عقوبة اجتماع رجلين أو امرأتين مجرَّدين تحت لحافٍ واحد 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هي العقوبة المفروضة على رجلين أو امرأتين وُجدا تحت لحافٍ واحدٍ مجردين دون أنْ يكون بينهما حاجز؟

الجواب:

نُسب للشيخ الطوسي وابن إدريس ومشهور المتأخِّرين -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- أنَّ عقوبة اجتماع رجلين مجرَّدين تحت لحافٍ واحد هي التعزير بين ثلاثين إلى تسعة وتسعين سوطاً، يختار الإمام المقدار الذي يراه، على أنْ لا يتجاوز التسعة والتسعين سوطاً، ولا يختار ما هو دون الثلاثين سوطاً.

مستند مشهور المتأخرين:

والظاهر أنَّ مستندهم في ذلك -كما أفاد صاحب الجواهر- هو رواية سليمان بن هلال قال: سأل بعضُ أصحابنا أبا عبد الله عليه السلام فقال: جعلتُ فداك الرجل ينامُ مع الرجل في لحافٍ واحد فقال: ذو محرم؟ قال: لا، قال: مِن ضرورة؟ قال: لا، قال: يُضربان ثلاثين سوطاً ثلاثين سوطاً، قال: فإنَّه فعل؟ قال: إنْ كان دون الثقب فالحدُّ، وإنْ هو ثقبَ أُقيم قائماً ثم ضُرب ضربةً بالسيف أخذ السيفُ منه ما أخذَه، قال: فقلتُ له: فهو القتل؟ قال: هو ذاك .."(2) فإذا ضممنا إليها صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين يوجدان في لحافٍ واحد؟ فقال: يُجلدان حدَّاً غير سوطٍ واحد"(3) كانت النتيجة المستظهرة من الجمع بين الروايتين هي أنَّ العقوبة المفروضة عليهما هي التعزير ما بين المقدارين المنصوصين وأنَّ تحديد ذلك يرجع إلى ما يراه الإمام مناسباً.

إلا أنَّ ما يردُ على الاستدلال برواية سليمان بن هلال هو أنَّها ضعيفة السند، إذ أنَّ سليمان بن هلال لم يرد فيه توثيق، ودعوى انجبار الرواية بعمل المشهور لا يتم ظاهراً فإنَّ من غير المُحرز تبنِّي مشهور القدماء لمضمون الرواية.

فتوى الشيخ الصدوق ومستندها:

هذا وقد نُسب إلى أبي عليٍّ والشيخ الصدوق أن العقوبة في الفرض المذكور هو الجلد مائة سوط(4).

والمستند في ذلك عددٌ من الروايات:

منها: صحيحة أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "كَانَ عَلِيٌّ (ع) إِذَا وَجَدَ رَجُلَيْنِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُجَرَّدَيْنِ جَلَدَهُمَا حَدَّ الزَّانِي مِائَةَ جَلْدَةٍ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وكَذَا الْمَرْأَتَانِ إِذَا وُجِدَتَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُجَرَّدَتَيْنِ جَلَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ"(5).

ومنها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "حَدُّ الْجَلْدِ أَنْ يُوجَدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، فَالرَّجُلَانِ يُجْلَدَانِ إِذَا أُخِذَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ الْحَدَّ، والْمَرْأَتَانِ تُجْلَدَانِ إِذَا أُخِذَتَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ الْحَدَّ"(6).

ومنها: صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعتُه يقول: "حدُّ الجلد في الزنا أنْ يُوجدا في لحافٍ واحد، والرجلان يُوجدان في لحافٍ واحد، والمرأتان تُوجدان في لحافٍ واحد"(7) فمفاد الرواية هو أنَّ عقوبة الرجلين أو المرأتين إذا وجدا في لحافٍ واحد هو حدُّ الجلد في الزنا وهو مائة جلدة.

ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: حَدُّ الْجَلْدِ فِي الزِّنَى أَنْ يُوجَدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ والرَّجُلَانِ يُوجَدَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ والْمَرْأَتَانِ تُوجَدَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ"(8).

