من أين تُقطعُ يدُ السَّارق
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
من أين تقطع يد السارق؟ وهل يتعيَّن قطع اليمنى؟ وماذا لو سرق مرَّة أخرى بعد إقامة الحدِّ عليه؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم في أنَّ قطع يد السارق يكون من أصول الأصابع الأربع لليد اليمنى، وتُترك له الإبهامُ وراحةُ الكفِّ، وأفاد صاحب الجواهر أنَّه لم يجد في ذلك خلافاً بل إنَّ الإجماع بقسميه منعقدٌ عليه(1).
مستند ما عليه الإمامية في موضع قطع اليد:
والمستند في ذلك عددٌ مستفيض من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) وفيها ما هو معتبرٌ سنداً:
منها: موثقة إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (ع) قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، ويُتْرَكُ إِبْهَامُه وصَدْرُ رَاحَتِه، وتُقْطَعُ رِجْلُه وتُتْرَكُ لَه عَقِبُه يَمْشِي عَلَيْهَا"(2).
أقول: مقتضى الأمر بترك الإبهام وصدر الراحة هو أنَّ الذي يُقطع من يد السارق هي الأصابع الأربع من أصولها، فبذلك يتمُّ الإبقاء على صدر الراحة إذ أنَّ حدود صدر الراحة هي أصول الأصابع. وأمَّا قطع رجله فهو إذا عاد فسرق بعد أنْ أُقيم عليه الحد.
ومنها: موثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ: إِذَا أُخِذَ السَّارِقُ قُطِعَتْ يَدُه مِنْ وَسَطِ الْكَفِّ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُه مِنْ وَسَطِ الْقَدَمِ فَإِنْ عَادَ اسْتُودِعَ السِّجْنَ .."(3).
أقول: قوله (ع): "قُطِعَتْ يَدُه مِنْ وَسَطِ الْكَفِّ" يعني أنَّ مبدأ القطع يكن من الوسط، فكلمة "مِن" للابتداء، ووسط الكف هي أصول الأصابع، فمبدأ القطع هي أصول الأصابع وهي حدود صدر الراحة.
ومنها: رواية عَبْدِ اللَّه بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ .. قُلْتُ لَه مِنْ أَيْنَ تُقْطَعُ الْيَدُ قَالَ: تُقْطَعُ الأَرْبَعُ أَصَابِعَ وتُتْرَكُ الإِبْهَامُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ ويَغْسِلُ بِهَا وَجْهَه لِلصَّلَاةِ .."(4).
ومنها: رواية أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "الْقَطْعُ مِنْ وَسَطِ الْكَفِّ، ولَا يُقْطَعُ الإِبْهَامُ، وإِذَا قُطِعَتِ الرِّجْلُ تُرِكَ الْعَقِبُ لَمْ يُقْطَعْ"(5).
ومنها: رواية معاوية بن عمَّار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "يقطعُ من السارق أربعُ أصابع، ويترك الابهامُ، وتُقطع الرجل من المفصل، ويترك العقب يطأ عليه"(6).
ومنها: رواية ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن عامَّة أصحابه يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): "أنَّه كان إذا قطع السارقَ ترك الابهامَ والراحة، فقيل له: يا أمير المؤمنين تركتَ عليه يدَه؟ قال: فقال لهم: فإنْ تاب فبأيِّ شيءٍ يتوضأ؟ لأنَّ الله يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ -إلى قوله:- ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾"(7).
وفي مقابل هذه الروايات وشبهها وردت صحيحة للْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قُلْتُ لَه: مِنْ أَيْنَ يَجِبُ الْقَطْعُ فَبَسَطَ أَصَابِعَه وقَالَ مِنْ هَاهُنَا يَعْنِي مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ"(8) فمفاد هذه الرواية هو أنَّ القطع يكون لتمام الكف بما في ذلك الراحة والإبهام فتكون معارضة للروايات المستفيضة الدالة على أنَّ القطع يكون للأصابع الأربعة، ولهذا يتعيَّن حملها على التقية لموافقتها لمذهب العامة ومخالفتها لما عليه مذهب أهل البيت (ع).
