صفحة البدايـــــــــة الحــــــــــــــــــــوزة إصـدارات الحــوزة المقــــــــــــــــــالات محـاضرات مفرَّغـة خـــطب الجـــــمعـة مســـــــــائل وردود المكتبة المقــروءة المكتبة المسموعة الرسـائــل العملـيــة تراجم الأعـــــــــلام تعليم الصـــــــــــلاة المناســـــــــــــــبات التقويم الإســـلامي مواقع إسلاميـــــــة
عداد الزوار
8677400

إصداراتنا المعروضة للبيع




» اختيار الحسين جدلاً للحرب لا ينفي مظلوميته
 • الكاتب: سماحة الشيخ محمد صنقور     • عدد القراءات: 4002    • نشر في: 2013/10/30م
Share |
 

اختيار الحسين جدلاً للحرب لا ينفي مظلوميته

 

المسألة:

ما رأيكم في هذا القول وفيمَن يقوله: إنّ الإمام الحسين (ع) لم يُقتَل مظلوماً لأنَّه قُتل في حربٍ هو اختارها، وأنَّه لا يوجد ثأرٌ شرعيّ للإمام الحسين (ع) لأنَّ قتلى الحروب لا ثأر شرعيَّاً لهم في الإسلام، وبالتالي فإنّ كلَّ الزيارات التي تتحدَّث عن الثأر هي موضوعة لأنَّه لا يوجد ثأر.

 

الجواب:

إنَّ مثل هذه الشبهة إنَّما يُثيرها النواصب الذين يُضمرون العداء لأهل البيت (ع) فتجدهم يعملون جاهدين على التعمية على جرائم أسلافهم ويتوسَّلون بكلِّ وسيلة لتبرير ما أوقعه أسلافُهم من عظائمَ في حق أهل البيت (ع) ولكنَّهم يتدثَّرون في ذات الوقت بما يتوهمون انَّه يُظهرهم في صورة المحايدين الحريصين على معالجة القضايا علاجاً موضوعيَّاً، وقد غفلوا عن أنَّ الحقَّ لا يسعُ من أحدٍ الوقوف إزاءه موقفَ الحياد.

 

الحربُ على الحسين(ع) حربٌ على رسول الله (ص):

فلو عبَّأَ الحسين (ع) جيشاً جرَّاراً لمحاربة جيشٍ آخر يُكافئه في العدد والعُدَّة أو هو دونه بمراتب لكان الحسين (ع) مع الحقِّ وكان المُحارِب له -قويَّاً أو ضعيفاً- باغياً عليه ظالماً له، فليس لمسلمٍ يُؤمنُ بالله تعالى أنْ يشهرَ سيفه في وجه الحسين (ع) إلا وهو ظالمٌ له مجافٍ للحقِّ عيناً كما هو شهرُ السلاح في وجه رسول الله (ص).

 

وقد قال رسول الله (ص) مخاطباً عليَّاً وفاطمة والحسنَ والحسين (عليهم السلام): "أنا حربٌ لمَن حاربكم وسلمٌ لمَن سالمكم"

 

وفي نصٍّ آخر عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص) لعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام): "أنا حربٌ لمَن حاربتم وسِلمٌ لمَن سالمتم"

 

روى الحديث الأول أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن أبي هريرة(1) ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، وقال: هذا حديث حسن وقال: له شاهد عن زيد بن أرقم وذكر النص الثاني وسنده إليه(2)، ووصفه الألباني في صحيح الجامع الصحيح بالحسن(3) ورواه ابن حبان في صحيحه(4).

 

فإذا كان المحارِبُ للحسين (ع) محارباً لرسول الله (ص) فهو منطبَقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(5).

 

اختيار الحسين للحرب هل يُسوِّغ العظائم التي مُورست في حقِّه؟!

