حديث عنوان البصري
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو رأيكم في حديث عنوان البصري ونسبته للإمام الصادق عليه السلام؟
الجواب:
حديث عنوان البصري من الأحاديث المأثورة عن الإمام الصادق (ع) وهو حديث طويل اشتمل على محاورة كانت بين رجلٍ يُدعى عنوان البصري وبين الإمام الصادق (ع) فكان يطلب في محاورته للإمام (ع) التتلمذ عنده، واشتمل الحديث في ذيله على وصيَّةٍ عالية المضامين للإمام الصادق (ع) أوصى بها عنوان البصري، قالَ (ع): أُوصيكَ بِتِسعَةِ أشياءَ، فَإِنَّها وَصِيَّتي لِمُريدِي الطَّريقِ إلَى اللهِ عزّ وجلّ، واللهَ أسأَلُ أن يُوَفِّقَكَ لاِستِعمالِهِ؛ ثَلاثَةٌ مِنها في رِياضَةِ النَّفسِ، وثَلاثَةٌ مِنها فِي الحِلمِ، وثَلاثَةٌ مِنها فِي العِلمِ، فَاحفَظها وإيّاكَ والتَّهاوُنَ بِها.
قالَ عُنوانُ: فَفَرَّغتُ قَلبي لَهُ. فَقالَ: أمَّا اللَّواتي فِي الرِّياضَةِ، فَإِيّاكَ أن تَأكُلَ ما لا تَشتَهيهِ فَإِنَّهُ يورِثُ الحَماقَةَ والبُلهَ، ولا تَأكُل إلاّ عِندَ الجوعِ، وإذا أكَلتَ فَكُل حَلالاً وسَمِّ اللهَ، واذكُر حَديثَ الرَّسولِ (صلى الله عليه وآله): ما مَلأ آدَمِيٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَطنِهِ، فَإِنْ كانَ لا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسهِ.
وأمَّا اللواتي فِي الحِلمِ، فَمَن قالَ لَكَ: إنْ قُلتَ واحِدَةً سَمِعتَ عَشرًا، فَقُل: إن قُلتَ عَشرًا لَم تَسمَع واحِدَةً، ومَن شَتَمَكَ فَقُل: إن كُنتَ صادِقًا فيما تَقولُ فَاللهَ أسألُ أن يَغفِرَها لي، وإن كُنتَ كاذِبًا فيما تَقولُ فَاللهَ أسأَلُ أن يَغفِرَها لَكَ، ومَن وَعَدَكَ بِالجَفاءِ -بالخنى- فَعِدهُ بِالنَّصيحَةِ وَالدُّعاءِ.
وأمَّا اللَّواتي فِي العِلمِ، فَاسأَلِ العُلَماءَ ما جَهِلتَ، وإيّاكَ أن تَسأَلَهُم تَعَنُّتًا وتَجرِبَةً، وإيّاكَ أن تَعمَلَ بِرَأيِكَ شَيئًا، وخُذ بِالاِحتِياطِ في جَميعِ ما تَجِدُ إلَيهِ سَبيلاً، واهرُب مِنَ الفُتيا هَرَبَكَ مِنَ الأَسَدِ، ولا تَجعَل رَقَبَتَكَ لِلنّاسِ جِسرًا".
أورد حديث عنوان البصري الشيخ أبو الفضل عليُّ بن الشيخ رضي الدين الطبرسي في كتابه مشكاة الأنوار(1) والطبرسي صاحب كتاب مشكاة الأنوار من أعلام القرن السابع الهجري وهو وهو ابن صاحب كتاب مكارم الأخلاق الشيخ رضي الدين الحسن بن الفضل الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري وهو سبط للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب كتاب تفسير مجمع البيان.
وأورد الحديث العلامة المجلسي في البحار قال: وجدت بخطِّ شيخنا البهائي قدَّس الله روحَه ما هذا لفظه: قال الشيخ شمس الدين محمد بن مكي -الشهيد الأول-: نقلتُ من خطِّ الشيخ أحمد الفراهاني رحمه الله، عن عنوان البصري، وكان -عنوان البصري- شيخا كبيراً قد أتى عليه أربعٌ وتسعون سنة(2).
