صفحة البدايـــــــــة الحــــــــــــــــــــوزة إصـدارات الحــوزة المقــــــــــــــــــالات محـاضرات مفرَّغـة خـــطب الجـــــمعـة مســـــــــائل وردود المكتبة المقــروءة المكتبة المسموعة الرسـائــل العملـيــة تراجم الأعـــــــــلام تعليم الصـــــــــــلاة المناســـــــــــــــبات التقويم الإســـلامي مواقع إسلاميـــــــة
عداد الزوار
8740714

إصداراتنا المعروضة للبيع




» تاريخيَّةُ النصِّ الدينيِّ وأسبابُ النزول
 • الكاتب: سماحة الشيخ محمد صنقور     • عدد القراءات: 58    • نشر في: 2017/02/03م
Share |
 

تاريخيَّةُ النصِّ الدينيِّ وأسبابُ النزول

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

ثمة عددٌ من الحداثيين العرب استشهدوا لاثبات دعواهم تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ أو تاريخيَّة القرآن الكريم بما يُعرفُ في مباحث علوم القرآن بأسباب النزول وبنزول القرآن مُنجَّماً، وكذلك استشهدوا بوقوع النسخ في القرآن، وبما يُعرفُ من تصنيف الآيات إلى مكيٍّ ومدنيٍّ، استشهدوا أو استدلُّوا بذلك كلِّه على صحَّة نظريَّة تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ والتي هي احدى الركائز والنتائج -في ذات الوقت- التي تقوم عليها الحداثة الغربيَّة والتي أولدتها وتولَّدت عنها العلمانيَّة المطلقة والشاملة.

 

وسوف يتركَّز الحديثُ في المقام حول دعوى التلازم بين ما يُعرفُ بأسباب النزول وتاريخيَّة القرآن الكريم، وقبل بيان تقريب دعوى التلازم ومناقشتها أرى من المناسب التعريف بنظريَّة تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ تماماً وفق ما يعرضُه الحداثيُّون العرب.

 

عرضُ نظريَّة تارخيَّة النصِّ الدينيِّ:

فالمرادُ من نظريَّة تارخيَّة النصِّ الدينيِّ هو انَّ النصِّ الدينيِّ كالقرآن الكريم حدَثٌ أو ظاهرةٌ اجتماعيَّة وقعتْ في حُقبةٍ زمنيَّة محدَّدة ورُقعةٍ مكانيَّة محدَّدة، لذلك لا يسعُه إلا أنْ يكونَ مُصطبغاً بالصِبغة التي كانت عليه تلك الحُقبة الزمنيَّة وتلك الرقعة المكانيَّة، فهو منفعلٌ شاءَ أو أبى بمختلفِ المُؤثِّرات السياسيَّة والفكريَّة والثقافيَّة والبيئيَّة والاجتماعيَّة وغيرها التي كانت تكتنفُ ذلك الزمان وذلك المكان، فالنصُّ الدينيُّ شأنُه شأنُ سائر النصوص ليس معزولاً عن البيئةِ واللغة التي نشأ فيها ولا عن التقاليد والأعراف السائدة لحظةَ وجودِه، ولا يسعُه التجاوز لأُفق الوعي الذي نشأ فيه، فهو وليدٌ لظروفِه التاريخيَّة وهو نتاجٌ للعقل الجمعي الذي يتشكَّل عن كلِّ هذه المؤثِّرات، فهو مقيَّدٌ بزمانه وبالموقع الجغرافي الذي صدر في سياقه واطاره، وعلى حدِّ تعبير بعضِهم هو انَّه حبيسُ زمانِه ومكانِه، ولذلك فإنَّ فاعليتَه محدودةٌ بحدودِ الزمانِ والمكان الذي وقع في اطارهما، فأيُّ محاولةٍ لتعديتِه عن حدودِ الإطار الذي وقع ونشأ فيه يُساوق السلخَ له عن حقيقتِه وجوهرِ وجودِه، فالنصُّ الدينيُّ شأنُه شأنُ سائر النصوص وجودٌ مركَّبٌ، وأحدُ أهمِّ أجزائه التي يتركَّبُ منها وتتقوَّم بها حقيقتُه الماهويَّة هو الزمانُ والمكانُ الذي وقع ونشأ فيهما، ولذلك يكون تجريدُه من زمانِه ومكانِه يعني تفريغَه من حقيقتِه والإلغاءَ لفاعليَّتِه وتأثيرِه. ومن هنا تتعيَّن ملاحظة النصِّ الدينيِّ والتعاطي معه على أساس انَّه غير متعالٍ على الزمان والمكان وعلى أساس انَّه خاضع للشروط التأريخيَّة، وذلك هو ما يُعبر عنه بضرورة أرخنة النصِّ الديني.

 

هذا هو المرادُ من تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ وهو ذاتُه المراد من تاريخيَّة الأديان وتاريخيَّة الاسلام، فالإسلامُ مثلاً -على حدِّ زعمهم- دينٌ تكوَّن في اطار زمنٍ محدَّد، فهو رهينُ ذلك الزمن وعليه سماتُه، فكلُّ أفكاره ورؤاه وقواعدِه وقيمِه محدودةٌ بحدود ذلك الزمن، فمنه انبثقَ وفي اطارِه يتحدَّد تأثيرُه، فصلاحيَّتُه وصلاحُه واصلاحُه محدودٌ كلُّه بالإطار والسياق الزمنيِّ الذي انبثقَ منه وإليه.

 

وخلاصة القول: فالنتيجة المصرَّح بها من قِبَلهم هو انَّ النصَّ الدينيَّ ودينَ الاسلام عموماً غيرُ صالحٍ لغير الزمان الذي نشأ في اطاره ، ذلك لأنَّ الزمان متجدِّد، فظروفُ أبناءِ كلِّ حُقبةٍ منه وأحوالُهم وثقافاتُهم وأعرافُهم وأُفقُ وعيِهم في تحوُّلٍ دائمٍ ومستمرٍّ، والإسلامُ الذي جاء لمعالجة ظروفٍ وأعرافٍ وثقافةٍ خاصَّة يظلُّ كما هو مرتهِنٌ بظروفِ نشأته، ولهذا فالإسلامُ ساكنٌ وجامدٌ والزمانُ في تجدًّدٍ وتحوُّل دائمٍ ومستمِر، ولذلك قال بعضُهم إنَّ البناء على انَّ القرآن صالحٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ هوَسٌ ميتافزيقي لا يعدو الوهمَ الكبير والجمودَ والمصادرةَ الاطلاقيَّة.

 

الجوابُ الاجماليُّ على دعوى تاريخيَّة القرآن:

ونحن في المقام لسنا بصدد الجواب التفصيليِّ عن هذه النظريَّة البائسة وإنَّما استعرضناها لتكون مَدخلاً لايضاح وجه الربط المزعوم بين دعوى تاريخيَّة النصِّ الديني وأسباب النزول، إلا انَّه يكفي للوقوف على وهنِها الإلتفات إلى انَّها مُبتنيةٌ على انَّ القرآن نصٌّ بشري يخضعُ لظروف نشأته، وأما إذا ثبت انَّ القرآن كتابٌ إلهيِّ جاء من عند الله تعالى وهو متعالٍ على الزمان والمكان ويعلم جلَّ وعلا انَّ الزمان في تجدُّدٍ دائم وانَّ الأحوال والظروف متغيِّرة وانَّ الوعي البشريَّ والثقافة والعلم في تطوُّر دائبٍ ومستمرٍ ورغم ذلك عرَض القرآنَ على انًّه كتابُ هدايةٍ للعالمين وللناس كافَّة على اختلاف أعراقِهم وبيئاتهم وطبيعة ثقافاتهم وأعرافِهم، وعرضَ القرآنَ والإسلامَ على انَّه كتابٌ ودينٌ يتعيَّن اعتمادُهما أبداً على امتداد الزمان فهو آخرُ الكتب المُنزَّلة وخاتمُ الأديان.

 

إذن لابدَّ من نقل الكلام إلى ما يُثبت الهيَّة النصِّ الدينيِّ وانَّ الله تعالى قد أنزله ليُعتمد أبداً، فإذا ثبت انَّه كتاب إلهيٌّ وانَّ ارادة الإله جلَّ وعلا قد تعلَّقت بلزوم اعتماد الإنسان له سقطت هذه النظرية برمَّتها فهو ليس كتاباً يخضعُ لشروط الزمان والمكان بعد ثبوت انَّه من عند الله المتعالي على الزمان والمكان، وإذا لم يثبت انَّ القرآن نصٌّ الهيٌّ فسواءً قلنا بتاريخيَّته أو لم نقل فهو غير مُلزِم، فشأنُه حينئذٍ شأنُ كلِّ نصٍّ انتجه الإنسان في التأريخ.

 

هذه هي المنهجيَّة التي يجب أن تُعتَمد في هذا الشأن، وأما التغييب لهذه المنهجيَّة رغم انَّها مكمنُ هذه القضيَّة فهو إلتفافٌ ومراوغة لا تليقان بذوي الانصاف والبحث الموضوعي، فإمَّا أنْ ننفي إلهيَّة هذا النصِّ فحينئذٍ لا يكون مُلزِماً لنا ولسنا معنيِّين به حتى وإنْ لم يكن تأريخيَّاً، فلو صدر هذا النصُّ في زماننا ورُوعيت فيه ظروفنا وأحوالنا فإنَّه لا يعنينا بشيء ولسنا مضطرين حتى لقراءته فضلاً عن اعتماده، وإمَّا نُؤمن بأنَّ هذا النصَّ جاء من عند الله تعالى وأنَّ الله تعالى -الذي نؤمنُ بلزوم طاعته- قد أنزله ليُعتمد إلى الأبد فحينئذٍ يتعيُّنُ علينا اعتمادَه سواءً كان نزولُه في زماننا أو في الأزمنة الغابرة، إذن يتعيَّن نقل الكلام إلى هذا البحث أي البحث عن هويَّة هذا الكتاب والغرض من صدوره، والنتيجةُ المترتِّبة عن هذا البحث ستُلغي الحاجة إلى البحث عن تاريخيَّة هذا النصِّ، فإمَّا أنْ يثبت انَّه ليس من عند الله فيكون غير مُلزِم لنا بقطع النظر عن تاريخيَّته، وإذا ثبت انَّه من عند الله وانَّه قد أنزله ليُعتمد أبداً فهو اذن ليس نصَّاً تأريخيَّاً يخضعُ لظروف نشأته لأنَّ اللهَ متعالٍ على الزمان والمكان وقد أنزله ليُعتمد على امتداد الزمانِ والمكانِ.

 

عودةٌ إلى أصلِ البحث:  

بعد اتِّضاح المراد من تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ وانَّ مقصودَهم هو انَّه حبيسُ زمنِه وظروفِه وبيئتِه يتَّضحُ منشأ تمسُّك عددٍ من الحداثيين العرب بأسباب النزول لاثبات تاريخيَّة النصِّ الديني، فقد ادَّعوا انَّ القرآنَ في معظم آياتِه لم ينزل ابتداءً وإنَّما نزلت آياتُه على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة استجابةً لحاجاتٍ ومشكلاتٍ بشريَّة تنتمي إلى ذلك المجتمع وإلى ذلك الزمن وإلى تلك البيئة، وبعضُهم ادَّعى الإطلاق وأنَّ كلَّ آيةٍ أو مجموعةٍ من الآيات إنَّما نزلت بسبب واقعةٍ حدثت أو سؤالٍ -عن حكمٍ أو قضيَّةٍ أو رؤيةٍ في الكون أو الحياة- تمَّ توجيهُه إلى النبيِّ (ص) فتنزلُ الآيةُ أو الآيات لتعالجَ تلك الواقعة بذاتِها أو تلك القضيَّة ولكن في أُفق وعيها.