وبقطع النظر عن ذلك لو سلَّمنا جدلاً بأنَّ دخول الحسين (ع) حرباً هو اختارها ينفي عن قتله صفة الظلم والعدوان فهل يُبرِّر اختيارُه للحرب قتلَ أطفالِه كعبد الله الرضيع وعبد الله بن الحسن اللذَين قُتلا عمداً على صدره؟! وهل يُسوِّغ اختياره للحرب إحراقَ خبائه وخيام أطفاله ونسائه وترويعَهم ثم حملهم قسراً أُسارى يُطاف بهم في حواضر الإسلام رغم الإقرار بأنَّهم مسلمون فضلاً عن كونهم من ذرية الرسول (ص) وحريمه؟!!

 

وهل اختيارُ الحسين للحرب يُسوِّغ لمُحارِبه التمثيلَ بجسده الشريف بعد قتله وتكسيرَ أضلاعه وتهشيمَ عظام صدره وظهره بحوافر الخيول؟! فالحسين (ع) ليس مظلوماً وإن فُعل به كلُّ ذلك لمجرَّد انَّه خاض حرباً قد اختارها؟!! وهو ليس مظلوماً رغم أنَّ قاتليه قد أجهزوا عليه وهو جريح!! ثم احتزُّوا رأسه الشريف ورفعوه على قناةٍ عالية وطافوا به في حواضر الإسلام في أحيائها وأسواقها، وقد صلبوا رأسه في الكوفةِ ثلاثاً وفي الشامِ ثلاثاً، وعبثَ شامتاً بأسنانه كلٌّ من يزيد بن معاوية وعبيدُ الله بن زياد وقرَّعه كلٌّ منهما بالقضيب في ملأٍ من الناس ورغم ذلك فهو ليس مظلوماً لأنَّه خاض حرباً كان قد اختارها!!!

 

وهو ليس مظلوماً رغم انَّهم سلبوه بعد قتله ثيابَه وصادروا أموالَه ومتاعَه!! وهو ليس مظلوماً رغم انَّهم حاصروه وعائلته في قلب الصحراء أكثرَ من ستةِ أيام ومنَعوه وأطفاله ونساءه من ورود الماء ثلاثة أيام، وقد كان يستسقي لأطفاله فما رقَّ لهم قلب بل ولا رفَّ لأحدهم جفن وظلَّ كذلك ممنوعاً من ورود الماء حتى قُتل ظامئاً محتسباً.

 

نفي المظلوميَّة عن قتلى الحروب منافٍ للقرآن:

ثم إنَّ دعوى انَّ مَن يُقتل في حربٍ هو اختارها ليس مظلوماً منافٍ لأصلٍ قرآنيٍّ بيِّن، وقد تمَّ تأصيله في آياتٍ كثيرة:

 

منها: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾(6) فرغم افتراض انتصار الذين آمنوا إلا انَّ القرآن لم ينفِ عنهم صفة المظلوميَّة بل أثبتها لهم بقوله: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ورغم افتراض هزيمة أعدائهم إلا انَّ القرآن وصفهم بالظالمين وتوعَّدهم بالمنقلب السيء في قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ومن الواضح انَّ انتصار الذين آمنوا على أعدائهم إنَّما هو بالخوض معهم في حرب أو انَّ تلك هي الوسيلة الغالبة والمتعارفة وهو ما يُعبِّر عن أنَّ مناط الوصف بالمظلومية في القرآن الكريم هو نشوء الحرب عن مبرِّرٍ هو الانتصار للحق والإيمان وانَّ مناط التوصيف للمحارِب بالظالم في القرآن الكريم هو المواجهة للحق والإيمان.

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ / وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ / وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ / إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(7)

 

فهذه الآيات تمتدح المؤمنين بعددٍ من الخصال الحميدة، فالذي سبق هذه الآيات هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ / وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(8) ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ومعنى ذلك انَّ المؤمنين الجديرين بالثناء هم الذين ينتصرون لأنفسهم ومجتمعهم حين البغي ووقوع الظلم عليهم، ومعنى قوله تعالى: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ هو انَّهم لا يسكتون على الضيم ولا يرضخون للظالمين بل يبذلون وسعَهم في سبيل الخلاص من بغي الظالمين ولو بأن يخوضوا معهم حرباً -كما هو الغالب- تُزهق فيها الأرواح وتُسفك فيها الدماء. فلو وقعت الدائرةُ على الظالمين وتمكَّن المؤمنون من التنكيل بهم فذلك جزاء بغيهم وعدوانهم كما هو مفاد قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثم برَّر القرآن الكريم الحربَ على الظالمين بقوله: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ / إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(9) فليس ثمة من مؤاخذةٍ أو حتى مساءلة على المؤمنين في اختيارهم الحرب على الظالمين وقتلهم إياهم وذلك لأنَّهم إنَّما خاضوا حرباً ليدفعوا بها الظلم عن مجتمعهم، فالسبيل والمؤاخذة إنَّما هي على أعدائهم نظراً لظلمهم للناس وبغيهم في الأرض.

