزق بهذا الولد شفقةً عليه، فقولُها (ع): "فلا حاجة لي فيه" معناه -ظاهراً- أنَّه لا رغبة لها في ولدٍ يكون مصيره القتل، فهي تُفضِّل أنْ لا تُنجبَه على أنْ تُنجبه فتُفجع بقتله، فالباعثُ لما قالته إنساني، فكأنَّها أرادتْ القول إنَّها وإنْ كانت ترغبُ أنْ يكون لها ولد وأنَّها في حاجةٍ لذلك ولكنَّها في ذات الوقت ترغبُ في أن ينعمَ هذا الولد بالسلامة أما إذا قدِّر لهذا الولد أن يُقتل فإنَّها لا ترغب أن يكون لها ولد، قالت ذلك قبل أنْ يُخبرها الرسولُ الكريم (ص) أنَّ هذه الولد سيكون طريقاً لانجاب الدعاة لدينِ الله والحماة لشريعة سيِّد المرسلين (ص) حينذاك رَضيت، لأنَّ دين الله تعالى وامتداده وحفظه أحظى عندها وفي نفسها مما ستجدُه من حزنٍ وأسىً على مولودها.

فهي حين أجابت بأنَّه لا حاجةَ لها فيه أرادت بذلك التعبير عن عدم رغبتها في مولودٍ تُفجعُ بقتله فإنَّ ذلك لا تسخو به نفسُ أمٍّ في الأرض، فما أفادته كان طلباً للعافية من هذا البلاء العظيم الذي يشقُّ تحملُه على كلِّ إنسان، فهي بوصفها إنسان ترغبُ -كما هو شأن كلِّ إنسان- في العافية من هذا البلاء، إلا أنَّه حين أُخبرت أنَّ عاقبة هذا البلاء هي الحفظ للدين تعالتْ على مشاعرها ورَضيتْ بالبلاء لأنَّ الدين أولى بالرعاية في نفسها من كلِّ شيء، فهي بجوابها الثاني كشفتْ عن استعدادها التام والكامل للتضحية بأعزِّ شيء على قلبها- بوصفها أمٌّ- في سبيل إعلاء كلمة الله والحفظِ لدينه.

كذلك أُثر عن الرسول (ص) ذات القول حين بشَّره الوحي:

ثم إنَّ ما أجابت به السيِّدة فاطمة (ع) -بحسب الرواية وروايات أخرى(2)- هو ذاتُه الجواب الذي أُثر عن الرسول الكريم (ص) حين أخبره جبرئيل بقتل الحسين(ع) وهو ذاتُه الجواب الذي أُثرَ عن أمير المؤمنين (ع) حين أخبره الرسولُ الكريم (ص) بقتل الحسين (ع)(3).

فالرسولُ الكريم (ص) حين قال لجبرئيل: "لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي"(4) أراد من ذلك طلب العافية من هذا البلاء، وباعثُه على ذلك هو الشفقة على مولوده والرغبة في أنْ ينعَم مولودُه بالسلامة إلا أنَّه حين أُخبر بأنَّ الله تعالى قدَّر في أنْ يحفظَ دينَه من طريق هذا المولود، وذلك بأنْ يجعل من نسله الأوصياء الذين سيحملون رسالة الله ويرعونَها إلى آخر الدهر، حين أُخبر بذلك رضيَ وسلَّم لأنَّ دينَ الله أحظى في نفسه من الرغبة في العافية من البلاء، فهو إنَّما يسألُ الله تعالى العافية من البلاء حين يكون أثرُه شخصياً، أمَّا حين يكون الأثرُ للبلاء-وإن تعاظم- هو الصيانة لدين الله تعالى فهو في أتمِّ الاستعداد للتضحية بكلِّ نفيس والتعالي على مشاعر الحزن والأسى.