تعيُّن قطع اليد اليمنى:
وأمَّا تعيُّن قطْعِ اليد اليمنى دون اليسرى فهو ما عليه الأصحاب دون خلاف(9) -ظاهراً- وتدلُّ عليه عددٌ من الروايات:
منها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي السَّارِقِ إِذَا سَرَقَ قَطَعْتُ يَمِينَه، وإِذَا سَرَقَ مَرَّةً أُخْرَى قَطَعْتُ رِجْلَه الْيُسْرَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ مَرَّةً أُخْرَى سَجَنْتُه وتَرَكْتُ رِجْلَه الْيُمْنَى يَمْشِي عَلَيْهَا إِلَى الْغَائِطِ ويَدَه الْيُسْرَى يَأْكُلُ بِهَا، ويَسْتَنْجِي بِهَا، وقَالَ: إِنِّي لأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّه أَنْ أَتْرُكَه لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ ولَكِنِّي أَسْجُنُه حَتَّى يَمُوتَ فِي السِّجْنِ، وقَالَ: مَا قَطَعَ رَسُولُ اللَّه (ص) مِنْ سَارِقٍ بَعْدَ يَدِه ورِجْلِه"(10).
ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلٍ أَشَلِّ الْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ أَشَلِّ الْيَدِ الشِّمَالِ سَرَقَ؟ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُه الْيُمْنَى عَلَى كُلِّ حَالٍ"(11).
وهذه الرواية صريحة في تعيُّن قطع يده اليمنى حتى لو كانت شلَّاء يعني أنَّه لم بسرق بها وإنَّما سرق بيساره، رغم ذلك فما يقطع منه هي اليمنى.
ومنها: صحيحةٌ أخرى لعبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): "أنَّ الأشلَّ إذا سرق قُطعت يمينُه على كلِّ حال شلاء كانت أو صحيحة، فإنْ عاد فسرق قطعت رجلُه اليسرى، فإن عاد خلِّد في السجن وأُجري عليه من بيت المال وكُفَّ عن الناس"(12) ومثلها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) كما في الفقيه(13).
يعني أنَّ اليد اليسرى لا تقطع مطلقاً سواء في المرَّة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة، فهو إذا سرق في المرة الثالثة خُلِّد في السجن بحسب الرواية وروايات أخرى.
ومنها: ما رواه الصدوق قال: قال الصادق (ع): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا سرقَ الرجلُ أولاً قُطع يمينُه، فإنْ عاد قُطع رجلُه اليسرى، فإنْ عاد ثالثةً خلَّده السجن، وأنفق عليه من بيت المال"(14).
موضع قطع الرِجْل اليسرى إذا سرق ثانية:
وأمَّا حكم مَن سرق ثانية بعد أن أُقيم عليه الحدُّ في المرَّة الأولى فهو القطع لرجلِه اليسرى كما نصَّت على ذلك مثل صحيحة زرارة وصحيحة عبد الله بن سنان قال (ع): "فإنْ عاد فسرق قطعت رجلُه اليسرى" وكذلك صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر قال(ع): "وإِذَا سَرَقَ مَرَّةً أُخْرَى قَطَعْتُ رِجْلَه الْيُسْرَى" وغيرها من الروايات.
وأمَّا موضع القطع فهو وسط القدم، ويترك له العقب كما نصَّت على ذلك مثل موثقة إسحاق عن أبي إبراهيم (ع) قال: وتُقْطَعُ رِجْلُه وتُتْرَكُ لَه عَقِبُه يَمْشِي عَلَيْهَا" وموثقة سماعة قال: "فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُه مِنْ وَسَطِ الْقَدَمِ" وغيرهما من الروايات.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / جمادى الآخر / 1447ه
16 / ديسمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص532.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص224، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص252.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص223، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص252.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص225، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص257.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص222، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص251.
6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص254.
7- سورة المائدة / 38-39. وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص254.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص222، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص251.
9- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص532.
10- الكافي -الكليني- ج7 / ص223، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص255.
11- الكافي -الكليني- ج7 / ص225، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص266.
12- وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج28 / ص267.
13- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص66، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص267.
14- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص63، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص258.