فمثل هذه الروايات هي ما يُمكن أنْ تكون مستنداً لفتوى الشيخ الصدوق رحمه الله إلا أنَّه في المقابل ثمة رواياتٌ أفادت أنَّ العقوبة وإنْ كانت ثابتة على الرجلين أو المرأتين إذا وجدا في لحافٍ واحد إلا أنَّها دون الحدِّ:

فمِن ذلك: صحيحة معاوية بن عمار قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: المرأتان تنامان في ثوبٍ واحد فقال: يُضربان قال: قلتُ: حدَّاً؟ قال: لا، قلتُ: الرجلان ينامان في ثوبٍ واحدٍ؟ فقال: يُضربان قال: قلتُ: الحدَّ؟ قال: لا"(9).

ومنها: صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين يُوجدان في لحافٍ واحد؟ قال: "يُجلدان حدَّاً غيرَ سوطٍ واحد"(10).

معالجة التعارض:

وعليه فالظاهر وقوع التعارض بين الطائفتين إذ أنَّ الطائفة التي أفادت أنَّ الحدَّ مائة سوط تنفي إجزاء ما دون هذا المقدار، والطائفة التي أفادت أنَّ الحدَّ دون المائة أو أنَّ الحدَّ تسعة وتسعين سوطاً تنفي جواز الزيادة ومقتضها الجور بالزيادة، فالتعارض بين الطائفتين مستحكِم، فإمَّا أنْ يُبنى على التخيير بناءً على أنَّه مع استحكام التعارض تكون الوظيفة هي التخيير أو يُبنى على التساقط والرجوع إلى العمومات الفوقانية إنْ وجدت وإلا فإلى الأصل، هذا لو لم يكن ما يقتضي الترجيح، وإلا فالمرجعُ هو مرجِّحات باب التعارض، والظاهر -كما أفاد السيِّد الخوئي(11)- هو الترجيح للطائفة التي أفادت أنَّ العقوبة هي ما دون الحدِّ بسوطٍ واحد وحمل الطائفة الأخرى -التي أفادت أنَّ العقوبة هي الحد- على التقية، والقرينة على ذلك ما ورد في صحيحة الرحمن بن الحجاج قال: كنتُ عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه عباد البصري ومعه أناسٌ من أصحابه فقال: حدثني إذا اخذ الرجلان في لحاف واحد فقال له: كان علي عليه السلام إذا اخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد فقال عباد: انك قلت لي غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحد حتى أعاد ذلك عليه مرارا فقال: غير سوط فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث"(12).

فإنَّ الظاهر من امتناع الإمام (ع) عن استثناء سوطٍ واحدٍ من الحدِّ رغم أنَّ عبَّاد البصري -والذي هو عاميٌّ- قد أعاد عليه السؤال مراراً قبل أن يضطر الإمام (ع) لبيان الحكم الواقعي، الظاهر من امتناعه أولاً هو الرعاية لمقتضيات التقية نظراً لحضور جمعٍ من أبناء العامَّة من أصحاب عبَّاد في المجلس، وعليه فالمتعيَّن هو البناء على أنَّ العقوبة المفروضة على الرجلين إذا وُجدا في لحافٍ واحد هو الجلد تسعة وتسعين سوطاً، ولعلَّ ما يُؤيِّد ذلك هو استبعاد أن تكون عقوبتهما كعقوبة التفخيذ. والذي هو تجرُّد مضافاً إلى فعل.

وممَّا ذكرناه يتَّضح حكم المرأتين إذا وُجدتا مجرَّدتين في لحاف واحد فإنَّ الظاهر من مجموع الروايات أنَّ العقوبة المفروضة للرجلين والمرأتين في الفرض المذكور واحدة وعليه تحمل روايات الحد الكامل على التقية.

الوجدان لرجلٍ وامرأةٍ في لحاف واحد:

وكذلك هو الشأن إذا فرض الوجدان لرجلٍ وامرأةٍ في لحاف واحد كما نصَّت على ذلك مثل صحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنَّ عليَّاً (عليه السلام) وجد رجلاً وامرأةً في لحافٍ واحد فضربَ كلَّ واحدٍ منهما مائة سوطٍ إلا سوطاً"(13).

وصحيحة أبان بن عثمان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "إنَّ عليَّاً (عليه السلام) وجدَ امرأةً مع رجلٍ في لحافٍ، فجلد كلَّ واحدٍ منهما مائة سوط غيرَ سوطٍ"(14).