 

فالآياتُ إذن -على حدِّ تعبير بعضِهم- مشدودةٌ إلى التاريخِ بأسباب النزول، فهي شديدةُ الإرتباط بالأحداثِ التي نزلتْ من أجلِها وفي سياقها، ولذلك لا يصحُّ تعميم الآيات والتجاوز بها إلى ما هو أبعد من الأحداثِ والظروف التي نزلت بسببِها، فأسبابُ النزول هي العللُ الواقعيَّة للنزول، وذلك يقتضي الوقوف عند مدار هذه العلل الخاصَّة التي أنتجت هذه الآيات، فحتى لو صِيغت ألفاظُ الآيات في قوالبَ لفظيَّةٍ عامَّة فإنَّه لا يصحُّ تفسيرُها بما هو أوسع من أسبابِ نزولها، ولا يختلفُ الحال في ذلك بين كون الآيات بصدد بيان حكمٍ شرعي أو كانت بصدد البيان لقاعدة أصوليَّة "عقائدية" أو كانت بصدد البيان لنُظُمٍ أخلاقيَّة - على حدِّ تعبير بعضهم- فإنَّه يتعيَّن فهمُ الآيات في سياق ظروف نزولِها وأسبابه، فليس ثمة مطلقٌ في الآيات بل كلُّ مفاداتها نسبيَّة ومختصةٌ بأسباب النزول.

 

هذه هي خلاصةُ ما ذكروه في بيان وجه الملازمة بين كونِ الآياتِ نزلتْ لأسبابٍ محدَّدة وبين تاريخيَّة النصِّ الدينيِّ وامتناع تعديته إلى ما هو أبعدُ من زمنِ صدوره وإلى ما هو أوسعُ من بيئتِه ورقعتِه الجغرافيَّة.

 

وإذا لاحظتم فإنَّهم اعتمدوا في الوصول إلى هذه النتيجة على مقدِّمتين أساسيَّتين وما عداهما من المقدِّمات لا تعدو المصادرات والتفنُّن في الإعادة لصياغة المقدِّمتين:

 

المقدِّمة الأولى: هي دعوى أنَّ معظمَ آياتِ القرآنِ نزلت لأسبابٍ محدَّدة ولم تنزلْ ابتداءً، واستدلَّ بعضُهم على هذه الدعوى بقوله: "إنَّ الحقائق الإمبيريقيَّة المعطاة عن النصِّ تُؤكِّد انَّه نزل منجَّماً على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة، وتُؤكِّد على أنَّ كلَّ آيةٍ أو مجموعةٍ من الآيات نزلت عن سببٍ خاصٍّ استوجبَ انزالُها، والآياتُ التي نزلت ابتداءً قليلةٌ جدا" ومقصوده من الحقائق الإمبيريقة هو النتائج المتحصَّلة عن التجربة والملاحظة الحسِّيَّة والتي هي مثل الاستقراء لتاريخ نزول القرآن وأسبابِ النزول.

 

المقدِّمة الثانية: هي دعوى أنَّ أسباب النزول تعني العلل التي استوجبت نزول الآيات، ولم أجد في كلماتهم تصدِّياً للإستدلال على تفسير مصطلح أسباب النزول بالعلل المُستوجبة لنزول الآيات بل انَّهم اطلقوا هذه الدعوى اطلاق المسلَّمات ولا تعدو كلماتهم من ايهامٍ للقارئ بأنَّ هذا التفسير لمصطلح أسباب النزول هو الذي استقرَّ عليه المفسِّرون والمحدِّثون وكلُّ من كتَب في علوم القرآن.

 

وأما النتيجةُ المتحصَّلة -والمصرَّح بها- عن هاتين المقدِّمتين فهي انَّ الآيات لمَّا كانت مرتبطة بأسبابٍ وعلل خارجيَّة محدَّدة، وحيثُ انَّها قد جاءت استجابةً لمشكلاتٍ وأسئلةٍ وقضايا تنتمي لمجتمعٍ معيَّنٍ وزمنٍ محدَّد وبيئةٍ وظروفٍ خاصَّة، ولأنَّ الوقائع والقضايا والمشكلات والظروف والأعراف والثقافات في تجدُّدٍ مستمر لذلك لا يصحُّ تعدية هذه الآيات المنتميةِ لظروفٍ ووقائع ومجتمعٍ خاصٍّ إلى ظروفٍ ووقائعَ متجدِّدة ومجتمعاتٍ تتباينُ في أعرافِها وثقافاتِها مع المجتمعِ الذي نزلتْ فيه وله هذه الآيات.

 

والجواب:

أولاً: هو انَّ دعوى انَّ كلَّ أو معظم آيات القرآن لم تَنزِل ابتداءً وإنَّما نزَل كلٌّ منها لسببٍ محدَّد استوجب نزولها ، هذه الدعوى لا تصحُّ بل صنَّفها بعض الكتَّاب الإسلاميين في خانةِ الكذب المفضوح والمُستهجَن على القرَّاء، ذلك لأنَّ المقدار من الآيات التي لم تنزل ابتداءً وإنَّما نزلت لسببٍ محدَّد لا يتجاوز عددها ثمانية وثمانين وثمانمائة آية بحسب جمع السيوطي ولا يتجاوز عددُها اثنين وسبعين وأربعمائة آية بحسب جمع الواحدي صاحب كتاب أسباب النزول، فإذا كان عدد آيات القرآن ستة وثلاثين ومائتين وستة آلاف آية (6236) فمعنى ذلك انَّ نسبة الآيات التي نزلت على الأسباب لا تتجاوز أربعة عشر في المائة بحسب جمع السيوطي، ولا تصل إلى الثمانية في المائة بحسب جمع الواحدي، ولو تجاوزنا هذه النسبة فإنَّها لن تتجاوز حتماً العشرين في المائة، فمِن أين ادَّعى هؤلاء انَّ معظم آيات القرآن نزلت على أسباب النزول؟! والحال انَّ معظم الآيات بحسب الروايات والمعطيات التاريخيَّة بما يتجاوز الثمانين في المائة لم يرد في حقِّها أنَّها نزلت على الأسباب.

 

هذا مع قطع النظر عن ملاحظة أسانيد الروايات والأخبار التاريخيَّة التي تصدَّت للإخبار عن الآيات التي نزلت على الأسباب وإلا فمع التدقيق في الأسانيد ووسائل الإثبات التأريخيِّ لهذه الروايات وهذه الأخبار نجد الكثير منها بل الأكثر منها غيرُ صالحٍ للإثبات التاريخيِّ وغيرُ نقيِّ السند، ففيها المراسيل، وفيها ماهو ضعيف السند إما لجهالة رواتها أو بعضهم أو لكونِهم من الضعفاء والمجروحين، وعلى ذلك لا يثبت -على أكبر التقادير- بعد الغربلة والتحقيق أكثر من مائتين مورداً نزلت فيه الآيات على الأسباب. فكيف تجاسر هؤلاء فادَّعى بعضُهم التعميم وخجِل آخرون فادَّعوا أنَّ معظم آياتِ القرأن نزلت على أسباب النزول؟! أليس طريقُ الوصول لذلك هو الإحصاء والإستقراء للروايات والشواهد التأريخيَّة؟

 

ثم ألا يَلزم في عمليَّة الإحصاء والإستقراء من التثبُّت واعتماد وسائل الإثبات التأريخيِّ من جمعِ القرائن والشواهد التأريخيَّة ومنها ملاحظة الأسانيد؟! هل يسوغُ للباحث الذي يدَّعي لنفسه الموضوعيَّة والتقُّيُّد بمقتضيات الأمانة العلميَّة أن يُلقي الكلام على عواهنِه أو أنْ يحشد لاثبات دعواه كلَّ خبرٍ دون تثبُّت؟! وليت أنَّ مقدار ما يُمكن حشده من الأخبار والشواهد كافٍ لاطلاق هذه الدعوى لهان الأمر لكنَّه ورغم وهْنِ ما يمكن حشده فهو مع ذلك لا يفي بمعشار هذه الدعوى المطلقة، وبذلك تسقط المقدِّمة الأولى.

 

ثانياً: هي انَّ المقدمة الثانية اعتمدت لاثبات تاريخيَّة القرآن على تفسير مصطلح أسباب النزول بالعلل الواقعيَّة للنزول، فأسبابُ النزول تعني بحسب هذا التفسير العلل التي استوجبت النزول بحيثُ لولاها لما نزلت هذه الآيات فهي بمثابة احتراق الورقة بالنسبة للنار بحيث لولا النار لما احترقت هذه الورقة، فهذا التفسير لمُصطلح أسباب النزول ليس هو المتعيِّن بل وليس هو الراجح. فهذا التفسير لمصطلح أسباب النزول لم يرد في القرآن الكريم نفسه، ولم يرد عن الرسول (ص) بل إنَّ هذا المُصطلح فضلاً عن تفسيره لم يرد في القرآن الكريم ولا السنَّة الشريفة وإنَّما هو مصطلحٌ تواضعَ على استعماله المحدِّثون والمشتغلون بعلوم القرآن، ولم يثبت أنَّ مقصودهم من هذا المصطلح هو ما ذكره هؤلاء من أنَّ أسباب النزول تعني عللَ النزول، ولو ثبت أنَّ مقصودَهم من أسباب النزول هو انَّها علل النزول فإنَّ ذلك لا يُجدي لإثبات انَّها عللٌ للنزول واقعاً، إذ لابدَّ لإثبات ذلك بعد عدم تصدِّي القرآن والسنَّة لتفسيره بذلك من الملاحظة لواقعِ حال هذه المُعبَّر عنها بالأسباب وهل هي عللٌ للنزول واقعاً أو انَّها ليست كذلك.

 

وهنا سنُشير إلى عددٍ من القرائن التي تكشف عن انَّ أسباب النزول لم تكن عللاً للنزول:

 

القرينة الأولى: هي انَّ عدداً ليس بالقليل من الموارد التي ورد في الروايات انَّها كانت سبباً للنزول لم تكن طارئةً بل كان مثلُها موجوداً وشائعاً قبل نزول الآياتِ ورغم ذلك لم تنزل في معالجتِها وبيانِ حكمها آياتٌ ثم نزلت، وهو ما يكشفُ عن انَّ الواقعة الشخصيَّة التي اقترنت بالنزول لم تكن هي علةَ النزول بل هي الواقعة الشخصيَّة التى اقترنت بالوقت الذي اختاره الله عزوجل لبيان حكم مثل هذه الواقعة، ونذكرُ لذلك عدداً من الأمثلة:

  

المثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾(1) ورد انَّها نزلت في أبي قيس الأنصاري تُوفي أبوه فأراد أنْ يتزوَّج من زوجة أبيه، وقيل إنَّها نزلت في حصن ابن أبي قيس تزوَّج امرأة أبيه كُبيشة بنت معن، فهل كان نكاح الأبناء لنساء آبائهم مقتصراً على هذا الرجل أو ذاك أم كان أمراً متعارفاً؟

 

المثال الثاني: آية الربا(2) ورد انَّها نزلت في العباس وعثمان، فهل كان أخذُ الربا على القرض مقتصراً عليهما ولم يتحقَّق خارجاً إلا حين فعلاه أم كان أمراً شائعاً يعرفُه الرسولُ (ص) ويسكتُ عنه؟

 

المثال الثالث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(3). روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أتيت على نفرٍ من المهاجرين فقالوا: تعال نطعمُك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن يُحرِّمَ الخمر، فأتيتُهم في حشٍّ، والحشُّ: البستان، وإذا رأس جزور مشويَّاً عندهم ودنٌّ من خمر، فأكلتُ وشربتُ معهم، وذكرتُ الأنصار والمهاجرين، فقلتُ: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، فأخذ رجلٌ لحى الرأس، فجذع أنفي بذلك، فأتيتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرتُه، فأنزل الله الآية في شأن الخمر(4).