 

فالقرآن في هذه الآيات وصف المؤمنين الذين يخوضون حرباً لرفع الظلم عن أنفسهم وصفهم بالمظلومين، ووصف المناوئين لهم حتى في ظرف هزيمتهم ووقوع القتل عليهم بالظالمين. ثم صرَّح انَّ مناط هذا التوصيف هو انَّ المناوئين كانوا يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق فمن يدفع ظلمهم ويذود عن الحق فهو المظلوم خصوصاً إذا قتل في سبيل ذلك.

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾(10) وفي هذه الآية المباركة يأمر الله تعالى عباده المؤمنين باختيار طريق الحرب والجهاد من أجل إعلاء كلمة الدين وقطع السبيل على الظالمين حتى لا يفتنوا الناس عن دينهم، وقد وصفت الآية أعداء الدين الساعين إلى فتْنِ الناس وصرفِهم عن دينهم بالظالمين واعتبرت انَّ الاعتداء والحرب على الظالمين ممَّا لا غضاضة فيه ما لم ينتهوا عما هم عليه من فتن الناس عن دينهم، فهؤلاء ظالمون رغم انَّ الحرب عليهم كان بمحض اختيار المؤمنين وهو ما يُعبِّر عن انَّ مناط التوصيف بالظلم هو المناوءة للدين، فإذا كان هؤلاء ظالمون فالطرف المقابل لهم مظلومون، لأنَّ وصف الظالم من الصفات الإضافية فلا يُقال لأحدٍ ظالم إلا وله مظلوم، وعليه فالقرآن أثبت وصف المظلومين لمَن يخوضون حرباً محقَّة في مقابل الظالمين.

 

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ / إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(11) وفي هذه الآية استنهاضٌ لعزائم المؤمنين وحثُّهم على اختيار مواصلة الحرب على الظالمين وعدم تمكين الضعف من التسلُّل إلى نفوسهم، فما أصابهم من قرحٍ وجراحات قد أصاب أعداءهم مثلها، لذلك لا ينبغي أن يتسلَّل الوهنُ إلى قلوبهم، فإنَّ الحرب سِجال فيومٌ يكون فيه الظفرُ لأعداء الدين ويومٌ يكون فيه الظفرُ للمؤمنين، وعلى كلا التقديرين فإنَّ الظالمين هم المناؤون للمؤمنين والله لا يُحبهم منتصرين كانوا أو منهزمين، وأما المؤمنون فالقتيل منهم شهيد كما هو مفاد قوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾ فهو شهيد بحسب توصيف الآية رغم إنَّ قتله قد وقع في حربٍ هو اختارها كما هو مفروض الآيات،  واعتباره شهيداً يُساوق اعتباه مظلوماً لأنَّ الشهيد في المفهوم الديني هو مَن يجأر بالشهادة على ظلامته عند ربِّه يوم القيامة.

 

وثمة آياتٌ أخرى عديدة لم نذكرها خشية الإطالة وكلُّها يؤصِّل لمفهومٍ قرآني مفاده انَّ كلَّ مَن خاض حرباً مشروعة لإعلاء كلمة الله تعالى ولإحقاق الحق أو لدفع الظلم عن الناس فمُحارِبُه ظالمٌ وهو مظلوم خصوصاً إذا قُتل في سبيل ذلك.