منشأ تقييد العقوبة بالتجرُّد:

بقي الحديث حول أمرين:

الأمر الأول: قيَّد الفقهاء ثبوت العقوبة المذكورة على الرجلين أو المرأتين إذا وجدا في لحافٍ واحد قيَّدوا ثبوت العقوبة بما إذا كانا مجرَّدين رغم أنَّ أكثر الروايات خالية من هذا القيد ومنشأ ذلك هو أن التقييد بهذا القيد هو المستظهر من الروايات بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع إذ لا ريب في عدم حرمة الكون من رجلين أو امرأتين في لحاف واحد إذا كانا كاسيين بل إنَّ السيرة القطعية جارية -دون نكير -على ذلك خصوصاً بين الأقارب، والفقراء منهم خاصة في فصل الشتاء، فالمنهيُّ عنه إنَّما هو الكون من امرأتين أو رجلين مجرَّدين في لحافٍ واحد فذلك ظاهراً هو موضوع الحرمة والعقوبة المفروضة ويؤكد ذلك تصريح بعض الروايات المتصدية للنهي وبيان العقوبة مثل صحيحة أبي عبيدة صحيحة أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "كَانَ عَلِيٌّ (ع) إِذَا وَجَدَ رَجُلَيْنِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُجَرَّدَيْنِ جَلَدَهُمَا حَدَّ الزَّانِي مِائَةَ جَلْدَةٍ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وكَذَا الْمَرْأَتَانِ إِذَا وُجِدَتَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُجَرَّدَتَيْنِ جَلَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ" وصحيحة أَبِي خَدِيجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ لَيْسَ لِامْرَأَتَيْنِ أَنْ تَبِيتَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَإِنْ فَعَلَتَا نُهِيَتَا عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ وُجِدَتَا مَعَ النَّهْيِ جُلِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَدّاً حَدّاً .."(15) وكذلك هو الظاهر من مفروض صحيحة معاوية بن عمار فإن قوله: "تنامان في ثوب واحد" ظاهر في أنَّه ليس عليهما سوى ثوب واحد.

تثبت العقوبة في المرَّة الأولى مع العلم: 

الأمر الثاني: قد يقال إنَّ ظاهر صحيحة أبي خديجة أنَّ العقوبة على مَن وُجدا مجردين تحت لحافٍ واحد إنَّما تثبت في المرة الثانية، وأمَّا المرة الأولى فيُكتفى فيها بالنهي، فإذا وُجدا بعد ذلك مجردين تحت لحافٍ واحد صارا مستحقَّين للعقوبة، وبذلك تكون صحيحة أبي خديجة صالحة لتقييد الروايات الأخرى التي لم تأخذ هذا القيد في استحقاق العقوبة المذكورة.

إلا أنَّ الصحيح هو عدم ظهور الرواية في تقييد الاستحقاق للعقوبة بالمرَّة الثانية وأمَّا قوله (ع): "فَإِنْ فَعَلَتَا نُهِيَتَا" فظاهر في أنَّ العقوبة لا تثبت في فرض الجهل وليس المرَّة الأولى، وعليه فمع افتراض العلم بالحرمة فإنَّ العقوبة تكون مستحقَّة حتى في المرَّة الأولى.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

5 / جمادى الآخر / 1447ه

27 / نوفمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص384.

2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص41، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص90. 

3- تهذيب الأحكام- الطوسي- ج10 / ص 40.، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص89.

4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص385.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص182، وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج28 / ص89. 

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص181، وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج28 / ص89. 

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص42، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص90.

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص181، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص85. 

9- تهذيب الأحكام -الطوسي -ج10 / ص40، وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج28 / ص89.

10- تهذيب الأحكام -الطوسي -ج10 / ص40، وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج28 / ص89.

11- مباني تكملة المنهاج -السيد الحوئي- ج41 / ص292.

12- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص41، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص84.

13- تهذيب الأحكام -الطوسي - ج10 / ص41، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص89.

14- تهذيب الأحكام -الطوسي - ج10 / ص41، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص89.

15- الكافي -الكليني- ج7 / ص202، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص167.