 

فهل كان هؤلاء هم أول مَن شربوا الخمر فلما سكروا تنازعوا وآذى بعضُهم بعضاً أم كانت هذه الحالة شائعةً قبل نزول الآية؟!

 

المثال الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ﴾(5) ورد أنَّها نزلت في طُعمة بن أُبيرق سرقَ درعاً، فهل هو أول مَن سرق فكانت هي العلَّة لنزول آيةِ حدِّ السرقة؟!

 

المثال الخامس: آية حكم الظِهار(6) فقد ورد انَّها نزلت في أَوْس بن الصامت ظاهَرَ من امرأته خُويلة بنت ثعلبة، وكان الظِهار معروفاً عند العرب ولم ينزل فيه قرآنٌ إلا بعد مُظاهرةِ أَوْس بن الصامت لزوجته.

 

المثال السادس: آيات اللعان(7) ورد انَّها نزلت في هلال بن أُميَّة بعد أنْ رمى زوجته بالزنا، فهل كان هلالُ بن أُمية هو أول مَن رمى زوجته بالزنا أم انَّ هذا الأمر كان يقعُ قبل تشريع حكم اللعان.

 

المثال السابع: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾(8). ورد انَّها نزلت في رجلٍ من غطفان كان عنده مالٌ كثير لابن أخٍ له يتيم، فلما بلغ اليتيمُ طلب المال، فمنعه عمُّه، فترافعا إلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العمُّ قال: "أطعنا الله وأطعنا الرسول (ص)، نعوذُ بالله من الحَوب الكبير، فدفع إليه ماله"(9). فهل هو الرجل الأول الذي يستحوذُ على أمول اليتيم الذي عنده أم كان هذا السلوك شائعاً قبل نزول الآية؟! 

 

المثال الثامن: آية دية قتل الخطأ فإنَّه ورد انَّها نزلت في عياش بن أبي ربيعة حين قتل الحارث بن زيدٍ خطأً فحينذاك نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾(10)

 

ولم تكن هي الحادثة الأولى التي يتَّفقُ فيها الوقوع لقتل الخطأ ولكنَّها كانت الواقعة التي تقرَّر عندها تشريع الكفارة والدية في قتل الخطأ.

 

وغير ذلك من الموارد الكثيرة. وذلك يكشف بوضوح انَّ منشأ وعلَّة نزول هذه الآيات ليست هي الوقائع التي قارنت نزول الآيات أو نزلت الآيات بعدها، فهي وقائع كانت متكررة وشائعة ورغم ذلك لم تنزل فيها آياتٌ لمعالجتها أو لبيان حكمها، وحين نزلت لم تنزل لمجموعها في عرضٍ واحدٍ بل نزلت متفرِّقة وعلى فتراتٍ متفاوتة، ففي كلِّ مرة تتصدَّى آيةٌ أو عددٌ من الآيات لمعالجة قضيَّة أو بيان حكمها وما ذلك إلا لأنَّ القرآنَ أراد التدرُّج في تبليغ الأحكام ليُتاح للناس استيعابها والتروُّض عليها، فنزول أحكام هذه الوقائع في عرضٍ واحد قد يشقُّ عليهم، وقد يمنعُ من ترسُّخها في أذهانهم، ففي كلِّ مرَّةٍ يستثمرُ القرآن وقوع حادثةٍ شخصيَّة -كان مثلُها يقعُ كثيراً- يستثمر وقوعها لانزال آيةٍ تبيِّن حكمها ليكون ذلك أدعى لحفظها واستيعاب مدلولها، فلم تكن هذه الحادثة أو تلك هي علَّة نزول الآية بل كان نزولها مقرَّراً من أول الأمر غايتُه انَّ المشرِّع كان ينتظر بها الوقت المناسب لانزالها. فالمشرِّعُ في صدر الدعوة حيثُ كان الناس حديثوا عهدٍ بالإسلام كان بمثابة المعلِّم والمربِّي لطلابه ، الذي لديه مقرَّر دراسي، ويعلم منذ بداية السنة الدراسيَّة بتفاصيل ما سوف يُعلِّمهم ايَّاه على مدار سنتِهم الدراسيَّة لكنَّه يتدرَّج في ذلك حرصاً على ترويضهم واتقانهم , كذلك هو الشأن في المشرِّع.

 

القرينة الثانية: انَّ عدداً من الموارد التي ورد انَّه نزل فيها أو عند وقوعها قُرآن نجد انَّ مقدار ما نزل فيها من الآيات والموضوعات التي تصدَّت لبيانها تلك الآيات أوسع بكثير من الواقعة التي نزلت بسببها تلك الآيات، وذلك يكشفُ عن انَّ تلك الواقعة لم تكن علةً لنزول تلك الآيات وإنَّما كانت مناسبةً لنزولها، ونُمثِّل لذلك بالآيات من سورة آل عمران التي نزلت في نصارى نجران الذين وفدوا على النبيِّ (ص) في المدينة في أواخر العهد المدني فدعاهم إلى الاسلام فلم يقبلوا فدار بينهم وبين النبيِّ (ص) حوارٌ وبعد أنْ قطَعَ حجَّتَهم أنزل اللهُ تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضعٍ وثمانين آية، وعند ملاحظة هذه الآيات نجد انَّها متصدِّية لبيان الكثير من الموضوعات كالتوحيد والملائكة والغيب والرسالات وقصص بعض الأنبياء وبعض أحوال اليهود وأخلاقِهم وأحوال أهل الكتاب ومخاطبة المؤمنين ببعض التشريعات، فهذه الموضوعات المختلفة هي أوسع بكثير من السبب الذي اقترن بنزول هذه الآيات، وذلك ما يكشفُ عن أنَّ سبب النزول ليس أكثر من كونه مناسبةً للنزول.

 

وكذلك يمكن التمثيلُ بسورة الصف، فقد ورد انَّها نزلت في جماعةٍ من أصحاب النبيِّ (ص) قالوا: لو نعلم أيَّ - شيءٍ-أحب إلى الله تبارك وتعالى لعملناه، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾(11) إلى آخر السورة، فقرأها علينا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(12). فالمناسب لسبب النزول هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ لكنَّ سورةً كاملةً متعددةَ الموضوعات نزلتْ مقترنةً بهذه المناسبة، فجاءت الروايات لتقول نزلت سورة سبح لله ما في السماوات في كذا وهو يكشف عن انَّ سبب النزول لم يكن أكثر من انَّه مناسبةٌ للنزول.

 

وكذلك هو الشأن في سورة العاديات ورد أنَّها نزلت لما بعث النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليَّاً عليه السلام إلى ذات السلاسل، فأوقع بهم، فالسورة رغم انَّها نزلت في واقعة خاصَّة لكنَّها اشتملت على موضوعاتٍ متعددة لا صلة لها بالواقعة التي نزلت فيها.

 

القرينة الثالثة: إنَّ العديد من الروايات التي اشتملت على التعبير بأنَّ آية كذا نزلت في كذا لم تكن تتحدَّث عن واقعةٍ خارجيَّة قد وقعت فنزل فيها قرآن، ولم تكن تتحدَّث عن رجلٍ بعينه موجودٍ في عصر النصِّ قد نزل فيه قرآنٌ بل كانت هذه الروايات بصدد بيان انَّ هذه الآية جاريةٌ في هذه القضيَّة أو في هذه الفئة من الناس أو انَّها جاريةٌ في هذا الرجل ومنطبقةٌ عليه رغم انَّه قد لا يكون موجوداً في عصر النص بل كان موجوداً في غابر التأريخ أو انَّه وُجد بعد العصر النبويِّ وهو ما يكشفُ عن انَّ التعبير بأنَّ الآية نزلت في كذا ليس معناه دائماً انَّها نزلت مقترنةً أو بعد واقعةٍ شخصيَّة محددة أو نزلت في ذمِّ رجلٍ اجترح ذنباً أو في مدح رجلٍ حاز على فضيلة بل قد يكونُ المراد من قولِهم إنَّ هذه الآية نزلت في كذا هو انَّها جاريةٌ فيه ومنطبقةٌ عليه ورغم ذلك نجد انَّ المشتغلين بعلوم القرآن يُصنِّفون هذه الآيات ضمن الآيات التي لها أسباب نزول ممَّا يؤكِّد أنَّ مرادهم من مُصطلح أسباب النزول ليس هو عِللَ النزول.

 

ويمكن التمثيل لذلك بالكثير من الآيات:

منها: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾(13). قال ابن مسعود: نزلت في بلعم بن باعورا رجل من بني إسرائيل(14). فهذا الرجل لم يكن موجوداً في عصر النص وابنُ مسعود يقولُ بحسب هذه الرواية انَّها نزلت في هذا الرجل، وهذا معناه انَّها جارية فيه ومنطبقةٌ عليه، وليس معنى أنَّها نزلت فيه انَّه كان العلة الخارجيَّة لنزول الآية.

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾(15). رُوي عن حصين عن زيد بن وهب قال: "مررتُ بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلتُ له: ما أنزلَك منزلَك هذا؟ قال: كنتُ بالشام فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ فقال معاوية: نزلتْ في أهل الكتاب، فقلتُ نزلت فينا وفيهم"(16). فمعنى قول أبي ذر: "نزلتْ فينا وفيهم" هو انَّها جاريةٌ فينا وفيهم.

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾(17). قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلمَّا ذهبوا معه سمعوا كلام الله تعالى وهو يأمر وينهى.."(18). فهذه نزلت في قوم لم يكونوا في عصر النصِّ بل كانو من بني إسرائيل أيام موسى (ع).

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾(19) رُوي عن ابن عباس أنَّها نزلت في الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.."(20).

 

وخلاصة القول: إنَّ هذه قرائنُ ثلاث وثمة قرائن أخرى أعرضنا عن ذكرها خشية الاطالة وهي جميعاً تقتضي انَّ مُصطلح أسباب النزول ليس بمعنى علل نزول الآيات بل هو مستعملٌ في المناسبة التي اقترنت بالنزول أو المناسبة التي تمَّ بعدها التبليغ لحكم أو المعالجة لموضوعٍ، وقد يُستعمل مُصطلح أسباب النزول ويُراد منه الجري والانطباق. ولم نقف على موردٍ رغم التتبع يتعيَّن فيه إرادة علَّة النزول من كلمة سبب النزول، هذا مضافاً إلى ما ذكرناه من انَّ مصطلح أسباب النزول ليس مصطلحاً قرآنيَّاً ولم يرد عن الرسول (ص) وإنَّما هو مُصطلح تواضَعَ عليه المحدِّثون والمشتغلون بعلوم القرآن وغرضُهم منه هو توصيف الحالة التي نزلت عليها بعضُ آيات القرآن الكريم.

 

ثالثاً: لو قطعنا النظر عمَّا ذكرناه وقبلنا جدلاً انَّ أسباب النزول هي عِللُ النزول فإنَّ ذلك لا يُنتج ما يُعبَّر عنه بتاريخيَّة النصِّ القرآني واختصاص الآيات التي نزلت على الأسباب بمَن نزلت فيهم أو بعصر النص، فإنَّ ذلك في غاية الغرابة ولا يفهمُه ولم يفهمه العرف المُخاطَب بالآيات كما لا يفهم العرف ذلك في نظائر هذه الحالة المفترضة، فلو وقع شجارٌ في محلِّ العمل بين اثنين من الموظَّفين فجاء ربُّ العمل وأصدر قراراً نصَّ فيه على أنَّ مَن تشاجر في وقت العمل فإنَّه يُحرَم من أُجرة ذلك اليوم، فإنَّ أحداً لا يتردَّد في أنَّ هذا القرار جارٍ على كلِّ الموظَّفين ولا يختصُّ بمَن كان سبباً في صدور هذا القرار، ولا يتردَّد أحدٌ منهم في أنَّ هذا القرار يظلُّ نافذاً وسارياً إلى أنْ يتصدَّى ربُّ العمل لرفعه.