 

كلُّ مَن قُتل بغير وجه حق فهو مظلوم:

على انَّ من بديهيَّات الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبِه ومشاربه هو اعتبار أنَّ كلَّ مَن يُقتل في حربٍ مشروعة فهو مظلومٌ وشهيد، وكذلك فإنَّ من بديَّهيات الفقه الإسلامي انَّ كلَّ من قُتل من المؤمنين بغير وجه حق -كقصاصٍ أو جناية- فهو مظلوم، واختيار الحسين (ع) للحرب لا يُصيِّره مهدور الدم، ولهذا يكون قتله بغير وجه حقٍّ، ويكون دمُه قد سُفك ظلماً وعدواناً، ولذلك كان من خطاب الحسين (ع) لهم يوم عاشوراء انَّه قال: "ويحكم أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه، أو مالٍ لكم استهلكتُه، أو بقصاص جراحة؟!"(12) فهو يُذكِّرهم بأنَّه ليس ثمة من وجه حقٍ يُسوِّغ لهم شرعاً سفك دمه، فهم حين عدَوْا عليه فقتلوه يكونون قد قتلوا رجلاً محقونَ الدم وسفكوا دماً حراماً، وذلك من الظلم البيِّن الذي لا يرتابُ فيه إلا مكابرٌ قد انطوى قلبه على النفاق.

 

فبعد الإذعان بأنَّ الحسين (ع) محقونُ الدم فالضرورة الفقهيَّة عند عموم المسلمين قاضية بأنَّ سفك دمه يكون عدواناً وظلماً، فلا يُمكن الإذعان بكون الحسين (ع) محقونَ الدم ثم النفي لمظلوميَّته والحال انَّ دمَه المحقونَ شرعاً قد تمَّ سفكه.

 

نفيُ المظلوميَّة عن الحسين تعني انَّه مهدورُ الدم!!!

فدعوى نفيِ المظلوميَّة عن الحسين (ع) ليس لها تفسير سوى الإعتقاد بأنَّ الحسين (ع) مهدور الدم، وهذا ما يرومه مدَّعي نفي المظلوميَّة ولكنَّه لم يجرأ على التصريح بذلك خشية اتَّهامه من قبل عموم المسلمين بالنفاق والنُصب، فكيف لمسلمٍ يُؤمنُ بالله ورسوله (ص) أنْ يدَّعي ذلك على رجلٍ أجمع المسلمون قاطبة استناداً لرسول الله (ص) انَّه وأخوه الحسن (ع) سيدا شباب أهل الجنة، وانَّه واحدٌ ضمن خمسةٍ نزلت فيهم آية التطهير فنزَّهتهم عن الرجس وأفادت انَّ الله جلَّ وعلا قد طهَّرهم تطهيرا فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(13) فهل يتجاسر من مسلمٍ بعد هذا وبعد الكثير من النصوص النبويَّة أن يدَّعي أنَّ الحسين (ع) مهدور الدم، فإذا لم يسغ لمسلمٍ أنْ يحمل في قلبه مقدار ذرةٍ من حقدٍ على الحسين (ع) بعد أنْ كانت مودتُه فريضةً إلهيَّة على عموم المسلمين كما هو صريح قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(14) فكيف يسوغ لمسلمٍ أنْ يسفك دم الحسين (ع) أو يُصحِّح سفك دمه بادعائه انَّ دمَه مهدور،  فإذا كان مجرَّد الحقد على الحسين (ع) جريرة (15) أفلا يكون سفك دمه أو تشريعه موبقة؟!!

 

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه انَّه بعد الإيمان بأنَّ الحسين (ع) محقون الدم فلا محيص عن الإذعان بأنَّ دمَه قد سُفك ظلماً وعدواناً، فهو مظلوم لذلك، وإذا قيل إنَّ الحسين (ع) ليس مظلوماً فذلك يُساوق انَّه مهدور الدم، وانَّى لمسلمٍ أنْ يجرأ على ذلك؟!!

 

الحسين(ع) إنَّما خاض حرباً مفروضة:

ثم إنَّ دعوى انَّ الحسين (ع) خاض حرباً هو اختارها -رغم انَّه لا يُبرِّر شرعاً سفك دمه ولا يُصيِّره مهدور الدم بعد انْ كانت حربه مشروعة- هذه الدعوى ليست تامة، فالحسين (ع) لم يُقتل في الحرب التي اختارها بل قُتل في معركةٍ كانت مفروضةً عليه، فالاعتبار العقلائي فضلاً عن النصوص والشواهد التاريخية تُؤكِّد ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، فليس من المعقول انْ يخوض الحسين (ع) حرباً اختياريَّة بسبعين رجلاً مقابل آلافٍ مؤلَّفة ذاتِ عدَّةٍ وعتاد.