ويظهرُ من الحديث أنَّ عنوان البصري كان عاميَّاً ولكنَّه كان محبَّاً للعلم والعبادة والتنسُّك، ويظهر من مطاوي الحديث أنَّه كان يُكنُّ تعظيماً وإجلالاً للإمام الصادق (ع). وكذلك يظهر من مطاوي الحديث أنَّ الرجل من أهل العلم في الفقه، ولعلَّه لذلك حذَّره الإمام (ع) في وصيته من العمل بالرأي والقياس الذي كان عليه العامَّة وحذَّره من الفتيا، ونصحه بالهروب منها، وأمره بالاحتياط.
وعلى أيِّ تقدير فالرجلُ مجهولُ الحال من حيث الوثاقة والضعف، وهو مهملٌ بمعنى أنَّه لا ذكر له في كتب الرجال، ولذلك فالرواية غيرُ نقيةِ السند من جهته وكذلك من جهة الشيخ أحمد الفراهاني فإنَّه مجهول الحال أيضاً، ولأنَّها مضافاً لذلك مُرسلة، ولكنَّه ونظراً لكون مضامينها متَّصلة بالوعظ والحكمة لذلك يُتسامحُ في سندها كما جرتْ سيرةُ العلماء من الفريقين على التسامح وعدم التشدُّد في أسانيد الروايات المتضمِّنة للوعظ والحكمة. نعم يظهر من بعض فقراتِ الحديث أنَّها صيغيت بلسانِ بعض المتصوِّفة، ولعلَّ ذلك نشأ عن نقلها بالمعنى، وبقطع النظر عن ذلك وعن سند الحديث فإنَّ على متنه من حيثُ المضمون أماراتِ الصدق، وأكثر فقراتِه المأثورة عن الإمام (ع) مذكورةُ المعنى في رواياتٍ أخرى عن أهل البيت (ع).
كقوله (ع): ليس العلم بالتعلُّم، إنَّما هو نورٌ يقع في قلب مَن يريد الله تبارك وتعالى أنْ يبديه، فإنْ أردت العلم فاطلب أولاً من نفسك حقيقة العبودية واطلب العلم باستعماله واستفهم اللهَ يفهمك".
وكقوله (ع) - جواباً عن سؤال عنوان البصري عن حقيقة العبودية؟ قال (ع): "ثلاثة أشياء:
أنْ لا يرى العبدُ لنفسه فيما خوَّله الله إليه ملكا، لأن العبيد لا يكون لهم مِلكٌ، يرون المالَ مالَ الله يضعونه حيثُ أمرهم الله تعالى به، ولا يدبر العبدُ لنفسِه تدبيراً، وجملةُ اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه فإذا لم ير العبدُ لنفسِه فيما خوَّله الله تعالى ملكا هانَ عليه الإنفاق فيما أمرَه الله تعالى أنْ يُنفق فيه، وإذا فوَّض العبدُ تدبير نفسه على مدبِّره هانَ عليه مصائبُ الدنيا، وإذا اشتغل العبدُ بما أمرَه الله تعالى ونهاهُ لا يتفرَّغ منهما إلى المِراء والمباهاة مع الناس.
فإذا أكرم اللهُ العبدَ بهذه الثلاث هانَ عليه الدنيا وإبليسُ والخلقُ، ولا يطلبُ الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلبُ عند الناس عزَّاً وعلوَّاً، ولا يدعْ أيامَه باطلاً، فهذا أولُ درجةِ المتقين، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(3).
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
27 / ربيع الأول / 1447ه
20 / سبتمبر / 2025م
1- مشكاة الأنوار في غرر الأخبار -الشيخ علي الطبرسي- ص562.
2- بحار الأنوار -المجلسي- ج1 / ص224.
3- سورة القصص / 83.