 

ولو وقعت خصومةٌ بين أخوين فجاء الأبُ وجمع كلَّ أبنائه وقصَّ لهم قصَّةً فيها عظةٌ وعبرةٌ ادَّعى انَّها وقعت له، فهل يتردَّد الأبناء -وهم يعرفون أباهم بالصدق والأمانة في النقل- انَّ هذه القصة قد حدثت واقعاً وانَّها لم تكن وليدة ظرف النقل؟!، وهل يتردَّدون في حكايتها عن أبيهم على انَّها حادثة قد وقعت؟!، فهل انَّ تصدِّي أباهم للإخبار عن القصَّة بعد وقوع الخصومة مانعٌ من التصديق بواقعيَّتها ومقتضٍ للبناء على انَّها وليدةُ ظرفها؟!

 

إنَّ هذين المثالين ذكرتُهما للتقريب، والجوابُ عن دعوى التلازم بين نزول الآيات على الأسباب وبين تاريخيَّة القرآن -بعد التسليم جدلاً انَّ الأسباب بمعنى العلل- يتَّضح بالتأمُّل في الأمور التالية:

 

الأمر الأول: إنَّ معظم الآيات المتصدِّية للتشريع والتي ورد انَّها نزلت على الأسباب صِيغت بطريقةٍ لا يتردَّد معها العارفُ بالكلام العربي إرادة العموم منها وأنَّها ليست مختصَّةً بالواقعة التي اقترنت بالنزول، بل لا يجدُ المتلقِّي لهذه الخطابات حاجةً للوقوف على أسباب النزول لغرض الفهم لمدلولات هذه الخطابات، ولو اتَّفق له الوقوف عليها فإنَّها غالباً لا تُضيفُ إليه شيئاً مهمَّاً لم يكن قد فهمَه من هذه الخطابات قبل مراجعة أسباب النزول. ونذكرُ في المقام عدداً من النماذج:

 

النموذج الأول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(21).

 

ورد أنَّها نزلتْ في "طُعمة بن أُبيرق سرَق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرعُ في جُرابٍ فيه دقيق.." (22).

 

فالآية نزلت في رجلٍ معيَّن بحسب هذه الرواية لكنَّها صيغت على نهج القضيَّة الحقيقية -كما تُصاغُ موادُّ القانون-، فجُعل موضوع الحكم فيها هو طبيعة السارق كما هو مفاد اسم الجنس المعرَّف باللام، فموضوع الحكم بالقطع هو السارق أيَّاً كانت هويَّته، ولهذا صار مفاد الآية بمقتضى المتفاهم العرفي لمثل هذا الخطاب هو انَّ كلَّ أحدٍ صدَر منه فعلُ السرقة فحكمُه القطع، كما انَّ اشتمال الآية على بيان حِكمة جعل القطع على السارق يُعزِّز من ظهورها في الإطلاق والتعميم، فالآيةُ قد أفادت أنَّ الحكم بالقطع هو جزاءُ ما اكتسبه السارقُ من جرم التعدِّي على أموال الناس، وهذا الجزاء المُشدَّد يُفضي إلى ردع غيره عن مقارفة مثل هذا الجُرم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ فموقعُ "جزاءً ونكالاً" من الإعراب هو انَّ كلاً منهما مفعول لأجله أي انَّ جعل الحكم بالقطع على السارق صدر جزاءً مُستحِقَّاً ونكالاً وعبرةً للآخرين.

 

وممَّا يُعزِّز الظهور في التعميم هو انَّ الآية بحسب الرواية نزلت في رجلٍ سرق درعاً لكنَّها أفادت انَّ حكم القطع يثبتُ للمرأة إذا سرقتْ كما يثبت للرجل. فلو كان الحكمُ بالقطع خاصَّاً بمَن نزلت فيه الآية فما وجهُ ذكر السارقة؟! ثم انَّه لو كان المراد هو اختصاص الحكم بالقطع بمَن نزلت فيه الآية فالمُناسبُ هو القول انَّ فلان الذي سرق تُقطعُ يدُه فتكون الآية متصدِّية لبيان حكمٍ قضائي شخصيٍّ إلا انَّها لم تنزل بهذه الصياغة أو بما يقرب منها بل نزلتْ على نهج القضيَة الحقيقية، وجُعل موضوعها مقدَّر الوجود وهو اسم الجنس المعرَّف باللام، فكان مساقُها مساقَ الجملة الشرطيَّة التي مفادها ثبوت الحكم لكلِّ مَن صدَق عليه موضوعُ القضية فكلُّما تحقَّق من أحدٍ فِعلُ السرقة وصدقَ عليه عنوانُ السارق فحكمه القطع، فلو كان الحكمُ بالقطع مختصَّاً بمَن نزلتْ فيه الآية لكانت صياغتُها بهذا النحو موجباً للتغرير والإيهام ولكان ذلك منافياً لمقتضى الحال وأُصول البيان والبلاغة.

 

النموذج الثاني: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾(23).

 

ورد انَّها نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة حين قتل الحارث بن زيد خطأ(24).

 

فهذه الآية نزلت -بحسب الرواية- في رجلٍ معيَّن وفي قضيَّة شخصيَّة محدَّدة لكنَّها رغم ذلك صِيغت على نهج القضيَّة الشرطيَّة، فكان موضوعُها المُعبَّر عنه بفعل الشرط هو مطلْقُ مَن صدر منه القتلَ خطأً، وجزاءُ الشرط هو تحرير رقبةٍ وتسليمُ الدية إلى أهل القتيل، لذلك لا يتردَّد أحدٌ يقرأُ الآية في أنَّ مفادها هو التعميم وأنَّ الحكم لا يختصُّ بمَن نزلت فيه الآية.

  

النموذج الثالث: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(25).

 

ورد انَّه "كان الرجل إذا طلَّق امرأتَه ثم ارتجعها قبل أنْ تنقضيَ عدَّتُها، كان ذلك له وإنْ طلَّقها ألفَ مرَّة، فعمد رجلٌ إلى امرأةٍ له فطلَّقها، ثم أمهلَها حتى إذا شارفت على انقضاء العدَّة ارتجعها، ثم طلَّقها وقال: واللهِ لا آويك إليَّ ولا تحلِّين أبداً، فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾" (26)

 

فمفادُ الآية كما هو واضحٌ هو ضربُ قاعدةٍ كليَّة لا يشذُّ عنها أحدٌ ولا تختصُّ بمَن نزلت فيه، فالطلاقُ الذي يصحُّ معه الرجوع مرَّتان فإمَّا أنْ يُمسك بعدهما بزوجتِه وإمَّا أن يُسرِّحها، فإنْ سرَّحها أي طلَّقها بعد المرَّتين فليس له الرجوع. فالآيةُ جعلت مناط صحَّة الرجوع هو وقوع طبيعة الطلاق مرَّتين من أيٍّ صدَر كما هو مقتضى دلالة لام الجنس الداخلة على اسم الجنس.

 

النموذج الرابع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾(27).

 

 ورد انَّها "نزلت في رجلٍ من غطَفان يُقال له مرثد بن زيد وَلِيَ مالَ ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل اللهُ فيه هذه الآية"(28).

 

نلاحظ انَّ هذه الآية رغم نزولها -بحسب الرواية- في رجلٍ معيَّن وفي قضيَّة شخصيَّةٍ محدَّدة إلا انَّها صِيغت بطريقةٍ لا يتردَّد أحدٌ يقرأُ هذه الآية في افادتها للتعميم وأنَّ الجزاء المترتِّب على أكْلِ مال اليتيم ظلماً يَنال كلَّ من اجترح هذا الفعل كما هو مقتضى استعمال اسم الموصول المعرَّف بصلته يأكلون أموال اليتامى ظلماً، فمُطلق مَن يأكلُ أموال اليتامى تناله النار ويصلى في السعير، وهذا الأثرُ والجزاءُ لا يختصُّ بمَن يأكلُ مال يتيمٍ دون يتيم بل هو شاملٌ لأكلِ مال مطلق اليتيم ظلماً كما هو مقتضى الجمعِ المُعرَّف بالألف واللام "اليتامى".

 

النموذج الخامس: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾(29).

 

ورد انَّها "نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمِّه، وذلك أنَّ رفاعة تُوفِّىَ وترك ابنَه ثابتاً وهو صغير، فأتى عمُّ ثابت إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنَّ ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله، ومتى أدفعُ إليه مالَه؟ فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية"(30).

 

فالسؤالُ الذي وُجِّه للنبيِّ (ص) كان خاصَّاً وشخصيَّاً لكنَّ الجواب جاء عاماً على طريقة الخطاب لعموم المكلَّفين الذين يتَّفق لهم الرعاية لأموال يتيمٍ من اليتامى، فمفادُ الآية كما هو واضحٌ انَّ كلَّ مَن كانت في يده أموالٌ ليتيم فوظيفتُه لزوم دفع هذه الأموال إليه بعد أنْ يتثبَّت من بلوغه سنَّ الرشد، وقبل أنْ يبلغ اليتيم حدَّ الرشد فإنَّ وليَّه مكلَّفٌ برعايتها ولا يسوغُ له أنْ يأكل منها إلا بمقدار ما يستحقُّه الأجير في مقابل رعايتِه لهذه الأموال، هذا لو كان الوليُّ فقيراً، وإذا كان الوليُّ غنيَّاً فلستعفف ولتكُنْ رعايتُه لأموال اليتيم تطوعيَّة دون مقابل، ثم أفادت الآيةُ انَّه حين يبلغُ اليتيمُ حدَّ الرشد فيحينُ وقت دفع أموالِه إليه فليكُنْ ذلك في محضرٍ من شهودٍ يشهدونَ على أنَّ وليَّه قد دفع إليه أموالَه.

 

فهل يتوهَّم أحدٌ انَّ الأحكام التي اشتملت عليه هذه الآية ولحن خطابها وصياغة قضاياها على نهج القضية الحقيقية التي يكون موضوعها مفترض الوجود هل يتوهَّم أحدٌ انَّها مختصَّةٌ بمَن أورد السؤال على النبيِّ (ص)؟!

 

النموذج السادس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(31).

 

ورد أنَّها نزلت في امرأةٍ من الأنصار جاءت إلى النبيِّ (ص) فقالت: يا رسولَ الله إنِّي أكونُ في بيتي على حالٍ لا أُحبُّ أنْ يراني عليها أحدٌ لا والدٌ ولا ولد، فيأتي الأب فيدخلُ عليَّ، وإنَّه لا يزال يدخلُ عليَّ رجلٌ من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنعُ؟ فنزلتْ هذه الآية(32).

 

فالآيةُ قد نزلتْ في قضيَّةٍ شخصيَّة والخطابُ بالنهي جاء لعموم المؤمنين، فكلُّ مَن هو داخل تحت عنوان الذين آمنوا فهو مُخاطَب بالنهي عن دخول بيتِ غيره دونَ استئذان.

 

النموذج السابع: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(33).

 

ورد انَّها "نزلت في سعد بن أبي وقاص وذلك أنَّه لما أسلم قالتْ له أمُّه جميلة: يا سعد بلَغني أنَّك صَبوت، فواللهِ لا يُظلُّني سقفُ بيتٍ من الضحِّ والريح ولا آكلُ ولا أشربُ حتى تكفُرَ بمحمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وترجع إلى ما كنتَ عليه، وكان أحبَّ ولدِها إليها، فأبى سعد فصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظلَّ بظلٍّ حتى غُشيَ عليها، فأتى سعدٌ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وشكا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(34).