 

نعم لو تهيأ للحسين (ع) أنْ يُعبِّأ جيشاً ذا عدَّةٍ وعدد لاختار الحرب ولكنَّه لم يتهيأ له ذلك، ولهذا انصرف عن هذا الخيار وأراد إرجاءه، فهو وإنْ عَمِل على إعداد جيشٍ يكون مؤهلاً لمقارعة المعسكر الأموي وحثَّ المسلمين على ذلك واستنهضهم لمقارعة النظام الأموي لكنَّ الظروف حالت دون ذلك، فعرضَ على المعسكر الأموي حينذاك خيار العودة إما إلى مدينة جدِّه الرسول (ص) أو إلى أيِّ بقعةٍ أخرى لكنَّهم أبوا عليه ذلك، وحاصروه أشدَّ الحصار وخيَّروه بين البيعة ليزيد أو القتل، ولأنَّ البيعة ليزيد تُعدُّ من الموبقات التي يتنزَّه الحسين (ع) عن الوقوع فيما دونها وإن كلَّفه ذلك دمه، لذلك تمنَّع بكلِّ حزم عن القبول بخيار البيعة ليزيد فضيَّقوا عليه الحصار ومنعوه حتى من ورود الماء فلم يرضخ رغم قسوة الحصار وشدةِ وقعه -خصوصاً وانَّ الحسين (ع) كان قد صحب معه نساءه وبناته وأطفاله- لكنَّه لم يرضخ لضغطهم المتناهي في الشدة ولم يكن منه سوى الوعظ لهم وتذكيرهم بمقامه الديني عند الله تعالى وعند رسوله (ص) وتحذيره لهم من سفك دمه ومن الآفات التي سوف تنشأ عن قتله(16)، لكنَّهم زحفوا عليه عصر يوم التاسع من المحرَّم فاستمهلهم سواد ليلة، وحين أشرقت شمس يوم العاشر أخذ الحسين (ع) مجدداً في وعظ المعسكر الأموي ليصرفهم عن خيار قتله وسفك دمه، ودأبَ عددٌ من أصحاب الحسين (ع) في التأكيد على عدم ارتكاب هذه الجريرة العظمى لكنَّ المعسكر الأموي قد طُبع على قلبه فأبى على الحسين(ع) إلا الرضوخ لحكم يزيد وعبيد الله بن زياد، فحين لم يقبلِ الحسينُ (ع) بذلك وأظهر أشدَّ المنع عن القبول لهذا الخيار حينها زحفوا عليه و"تقدَّم عمر بن سعد -قائد المعسكر الأموي- حتى وقف قبالة الحسين على فرسٍ له، فاستخرج سهماً فوضعه في كبد القوس ثم قال: أيُّها الناس! اشهدوا لي عند الأمير عبيد الله بن زياد أنِّي أول مَن رمى بسهمٍ إلى عسكر الحسين بن علي! قال: فوقع السهم بين يدي الحسين، فتنحَّى عنه راجعاً إلى ورائه وأقبلت السهام كأنَّها المطر، فقال الحسين لأصحابه: أيُّها الناس! هذه رسل القوم إليكم، فقوموا إلى الموت الذي لا بدَّ منه"(17).

 

فالمعركة كانت قد فُرضت على الحسين (ع) ولم تكن خياراً له، إذ لم يكن بوسعه بعد زحفهم عليه وبعد طول الوعظ والتأكيد على خيار العودة أن يمدَّ إليهم عنقَه طواعيةً ليقطعوه، ولم يكن بوسعه شرعاً البيعة ليزيد، فكلٌّ من الاستسلام والبيعةِ ليزيدٍ الفاجر تحولُ دونهما قيمُ الحسين (ع) ومبادؤه وشريعةُ جدِّه المصطفى (ص) فما كان منه سوى القبول بخيار الاستشهاد اللائق بعزَّته وكرامته والمُنتِج ولو بعد حين للأهداف السامية التي كان قد سعى لتحقيقها منذُ اليوم الأول الذي أعلن فيه الرفضَ القاطع لبيعة يزيد في مدينة جدِّه الرسول (ص).