ثم إنَّه لا يبعدُ أنَّ هذه المحاورات التي وقعتْ بين جبرئيل(ع) وبين الرسول (ص) وبين الرسول (ص) والسيِّدة فاطمة (ع) وبينه (ص) وبين أمير المؤمنين (ع) وقعتْ في العوالم التي سبقتْ عالمَ الدنيا، وإنَّما صِيغت بعد ذلك بالنحو المذكور في الروايات رعايةً لأفهام الناس، ولعلَّ ممَّا يؤيد ذلك ما ورد في الزيارة المأثورة عن أبي جعفرٍ الباقر (ع) التي تُزار بها السيِّدة فاطمة (ع) والتي اشتملت على قوله (ع): "يا مُمتحنةُ امتحنكِ اللهُ الذي خلقكِ قبلَ أنْ يَخلقكِ فوجدكِ لما امتحنكِ صابرةً، وزعمنا أنَّا لك أولياءُ ومصدِّقون وصابرون لكلِّ ما أتانا به أبوك (صلَّى الله عليه وآله) وأتانا به وصيُّه (عليه السلام) فإنَّا نسألُك أنْ كنَّا صدقناك إلا ألحقتِنا بتصديقنا لهما بالبُشرى لنبشِّر أنفسَنا بأنَّا قد طهرنا بولايتِكِ"(5).

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

4 / شعبان / 1447ه

24 / يناير / 2026م

 


1- كمال الدين وتمام النعمة -الصدوق- ص416.

2- مثل ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين بسنده عن ابن أبي عمير، عن غير واحد عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولدت فاطمة الحسين عليه السلام أخبرها أبوها صلى الله عليه وآله أنَّ أمته ستقتله من بعده، قالت: فلا حاجة لي فيه فقال: إنَّ الله عزَّوجل قد أخبرني أنه يجعل الأئمة من ولده، قالت: قد رضيتُ يا رسول الله" كمال الدين وتمام النعمة -الصدوق- ص415.

3- روى الشيخ الكليني بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الزَّيَّاتِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: إِنَّ جَبْرَئِيلَ (ع) نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (ص) فَقَالَ لَه: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُه أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ وعَلَى رَبِّيَ السَّلَامُ لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، فَعَرَجَ ثُمَّ هَبَطَ (ع) فَقَالَ لَه مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ وعَلَى رَبِّيَ السَّلَامُ لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي فَعَرَجَ جَبْرَئِيلُ (ع) إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ هَبَطَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ويُبَشِّرُكَ بِأَنَّه جَاعِلٌ فِي ذُرِّيَّتِه الإِمَامَةَ والْوَلَايَةَ والْوَصِيَّةَ فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَاطِمَةَ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُنِي بِمَوْلُودٍ يُولَدُ لَكِ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي فَأَرْسَلَتْ إِلَيْه لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ مِنِّي تَقْتُلُه أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِه الإِمَامَةَ والْوَلَايَةَ والْوَصِيَّةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْه أَنِّي قَدْ رَضِيتُ .." الكافي -الكليني- ج1 / ص464.

وروى الشيخ الصدوق في علل الشرائع بسنده: عن أبي عبد الله (ع) قال: ".. إنَّ جبرئيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وآله وما وُلد الحسين عليه السلام بعدُ، فقال له: يولد لك غلام تقتلُه أمَّتُك من بعدك فقال: يا جبرئيل لا حاجة لي فيه، فخاطبه ثلاثاً، ثم دعا عليَّا عليه السلام فقال له: إنَّ جبرئيل يُخبرني عن الله عزَّوجلَّ أنه يُولد لك غلام تقتلُه أُمَّتك من بعدك، فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله فخاطب عليَّاً عليه السلام ثلاثاً، ثم قال: إنَّه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة، فأرسل إلى فاطمة عليها السلام أنَّ الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي، فقالت فاطمة: ليس لي فيه حاجة يا أبه، فخاطبها ثلاثاً ثم أرسل إليها لابدَّ أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة، فقالت له: رضيتُ عن الله عز وجل .." علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص206.

4- الكافي -الكليني- ج1 / ص464.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج 6 / ص10، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج14 / ص368.