 

فهذه الآية كما تُلاحظون واضحة الدِّلالة في انَّها خطابٌ لمطلق الإنسان كما هو مقتضى دخول لام الجنس على اسم الجنس "انسان"، فوصيَّةُ الله تعالى بالرعاية للوالدين مُخاطَبٌ بها مطلقُ الإنسان وكذلك فإنَّ مُطلق الأنسان مخاطَب بعدم الخضوع والإستجابة لضغط الوالدين إذا كان الضغط واقعاً في اتِّجاه الدعوة له بالشرك بالله تعالى. فنزول الآية بمناسبة قضيَّةٍ شخصيَّة لم يمنعْ من ظهورِها البيِّن في التعميم.

 

النموذج الثامن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(35).

 

رُوي عن جابر قال: اشتكيتُ فدخل عليَّ رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) وعندي سبعُ أخوات، فنفخ في وجهي فأفقتُ، فقلتُ: يا رسول الله أُوصي لأخواتي بالثلثين، قال: اجلس، فقلتُ الشطر، قال: اجلس، ثم خرج فتركني. قال: ثم دخل عليَّ وقال: يا جابر إنِّي لا أراك تموتُ في وجعِك هذا، إنَّ اللهَ قد أنزل، فبيَّن الذي لأخواتك الثلثين.."(36).

 

فمورد السؤال كان عن الوصية للأخوات حيث لم يكن للسائل أولاد فجاء الجواب مفصَّلاً على فروض مختلفة لم يستفت عنها السائل، فالآية تصدَّت لبيان مقدار ما ترثُه الأخت الواحدة إنْ لم يكن للميت ولد وهذا الفرض لم يكن مورداً للإستفهام، وتصدَّت لبيان مقدار ما ترثه الأختان فصاعداً فرغم أنَّ السؤال كان عن مقدار ما يُوصي أو ما ترثُه أخواتُه السبع إلا انَّ الجواب جاء لبيان ضابطٍ كلِّي وهو انَّ الميت إذا ترك اختين فصاعداً فلهما أو لهنَّ الثلثان، ثم تصدَّت الآية لبيان فرضٍ ثالثٍ لم يكن مورداً لسؤال المُستفتي وهو ما لو ترَكَ الميِّت اخوةً وأخوات فقد أفادت الآيةُ انَّهم يقتسمون التركة بينهم فيكون للأخ مثل نصيب الأختين.

 

هذه نماذج ثمانية وعلى هذا النسَق جاءت معظمُ آياتِ التشريع التي نزلت على الأسباب، فهي في معظمِها إنْ لم يكن جميعها صِيغت بطريقةٍ لا يتردَّد معها القارئُ لها من المؤمنين انَّه مخاطَبٌ بها ومعنيٌّ بالإلتزام بها وانَّ مناسبةَ نزولها لم يكن سوى مبدءٍ لتشريعها والمخاطبةِ بالإلزام بها.

 

الأمر الثاني: الذي يكشفُ بجلاءٍ عن أنَّ نزول بعض الآيات على الأسباب لا يقتضي اختصاصها بشخصِ الأسباب التي اقترنت بنزولها، الذي يكشفُ عن ذلك هو تصدِّي النبيِّ الكريم (ص) لتطبيقها في مقام القضاء على مختلف الوقائع المشابهة وتصدِّيه للتأكيد في مقام التعليم والبيان للآيات على عموم جريانها على مواردِها، وتصدِّيه للتأكيد على انَّ تلك هي حدودُ الله تعالى في الناس إلى قيام الساعة، وتصدِّيه للتأكيد على ذلك أيضاً في مقام الوعظ والإرشاد والإنذار والتبشير، وهذا السلوك من النبيِّ (ص) بيِّنٌ وثابت، ولا يرتاب فيه إلا مكابر، فالرواياتُ في ذلك تفوق حدَّ التواتر بمراتب، والشواهدُ التأريخيَّة المتعاضدة والمتكاثرة تُورثُ القطعَ بأنَّ هذا السلوك وهذا التبليغ - بالإطلاق في عمود الزمان -هو السلوك والبيان الذي كان عليه الرسولُ الكريم (ص) وهذا هو ما فهمه وجرى عليه الجيلُ الأول من المسلمين وكذلك أهلُ البيت (ع) ثم تلاحقت الأجيال جيلاً بعد جيل على هذا الفهم وعلى هذا المسار، فإذا تخلَّفوا أو تخلَّف بعضُهم في شأنٍ من هذه الشئون عدَّوه من المعصيةِ والتجاوزِ لحدود الله تعالى والمناقضة لِسنَّةِ رسول الله (ص).

 

الأمر الثالث: إنَّ الكثير من الآيات التي نزلت على الأسباب -إنْ لم يكن الأكثر- كانت بصدد التقرير لشأنٍ من شئون العقيدة كالتوحيد والبعث وصفات الله تعالى وأسمائه وانَّه الخالق لكلِّ شيءٍ ، والمدبِّرُ لشئون الكون والعالمُ بكلِّ ما دقَّ وصغر فيه ، والمقدِّر لمصائرِ الخلق وآجالِهم أو كانت هذه الآيات بصدد الإخبار عن شأنٍ من شئون الغيب كالملائكة أو الجنَّةِ أو النار أو متصدِّية للإخبار عن أحوال مَن مضى من الرُسُل وما نزل معهم من كُتبٍ وما جرى على أيديهم من معجزات أو هي متصدِّية للإخبار عن أحوال الأمم السابقة، فأيُّ معنىً لتاريخيَّة هذه الآيات واختصاصِها بسبب النزول أو بعصر النص والحال انَّها إخباراتٌ عن وقائعَ يدَّعي القرآنُ انَّها حقائقُ ثابتة في لوح الواقع، فهو يحكى قصصاً يدَّعي انَّها وقعت في التأريخ أو يُخبِرُ عن انَّه لا إله في الكون إلا الله وانَّ البعثَ سيقعُ، وانَّ ابراهيم ونوحاً ومحمَّداً (ص) أنبياء، فأيُّ معنىً لتاريخيَّة هذه المضامين واختصاصها بعصر النصِّ؟!

 

فهذه المضامين إمَّا أنْ يكونَ القرآن صادقاً فيما أخبر به عنها أو كاذباً أو مشتبهاً، فالبحث ينبغي أنْ يتَّجه إلى ما هو البرهان على انَّ القرآن صادقٌ ومن عند الله تعالى، فإنْ قام البرهانُ على اثبات ذلك لم يسع المؤمنُ إلا الإذعان بأنَّ ما يُخبرُ عنه القرآن هي حقائقُ ثابتة يتعيَّن التصديقُ بها، وإنْ لم يقم الدليل والبرهان على انَّ القرآن من عند الله تعالى فكلُّ ما يُخبِرُ عنه يكونُ دون قيمةٍ وساقطاً عن الاعتبار بلا حاجةٍ إلى هذا الإلتواء والمراوغة، إذ لا يتعقَّل سَويٌّ يحترمُ نفسه الجمع بين الإيمان بأنَّ القرآنَ من عند الله تعالى وبين البناء على انَّ ما يُخبِرُ عنه القرآن ويدَّعي انَّها حقائق ثابتة ليست سوى اساطير تتناسب وثقافة المجتمع الذي ظهَر فيه النبيُّ محمَّد (ص).

 

والعجيب ما ادَّعاه بعضُهم من أنَّ الآيات التي نزلَت على الأسباب لا يصحُّ تعديتُها عن سبَبِ نزولها وظرف نشأتِها وإنْ صيغت في قوالبَ عامَّة!! إذن لماذا صِيغت في قوالبَ عامَّة ومطلقة؟! أليس في ذلك إخلالٌ بموازين الخطاب والمحاورة؟! أو انَّه تعمَّد التغرير والإيهام بالتعميم رغم علمِه بعدم صحَّة التعميم وانَّ اللازم هو ربط أحكام هذه الآيات بشخص الحادثة التي اقترنت بنزولها أو ربطها بعصر نزولها؟! فرغم علمِه باختصاصها بشخص الحادثة أو بزمنِها لكنَّه تعمَّد الإيهام!! هل يصحُّ لنا القبول بهذا الإفتراض؟! أو نفترض انَّ هذه الأحكام لا تصلحُ في نفسها للتعدِّي والتجاوز لزمنِها ولكنَّ المشرِّع توهَّم خطأً انَّ الزمان لن يتجدَّد أو انَّه كان يُدركُ تجدُّدَه ولكنَّه توهَّم خطأً انَّها صالحةً لكلِّ زمان، ولهذا وضعَها في قوالبَ مُطلقة وعامَّة؟! إذن لابدَّ أنْ نفترض أنَّ المشرِّع هو غير الله تعالى؟! أو انَّ المبلِّغ عنه غير مسدَّدٍ بالوحي والعصمة؟! فإذا كان الأمرُ كذلك فنحن في غنىً عن اضاعة الوقت والبحث عن تاريخيَّة النصِّ الديني واختصاصِه بعصر النصِّ أو عدم اختصاصه فإنَّه حتى لو ثبت انَّ المتكلِّم قصدَ الإطلاق في عمود الزمان فإنَّ قصده وكلامه غيرُ معتبرٍ بعد أنْ لم يكن المتكلِّم هو الله تعالى أو لم يكن المبلِّغ عنه معصوماً ومسدَّداً بالوحي والعصمة.

 

ثم أيُّ معنىً للحديثِ عن التاريخيَّة وعدمِها والاختصاصِ بزمنِ النصِّ وعدمِه في الآيات المتصدِّية للإخبار عن وجود الله تعالى ووحدانيَّتِه وصفاته وتدبيره لشئون الكون، والمتصدِّية للحكاية عن أخبار الرسُلِ وعن أحوال الأُمم الغابرة والمتصدِّية للإخبار عن البعث والجنَّة والنار والملائكة أي معنىً لتاريخيَّة مثل هذه المضامين وهي اخباراتٌ عن وقائع وشئون إمَّا أنْ تكون حقائقَ ثابتةً أو ليست ثابتة، وافتراضُ انَّها مضامين- كما صرَّحوا بذلك كثيراً- تُناسبُ ثقافة أهل ذلك الزمن وتُغذِّي حاجاتِهم المعنويَّة والاجتماعيَّة لذلك فالإعتقاد بها نافعٌ لهم لكنَّها ليست نافعةً لعصر التنوير والعقلانيَّة، هذا الافتراض معناه انَّ هذه المضامين ليست حقائق وإنَّما هي أوهامٌ وخيالات، فالنبيُّ (ص) لم يكن نبيَّاً وإنَّما تخيَّل انَّه نبيٌّ وتخيَّل انَّه يُوحى إليه وتخيَّل انَّ المعاني التي صدَع بها هي من عند الله وانَّها حقائق ثابتة ومطلقة وليست مجرَّد حاجاتٍ تُغذِّي ظمأه الروحي، وتوهَّم انَّه خاتم الأنبياء وانَّ القرآن الذي جاء به هدىً للناس كافة!!

 

إنْ كان الأمر كذلك فلا معنى للحديث عن تاريخيَّة القرآن فهو أساساً ليس من عند الله تعالى، والدينُ برمَّته لم يكن سوى ظاهرةٍ اجتماعيَّة فرضتها الحاجة الملحَّة للخلاص من حالة الشعور بالخوف والحيرة والإضطراب التي تجتاح النفس، فهي تبحث عن الإطمئنان والإستقرار والسكينة ولا يُتاح ذلك إلا باللجوء إلى قوَّة غيبيَّة مهيمنةٍ على الكون ومدبِّرة لشئونه وذات قدرةٍ مطلقة، هذه القوَّة الغيبيَّة قادرةٌ على حمايتِهم من الآفات والأخطار وقادرةٌ على تعويضهم عمَّا يلحقُ بهم من ظلمٍ وعناء، وهي في ذات الوقت صالحةٌ لأن يُسنَد اليها كلُّ شيءٍ يجهلُ الإنسان أسبابَه وأسراره، ذلك هو واقعُ الحال فليس في الواقع قوَّةٌ غيبيَّة إلا في وهْمِ الإنسان ومخيَّلته التي فرضتها حاجتُه وجهله، فالإلهُ المزعوم هو إلهُ الفجَوات العلميَّة، والدينُ المزعوم هو دينُ الفراغات الروحيَّة والمعنوية، فإذا جاء عصر التنوير والعلم واستطاع الإنسانُ الوقوف على أسرار الكون واستطاع الحماية لنفسه ومصالحه لم تَعُد ثمة حاجة إلى إلهٍ نُسنِد إليه أسرارَ الظواهر الكونيَّة ولم تعُد ثمة حاجة إلى حمايتِه، فالفجَوات العلميَّة قد تمَّ رأبُها بالعلمِ والمعرفة، والفراغات الروحيَّة لم يعُد في البين ما يقتضي بقاءها بعد أن تخطَّى الإنسانُ مرحلة القصور ودخل في عصر التنوير والرشد والعقلانيَّة، ولهذا يتعيَّن عزلُ الإله عن الحياة، فهو أساساً لم يكن له وجود إلا في مخيَّلة الإنسان، فليس الإله هو مَن خلَقَ الكون والإنسان بل الإنسان هو مَن خلَقَ الإله في مخيَّلته، فهو صنيع الإنسان وقد استغنى عنه فلا بدَّ من اعدامه أو عزله عن الحياة. ذلك هو تماماً ما تعنيه تأريخيَّة الأديان في الحداثة الغربية ولأنَّه يشقُّ على الحداثةِ العربيَّة التصريح بهذه الهرطقات لذلك امتهنوا المرواغة والنفاق ليصلوا إلى هذه النتيجة ولو بعد حين، فقالوا إنَّ القرآن في مجمل آياتِه تاريخيٌّ وكلُّ مضامينِه نسبيَّة ومُنتمية للزمن الذي صدر فيه رغم انَّ الغالبيَّة العظمى من مضامينِه عرَضَها القرآنُ على انَّها حقائق ولا شأن لها بالتشريع فكيف تكون نسبيَّة ومختصَّة بزمنِ الصدور؟!

فهل لذلك معنىً غير الذي صرَّحت به الحداثةُ الغربيَّة من أن مثل التوحيد وصفاتِ الله وأسمائه الحسنى والبعثِ والجنَّة والنار لم تكن سوى اعتقاداتٍ صنعها فكرُ الإنسان لاشباع حاجاتٍ روحيَّة ومعضلات معرفيَّة ولمعالجة مشكلاتٍ اجتماعيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة لذلك فهي اعتقادت نسبيَّة وليست حقائق ثابتة ومطلقة، فذلك هو التفسير الوحيد المناسب لتاريخيَّة النصِّ الدينيِّ كما صرَّح بذلك بعض الحداثيين العرب واعتمد البعضُ الآخر اسلوب الإلتواء والمرواغة فقالوا بتاريخيَّة القرآن لكنَّه من عند الله وانَّ المضامين التي عرَضها القرآنُ حقائق ولكنها مختصة بزمن الصدور وليست مناسبةً لعصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة، وهذا الكلام ينبغي أن يخجل منه قائلُه، فمضامينُ القرآن إذا كانت حقائق كما تقولون فالحقائق غير قابلةٍ للتغيير ولا تخضعُ لشروط الزمان والمكان، فالإلهُ إمَّا أن يكون موجوداً أو لا يكون موجوداً، فإذا قُلتم انَّ وجوده حقيقةٌ ثابتة فهي إذن لا تخضعُ لزمن بل هي ثابتةٌ مُطلقاً وكذلك هو الشأن في التوحيد والبعث والرسالات والجنَّة والنار إمَّا أنْ تكون حقائق أو ليست بحقائق، فإذا كانت حقائق فإنَّها تظلُّ كذلك أبداً ولا دخل للزمان والمكان في تقرُّرِها وانتفائها، نعم لو التزمتم بأنَّها أوهامٌ اعتقد بها الإنسانُ فإنَّ للزمان والمكان دخلاً في استحكام هذه الأوهام أو تبديدها، فالإلتزامُ بحقيقة شيءٍ والإلتزام في ذات الوقت بنسبيَّته وتارخيَّتِه لا يتفوَّه به عاقل إلا أنْ يكون مراوغاً، لأنَّ ذلك من الجمع بين النقيضين، إذ انَّ معنى أنَّ التوحيد -مثلاً -حقيقةٌ وأنَّه في ذات الوقت نسبيٌّ وتاريخيٌّ هو انَّ التوحيد حقيقةٌ وليس بحقيقة وهذا هو عينُ الجمع بين النقيضين.

 

وخلاصة القول: لا معنى لوصف المضامين التى عرَضها القرآنُ على انَّها حقائقُ مطلقة لا معنى لوصفِها بالتاريخيَّة إلا مع البناء على انَّ القرآنَ ليس من عند الله إمَّا لأنَّ اللهَ تعالى أساساً ليس بموجودٍ أو انَّه موجودٌ ولكنَّ هذا القرآنَ ليس من عنده وإنَّما هو من اختراع محمَّدٍ (ص) وقد نسَبه إلى اللهِ تعالى كذباً أو خطأً أو انَّ محمداً (ص) قد تلقَّى وحياً من الله تعالى ولكنَّه لم يفهمه أو فهِمه ولكنَّه أخطأ في تبليغه أو انَّه لم يخطأ تماماً في الفهم والتبليغ ولكنَّ فهْمَه كان بمقدار ثقافتِه وسعةِ وعيه فتوهَّم انَّ ذلك هو كلُّ ما أُلقيَ إليه وأنَّ ما تلقَّاه وفهمه هو تمامُ الحقيقة، والواقع انَّ الأمر لم يكن كذلك وانَّ المضامين التي فهمها وبلَّغها لم تكن سوى حقائق بمقاس فهمِه وثقافتِه وأُفق وعيه وبيئته وزمنه كما انَّ التشريعات التي تلقَّاها كانت مختصَّة بزمانِه وبيئته ولكنَّه توهَّم انَّه خاتمُ الأنبياء وانَّ هذه التشريعات ممتدَّةٌ بامتداد الزمن وأنَّ قرآنَه هدىً لكافَّة الناس إلى آخر الدهر، فكلُّ القضية لا تعدو الوهم النابع عن الحاجة وحبِّ الخير لمجتمعِه أو الإفتراء الذي تُبرِّره الدوافعُ السياسيَّة والإقتصاديَّة !!

 

إذن فمسارُ البحث ينبغي أن يتَّجه -كما ذكرنا مراراً- إلى ما هو البرهان على وجود الله، وما هو البرهانُ على أنَّ محمَّداً رسولُ الله (ص) وما هو البرهانُ على انَّ القرآن من عند الله تعالى، وما هو البرهانُ على انَّ محمَّداً (ص) مؤيَّدٌ بالوحي والعصمة، وما هو البرهانُ على انَّه خاتمُ الأنبياء وانَّ شريعته هي خاتمةُ الشرائع، فإذا كنتم تُؤمنون بكلِّ ذلك فما معنى البناء على تاريخيَّة القرآن ونسبيَّة حقائقِه، وقد عرض القرآنُ نفسَه وعرَض الرسولُ (ص) حقائقَ القرآن على انَّها حقائق ثابتةٌ ومطلقة وعرض تشريعاتِه على انَّها باقيةٌ ما بقي الدهر، وإذا كنتم لا تُؤمنون فلماذا لايتمُّ التصريح بذلك كما صرَّح بذلك دعاةُ الحداثة في الغرب، وحينئذٍ يتَّجه مسارُ البحث معكم جهة ما يستدلُّ به المسلمون على أُصول عقائدِهم؟!.

 

بقي الكلام حول ما يُمكن أن يستدلَّ به القائلون بتاريخيَّة الآيات التي نزلت على الأسباب وهما أمران أساسيَّان يمكن تصيُّدهما من كلماتِهم:

الأمر الأول: هو انَّه لو لم تكن أسباب النزول مقتضية لاختصاص الآية بالواقعة التي نزلت بسببها لكان التصدِّي لنقل سبب النزول بلا مبرِّرٍ وبلا فائدة، فلماذا اهتمَّ الرواةُ إذن بنقل أسباب نزول الآيات وتدوينها؟ ثم انَّ الشارع كان بإمكانه عدمُ ربط الآياتِ بأسباب النزول، فربطُه الآيات بالأسباب دليلٌ على اختصاص الآياتِ بالأسباب.

 

والجواب: عن ذلك ينبغي أنْ يكون قد اتَّضح ممَّا تقدَّم بيانُه. إلا انَّه لا مانع من ايضاح مواضع الخلل في هذا الإستدلال:

 

أولاً: هذا الاستدلال مبتنٍ على انحصار مبرِّر نقل السبب بإفادة اختصاص الآية بالواقعة التي اقترن نزولُ الآية بها، ولذلك يسقطُ الإستدلال بمجرَّد الوقوف على فائدةٍ أو فوائد يمكن أنْ تكون منشأً لنقل سبب النزول، وهنا سنشير إلى عددٍ من مبرِّرات وفوائد التصدِّي لنقل أسباب نزول بعض الآيات:

 

الأول: إنَّ التصدِّي لنقل أسباب النزول يُسهم في الوقوف على خلفيَّة نزول الآيات وهو ما يُلقي ضوءً على الواقع الإجتماعي والثقافي الذي كان عليه الناس في عصر النص ويكشف عن شيءٍ من عظمة الإسلام حيثُ استطاع تغيير الواقع السيء والغارق في ظلمات الجهل والضياع والهمجيَّة ويُسهم كذلك في الوقوف على الكيفيَّة التي اعتمدها الإسلامُ والقرآنُ في معالجة الأزمات والمشكلات الإجتماعيَّة والحقوقيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة وغيرها التي كانت تكتنف عصر ما قبل المبعث النبويِّ الشريف.

 

الثاني: لا ريب انَّ آيات القرآن وكذلك هو الشأن في كلام أيِّ متكلم قد لا يكون المقصود منه واضحاً للمتلقِّي من جميع جوانبه فيُستعان على فهمه فهماً كاملاً بعددٍ من الوسائل منها التصدِّي لتفسيره وبيان حدود مدلولِه وهذا ما كان يفعلُه النبيُّ (ص) حيثُ كان من أبرز وظائفه التعليم للكتاب كما قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾(37) ومن الوسائل التي قد تُساهم في الوقوف على فهم الآيات فهماً كاملاً أو ما يقربُ من ذلك هو التعرُّف على أسباب النزول.

 

الثالث: إنَّ الآيات التي نزلت على الأسباب قد لا تتصدَّى لأكثر من بيان التشريع وتحرير موضوعِه فقد لا يُدرك المتلقِّي للآيات المنشأ لتصدِّي القرآن لهذا التشريع خصوصاً إذا أصبح التشريعُ بعد زمن بديهيَّاً وواضحاً فقد يتساءل المتلقِّي لماذا تصدَّى القرآن لبيان ذلك وهو غاية في الوضوح لكنَّه حين يقفُ على سبب النزول يُدرك الوجهَ لتصدِّي القرآن لهذا التشريع ويُمكن التمثيل لذلك بوأد البنات وقتل الأولاد، وتحريم نكاح زوجة الأب وتحريم دخول بيوت الغير دون إذن وغير ذلك من التشريعات التي قد يتوهَّم المتلقِّي عدم الحاجة إلى التصدِّي لتشريعها نظراً لوضوحها لكنَّه حين يقف على أسباب النزول يتبيَّن له منشأ التصدِّي لتشريعها.

 

الرابع: إنَّ التصدِّي لنقل أسباب النزول قد يُساهم في الوقوف على وجه الحكمة من المضامين التي اشتملت عليها الآية فقد لا تتصدَّى الآية لبيان وجه الحكمة من ذلك، فيكون النقل لأسباب النزول مقتضياً للوقوف على وجه الحكمة، ويمكن التمثيل لذلك بقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾(38) فقد ورد انَّ هذه الآية نزلت في بني النضير من اليهود والذين كانوا يستوطنون المدينة المنورة وقد تعاهد معهم النبيِّ (ص) -لما قدم المدينة- على الموادعة، والتزم لهم بمقتضى المعاهدة أكثر من ثلاث سنين لكنَّهم نقضوا المعاهدة فحاصَرَ النبيُّ (ص) حصونَهم ثم صالحهم على الإجلاء من المدينة، فالقارئ للآية مجرَّدةً عن ملاحظة سبب النزول قد لا يُدرك وجه الحكمة من اجلاء يهود بني النضير عن المدينة لكنَّه حين يقفُ على سبب النزول يُدركُ وجه الحكمة من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾.

 

هذه بعض فوائد النقل لأسباب النزول، ومنها يتَّضحُ سقوط دعوى انحصار فائدة النقل لأسباب النزول بارادة ربط مفاد الآية وتخصيصها بالواقعة التي اقترن النزولُ بها.

 

ثانياً: هذا الاستدلال مبتنٍ على دعوى الاهتمام بنقل أسباب النزول، وهذه الدعوى ليست تامَّة فلم يكن ثمة اهتمام معتدٌّ به لنقل أسباب النزول من الرسول (ص) خاصَّة بل ولا من الصحابة.

 

أمَّا ما يُؤكِّد عدم اهتمام الرسولِ (ص) كثيراً بأسباب النزول هو انَّه لم يؤثَر عنه ولا في روايةٍ واحدة الإيصاء بحفظ ونقل أسباب النزول في حين انَّه كان شديد العناية بتبليغ ذات الآية التي نزلت مقترنةً بسبب كما كان كذلك في سائر الآيات، وكان شديدَ العنايةِ بالحثِّ على حفظها وتدوينِها وتلاوتها في الصلاة وفي المحافل، فلو كان مهتمَّاً بسبب النزول لأوصى بضبط السبب ونقلِه لكنَّ شيئاً من ذلك لم يُؤثَر عنه، وممَّا يؤكِّد ذلك أيضاً انَّه (ص) كان يتلو الآية التي نَزَلَت على السبب بعد نزولها في أوقاتٍ متفاوتةٍ ويستشهدُ بها في العديد من المواضع ويتصدَّى لبيانها ولم يُؤثَر عنه في مقام الوعظ بها أو التلاوة لها وفي مقام الاستشهاد بها أو بيان معناها لم يُؤثَر عنه ربطها بسبب نزولها بل لم يُؤثَر عنه التنويه بسبب نزولها، ولو كان يفعل ذلك لانعكس ذلك في الأخبار الواصلة إلينا، فهي خالية عن ذلك إلا من الأخبار المتصدِّية لبيان السبب ساعةَ نزول الآية وهذه الأخبار في معظمها لا تنقِلُ عن النبيِّ (ص) قولاً بأنَّ الآية الكذائية نزلت في كذا بل انَّ الرواة يُلاحظون الإقتران بين نزول الآية والواقعة التي اقترنت بالنزول فينقلون ذلك.

 

وأمَّا ما يُؤكِّد على عدم اهتمام الصحابة بأسباب النزول هو انَّ أخبار أسباب النزول في معظمها لم تصل إلينا ألا آحاداً وأكثرها ضعيفُ السند، فلو كانت مورداً لاهتمامهم لاشتغلوا بتناقلها ولانعكس ذلك على ما وصل إلينا من أخبارهم كما يُؤكِّد ذلك انَّهم كانوا يحفظون الآيات التي نزلت على الأسباب ويعظون بها ويتصدَّون لبيان معناها إلا انَّهم لا يربطونها بأسباب نزولها بل كثيراً ما لا ينوِّهون على أسباب النزول، وذلك ما يؤكِّد على عدم اهتمامهم بأسباب النزول أولاً ويؤكد ثانياً على مركوزيَّة عدم ارتباط الآيات بأسباب النزول.

 

ثالثاً: إنَّ دعوى انَّ الشارع ربط الآيات بأسباب النزول إن كان بمعنى انَّه كان يهتم بضبط أسباب النزول ويربط تفسير الآية بسبب النزول فقد اتَّضح انَّ هذه الدعوى لا شاهدَ عليها بل الشواهد قائمةٌ على خلافها، فلا النبيُّ (ص) قد أوصى بضبط وحفط أسباب النزول ولا هو اشتغل بربط تفسير الآيات بأسباب النزول بل كان يتلو الآيات على المسلمين ويعظُ بها ويقضي بها ويتصدَّى لشرحها دون أنْ يربطها بل ودون أن ينوَّه على أسباب نزولها، فكان يستشهدُ بالآية التي نزلت في مكة وهو في المدينة ويستشهد بالآية التي نزلت في أول الهجرة وهو في أواسط أيامِه أو في أواخرها فلا يُنوّه على أسباب نزولها رغم انَّها كانت قد نزلت على الأسباب، ولم يكن كلُّ الصحابة عارفين بذلك بل لم يكن الكثيرُ منهم عارفاً بذلك كما يُؤكِّد ذلك عدم اشتغالِهم بنقل ذلك وتناقله.

 

وإنْ كان المراد من ربط الآيات بأسباب النزول هو انَّ الله تعالى كان قادراً على انزال الآيات ابتداءً فلماذا أنزلها مقترنةً بسببٍ لولا أنَّه أراد من ذلك ربط مفاد الآية بسبب النزول، إنْ كان هذا هو المراد من الربط فقد اتَّضح جوابه ممَّا تقدَّم، فإنَّ نزول الآيات على الأسباب لا تنحصر فائدتُه بإرادة ربط الآيات وتخصيصها بسبب النزول، فثمة مناشئ ومبرِّرات عديدة يمكن أنْ تكون سبباً في قرن نزول بعض الآيات ببعض الوقائع وليكن من ذلك هو التأكيد على انَّه لا يضع الأحكام من عند نفسه بل ينتظر كلَّما استُفتي في شأنٍ -لم يتصدَّ القرآن قبلُ لبيان حكمه- أو وقعت قضيَّةٌ ينتظرُ حكمَ الله تعالى فإذا جاء حكمُ الله صدَعَ به، فالكثيرُ من الواقائع التي اقترن النزول بها كان يحدث مثلُها لكنَّ الرسول (ص) يظلُّ ساكتاً عنها ولا يُبدي فيها حكماً ثم تنزلُ آيةٌ بعد حدوث واقعةٍ فيتصدَّى النبيُّ (ص) لتبليغها، وهذا السلوك يُؤكِّد للمسلمين انَّه لا يأتي بالأحكام وغيرها من عند نفسه بل ينتظرُ فيها حكمَ الله واذنَه وبيانَه. فورود هذا الإحتمال كافٍ لتبرير نزول الآيات أو بعضها على الأسباب، وبه تسقطُ دعوى انحصار منشأ نزول الآيات على الأسباب بارادة ربط الآيات بأسباب النزول فهو احتمال مقابَلٌ باحتمال بل هو مقابَل باحتمالاتٍ عديدة أشرنا إليها.

 

على انَّه لو كان مُريداً للربط فلماذا جاءت معظم هذه الآيات في قوالب عامَّة كما بيَّنا ذلك، أليس ذلك منافياً للواضح من مقتضيات البيان والبلاغة؟! وهو كذلك موجبٌ لإيقاع الناس في التغرير وتوهُّم انَّها تشملُهم خصوصاً وانَّ الكثير من الصحابة فضلاً عمَّن سيأتي بعدهم لا يعلمُ بأسباب النزول وقد ذكرنا أنَّ النبيَّ (ص) لم يكن يتصدَّى لبيان أسباب النزول وربطها بالآيات ولم يُوصِ بضبطها وكان يبلِّغ هذه الآيات ويشرحها ويقضي بها ويأمر بحفظِها وتدوينها دون أن ينوَّه على أسباب نزولها أو يأمر أصحابه بضبطِها وتبليغها للناس، فلو كانت هذه الآيات مرتبطة بأسباب نزولها ورغم ذلك لم يتصدَّ النبيُّ (ص) للتأكيد على ذلك لكان ناقضا لغرضه كيف والحال انَّه يفعل ما يؤكِّد عدم ارتباطها بأسباب نزولِها وذلك بتطبيقها والأمر بتطبيقها على موارد أوسع من الواقعة الشخصيَّة التي اقترنت بالنزول والإيصاء باعتماد كلِّ الآيات بما فيها الآيات النازلة على الأسباب الإيصاء باعتمادها شريعةً ومنهاجاً للحاضرين زمنَ النصِّ ومطلقِ من بلَغَه القرآن إلى قيام الساعة.

 

على انَّه قد ذكرنا مراراً انَّه لا معنى لتخصيص الآيات المتصدِّية لبيان شأنٍ من شئون العقيدة أو المتصدِّية للإخبار عن المغيَّبات أو المتصدِّية للإخبار عن أحوال الأُمم الماضية لا معنى لتخصيص مثل هذه الآيات بأسباب النزول، وقد ذكرنا أنَّ الكثير إنْ لم يكن أكثر الآيات التي نَزلت على الأسباب كانت من هذا القبيل.

 

الدليل الثاني: الذي تمسَّك به القائلون بلزوم تخصيص الآيات بأسباب النزول هو انَّه لو لم نلتزم بتخصيص مفاد الآيات بأسباب النزول لأدَّى ذلك إلى الغاء حكمة التدرُّج في التشريع كما في الآيات التي نزلتْ في الخمر، فإنَّ البناء على العمل بعموم الآيات دون النظر إلى أسباب النزول يُفضي إلى العمل بكلِّ الآيات التي نزلت في الخمر وهي متباينةٌ في الدلالة، وكذلك هو الشأنُ في الآيات الناسخة والآيات المنسوخة فإنَّ عدم تخصيص الآية بسبب النزول يُؤدِّي إلى البناء على لزوم العمل بعموم الآية الناسخة والمنسوخة وهذا ما لايريدُه القرآنُ والتشريع الإسلاميُّ حتماً، وكذلك فإنَّ العديد من الآيات لو بنينا على الأخذ بعمومها لأفضى ذلك إلى البناء على ما لا يقبله أحدٌ من المسلمين كقوله تعالى في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(39) فهل يلتزم أحدٌ انَّ النبيَّ (ص) كان يُحرِّم ما أحلَّه الله؟! إنَّ عدم تخصيص الآية بسبب النزول يُفضي إلى الإلتزام بذلك.

 

والجواب:

أولاً: إنَّ البناءَ على العمل بعموم الآيات النازلة على الأسباب وعدم قصرها على سبب النزول لا يعني قطع النظر عن ملاحظة القرائن الداخليَّة والخارجيَّة للنصِّ فإنْ اقتضت التخصيص أو الاختصاص بمورد النزول تعيَّن حملُها على ذلك ولم يصح التجاوز بها إلى ما هو أوسع ممَّا تقتضيه القرائن، فلم يقل أحدٌ انَّه تُلاحَظ كلُّ آيةٍ على حدة ويُؤخذُ بما يقتضيه ظهورها الأولي ويُقطَعُ النظر عن جميع الآيات والقرائن المكتنِفة للآية وعن الشرح المأثور للآية عن النبيِّ الكريم (ص) وهذا واضحٌ وبيِّن، فلا يليقُ بالباحث الحريص على الموضوعيَّة والانصاف التلبيس والإيهام بأنَّ اختلالاً قد يقعُ لو التزمنا بالأخذ بعموم الآيات ولم نقصرها على أسباب النزول فإنَّ شيئاً من ذلك لن يقع، وذلك لأنَّ المراد من العمل بعموم الآية وعدم قصرها على أسباب النزول لا يُقصد منه قطع النظر عن القرائن المُكتنِفة بالآية ولا عن الآيات الأُخرى المتَّحدة معها في الموضوع ولا يُقصد منه قطع النظر عن الشرح المأثور عن الرسول (ص) للآية وحينئذٍ لن يقعَ هذا الإختلال في فهم الآيات كما ادَّعى هؤلاء.

 

ثم إنَّ العارف بآياتِ الأحكام لا يشقُّ عليه التمييز بين الآيات الناسخة والمنسوخة -لو ثبت انَّها موجودة- فإنَّ الوقوف على ذلك يتمُّ من ملاحظة موضوع الآيتين فإنْ كان متَّحداً وكان الحكم فيهما متبايناً وكانت إحداهما ناظرةً للأخرى، فالآية الناظرةُ المتأخِّرةُ في النزول هي الناسخة والمتقدِّمةُ هي المنسوخة، وذلك يُعرف -مضافاً لِما تقدَّم- من ملاحظة الأخبار المقطوعةِ الصدور وما عليه عملُ الرسول (ص) في آخر عمره الشريف وما استقرَّ عليه عملُ المسلمين تبعاً له، على انَّه لا بدَّ من التنويه على انَّ الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن -لو وُجدت- لا تتجاوز عدد أصابع الكفِّ الواحدة إنْ بلغته وهي معروفة ومحرَّرة لدى المسلمين وما وقع فيه الخلاف ليس له اعتبار، فلا يليقُ بالباحث الموضوعيِّ التهويل في هذا الشأن.

 

ثانياً: إنَّ البناء على عدم قصر الآيات على أسباب نزولها لا يعني عدم وجود آياتٍ مختصَّةٍ بالواقعة التي اقترنت بسبب النزول أو بالأشخاص التي نزلت فيهم تلك الآيات، فإنَّ بعضَ الآيات لا يُمكن تعديتُها عن موردِ نزولها، فهي أساساً قد صِيغت على نهج القضيَّة الخارجيَّة الشخصيَّة كسورة المَسد النازلةِ في أبي لهب وزوجتِه وكآية التطهير النازلةِ في أهل البيت (ع) وكقوله تعالى مُخاطباً زوجتي النبيِّ (ص) ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾(40) فإنَّ مثل هذه الآيات لم يدَّعِ أحدٌ تعديتها لما هو أوسع من مورد نزولها، فهي أساساً غيرُ قابلةٍ للتعدية لأنَّها صِيغت على نهج القضيَّة الخارجيَّة، وكذلك هو الشأن في الآيات التي دلَّت القرينة القطعيَّة من خارج النصِّ أو داخله على اختصاصها بموردِ نزولها.

 

ثالثاً: إنَّ آيات الخمر ليست متنافية في نفسها فلا تناسخ بينها، وحتى لولم نقف على أسباب نزولِها فإنَّ ذلك لن يُفضي إلى التشويش في فهم الآيات كما ادَّعى هؤلاء، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾(41) ليست أساساً بصدد بيان الحكم التكليفيِّ لشرب الخمر فهي غيرُ متصدِّية لبيان انَّه حلال أو حرام وإنَّما هي متصدِّية لبيان انَّ الصلاة لا تصحُّ من السكران كما لا تصحُّ من الجُنب، ولذلك أردف القرآن هذه الآية بقوله: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ فإذا كانت هذه الآية غير مقتضيةٍ للحرمة أو الحليَّة لعدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة، فهي إذن لا تُنافي الآيات المقتضية لحرمة الخمر فإنَّ ما ليس له اقتضاء لا يُعارِض ما فيه اقتضاء، وبتعبيرٍ آخر موضوع هذه الآية هو الصلاة في حالة السُكر هل هي صحيحة أو ليست صحيحة بقطع النظر عن انَّ شربَ المُسكر حرامٌ أو ليس بحرام.

 

 وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾(42) فهو إن لم يكن ظاهراً في التحريم فهو لا أقلَّ غير ظاهرٍ في الإباحة جزماً لذلك فهو غيرُ منافٍ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(43) ولذلك فالصحيح انَّ هذه الآية ليست ناسخة للآية الأولى إذ لا تنافيَ بينهما بل هي موافقةٌ للأولى ومؤكِّدة لها، فالآية الأولى وصفت الخمر بالإثم الكبير ولكنَّها لم تأمر مباشرةً باجتنابه وجاءت الآيةُ الثانية فأمرت مباشرةً باجتنابه ووصفته بالرجس وانَّه من عمل الشيطان فقطعت كلَّ ذريعةٍ لأحد، وإنَّما تدرَّجت -ظاهراً- الآيتان في الوضوح رعايةً لما عليه ظاهرة شرب الخمر من استحكام، وعلى أيِّ تقدير فإنَّ المكلَّف لو اطَّلع على الآيتين دون أنْ يقف على سبب نزولِهما فإنَّه لن يسعَه إلا البناء على انَّ القرآن حكم بحرمة الخمر، ولو اطَّلع على سبب النزول فإنَّ هذا الفهم لن يتغيَّر، وأما الملاحظة للآية الأولى والاستناد إليها والتذرُّع بها بعد أن نزلت الثانية فذلك لايصحُّ اتفاقاً فإنَّ كلام المتكلِّم لا يستقرُّ له ظهور ولا يتعيَّن مرادُ المتكلِّم منه إلا بعد ملاحظته كاملاً وحينئذٍ لن يقع تشويشٌ واضطراب في الفهم.

 

رابعاً: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(44) ليس فيه ظهور بل ولا إشعار بأنَّ النبيَّ (ص) يُحرِّم ما أحلَّه اللهُ تعالى كما زعم هؤلاء، فإنَّ مفاد الآية واضحٌ حتى مع قطع النظر عمَّا ورد في سبب النزول، فهي تُخاطِبُ النبيَّ (ص) بأنَّه لِمَ يُحرِّمُ على نفسه ما أحلَّه اللهُ له، فهي تتحدَّث عن التزامٍ شخصيٍّ للنبيِّ (ص) بالامتناع عن فعل أو تناول شيءٍ مباحٍ كما هو واضحٌ من قوله: ﴿تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم إنَّ الآية التي بعدها تُضيف إلى هذا الوضوح وضوحاً وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فإنَّ هذه الآية تكشفُ عن انَّ النبيَّ (ص) كان قد حلفَ بأنْ لا يفعل شيئاً مباحاً فأفادت الآية انَّه يُمكن التحلُّل والخروج عن عُهدة هذا الحلف والأيمان بالكفارة، فأين ذلك من دعوى انَّه لولم نُخصِّص الآيات بأسباب النزول لأدَّى ذلك إلى ظهور الآية من سورة التحريم في انَّ النبيَّ (ص) كان يُحرِّم ما أحلَّه اللهُ تعالى والحال انَّ الآية صريحةٌ في نفسها انَّ النبيَّ إنَّما حرَّم على نفسِه تماماً كما يفعل الزاهد حين يلتزمُ بينَه وبين نفسِه بترك بعض المباحات؟!

 

ثم إنَّ هذا الدليل لو تمَّ -وهو غير تامٍّ- فإنَّه مختصٌّ بآياتِ الأحكام وأما الآياتُ المتصدِّية لتقرير شأنٍ عقائدي او الإخبار عن أمرٍ غيبي أو عن أحوال الأمم السالفة فإنَّه -كما ذكرنا مراراً- لا يُتعقَّل في حقِّها الاختصاص بالواقعة المُقترنة بالنزول أو الاختصاص بعصر النصِّ.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

 

 

 

 

 

1- سورة النساء آية رقم 22.

2- سورة البقرة آية رقم 275.

3- سورة المائدة آية رقم 90.

4- صحيح مسلم - مسلم النيسابوري - ج 7 ص 126، مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي - ج 2 ص 118،أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 138.

5- سورة المائدة آية رقم 38.

6- سورة المجادلة آية رقم 1.

7- سورة النور أية رقم 6-10.

8- سورة النساء آية رقم 2.

9- تفسير الثعلبي - الثعلبي - ج 3 ص 242، أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 94.

10- سورة النساء آية رقم 92.

11- سورة الصف آية رقم 1-4.

12- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 285، تفسير ابن كثير - ابن كثير - ج 4 ص 381، تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج 28 ص 83، تفسير القرطبي- القرطبي - ج 18 ص 77.

13- سورة الأعراف آية رقم 175.

14- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 152، تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 1 ص 248.

15- سورة التوبة آية رقم 34.

16- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 165، تفسير القرطبي - القرطبي - ج 8 ص 124، جامع البيان عن تأويل آي القرآن - محمد بن جرير الطبري - ج 10 ص 157-158.

17- سورة البقرة آية رقم 75.

18- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 16، أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 16، تفسير البغوي - البغوي - ج 1 ص 87، تفسير القرطبي - القرطبي - ج 2 ص 1.

19- سورة البقرة آية رقم 114.

20- زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي - ج 1 ص 116، ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن - محمد بن جرير الطبري - ج 1 ص 696، تفسير ابن أبي حاتم - ابن أبي حاتم الرازي - ج 1 ص 210، أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 22-23.

21- سورة المائدة آية رقم 38.

22- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 130،120-121.

23- سورة النساء آية رقم 92.

24- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 113، تفسير الثعلبي - الثعلبي - ج 3 ص 359، تفسير البغوي - البغوي - ج 1 ص 462، زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي - ج 2 ص 170،  تفسير القرطبي - القرطبي - ج 5 ص 313.

25- سورة البقرة آية رقم 229.

26- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 50، زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي - ج 1 ص 234.

27- سورة النساء آية رقم 10.

28- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 96، تفسير الثعلبي - الثعلبي - ج 3 ص 263، تفسير القرطبي - القرطبي - ج 5 ص 53، تفسير البغوي - البغوي - ج 1 ص 398.

29- سورة النساء آية رقم 6.

30- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 95، تفسير القرطبي - القرطبي - ج 5 ص 34، تفسير البغوي - البغوي - ج 1 ص 394.

31- سورة النور آية رقم 27.

32- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 219، تفسير القرطبي - القرطبي - ج 12 ص 213، تفسير الثعلبي - الثعلبي - ج 7 ص 84.

33- سورة العنكبوت آية رقم 8.

34- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 229-230، تفسير الثعلبي - الثعلبي - ج 7 ص 271.

35- سورة النساء آية رقم 176.

36- أسباب نزول الآيات - الواحدي النيسابوري - ص 125، الدر المنثور في التفسير بالمأثور - جلال الدين السيوطي - ج 2 ص 250، فتح الباري - ابن حجر - ج 8 ص 201.

37- سورة الجمعة آية رقم 2.

38- سورة الحشر آية رقم 2.

39- سورة التحريم آية رقم 1.

40- سورة التحريم آية رقم 4.

41- سورة النساء آي رقم 43.

42- سورة البقرة آية رقم 219.

43- سورة المائدة آية رقم 90.

44- سورة التحريم آية رقم 1.


صلاة الـفـجــــــر  05:13
الـشــــــــــــروق  06:26
صلاة الظهـريــن  11:48
الـــــــــــــغـــروب  05:10
صلاة العشائين  05:25
19|01|2018
Copyright © 2011 Al-Hoda Center For Islamic Researches