 

الحسين (ع) اختار الموت على البيعة ليزيد:

وهذا الذي ذكرناه تؤكِّده كلُّ النصوص التاريخيَّة التي تصدَّت لبيان تفاصيل مقتل الحسين (ع) فليس فيما ذكره الرواة والمؤرخون من الفريقين إلا ما يقتضي القطع بأنَّ الحسين(ع) قد خاض يوم عاشوراء معركةً دفاعيَّة، بعد أنْ لم يكن بوسعه شرعاً البيعة ليزيد أو الاستسلام، ولهذا فمن الجناية على التأريخ والتزويرِ للحقائق الادَّعاء بأنَّ الحسين (ع) قد قُتل في حربٍ هو اختارها والحال أنَّ النظام الأموي قد ألجئه إلى زاويةٍ لم يكن بوسعه شرعاً إلا اختيار القتل، وهذا هو مفاد خطابه الشهير يوم عاشوراء: "..ألا وإنَّ الدَّعي بن الدَّعي قد ركز بين اثنتين بين السلَّة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى اللهُ لنا ذلك، ورسولُه والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميَّة، ونفوسٌ أبية من أن نُؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام.."(18) وقد قال قبل ذلك لأصحابه بعد أن تواترت عليه السهام كرشِّ المطر "هذه رسل القوم إليكم، فقوموا إلى الموت الذي لا بدَّ منه"(19) فلم يكن للحسين (ع) سوى خيار الموت.

 

ظلامة الحسين (ع) لا ترقى لها ظلامة:

وعليه فظلامةُ الحسين (ع) مضاعفة، فعلاوةً على انَّه نهض لإحقاق الحقِّ والعدل والانتصار لدين الله تعالى والذود عن مظالم العباد فقد خذله أكثر أبناء الأمة وتلكئوا بل وأحجموا عن مؤازرته على الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فألجئه خذلانُهم إلى أنْ يختار الإرجاء لخيار المواجهة فاستثمر النظام الأموي إحجامَ الأمة عن المؤازرة للحسين (ع) والإنتصار لقضيته العادلة والملحَّة فحاصر الحسين (ع) واسرته وعدداً يسيراً من أصحابه ففاوضه على الإستسلام والبيعة أو الموت الحتمي فحين أبى عليه دينُه ومرؤته البيعةَ ليزيد قتلوه شرَّ قتله على غير قدرةٍ منه لدفع الموت عن نفسه، ونكَّلوا به وبأسرته ومثَّلوا بجسده الشريف واحتزَّوا رأسه ورفعوه عالياً فطافوا به في حواضر الإسلام، فأيُّ ظلامةٍ ترقى لهذه الظلامة؟!!

 

دمُ الحسين مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾:

وحيث كان الحسين (ع) مظلوماً فقضيتُه مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾(20) ومَن قال إنَّ قتلى الحروب من المؤمنين يذهب دمُهم هدْراً؟! وقد قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(21) والواضح إنَّ موضوع الآية هو قتلى الحروب، فأفادت انَّ للدم الحرام قصاصاً ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وتلك بديهةٌ من بديهيَّات الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه ومشاربه وإنَّما تُحقن دماء المعتدين والظالمين بانتصار المؤمنين عليهم أو يتمُّ الإرجاء للقصاص إلى أنْ يتهيأ الأمر للمؤمنين أو يكفُّ الظالمون عن ظلمهم ويتحولوَّن إلى صفوف المؤمنين ويخضعون إلى ضوابط الدين، وفيما عدا ذلك يظلُّ المعتدي الذي سفك الدم الحرام مهدور الدم مستحقَّاً للقصاص.

 

ما معنى انَّ الحسين (ع) ثأر الله تعالى؟

على انَّ الذي ورد في الروايات والزيارات المأثورة هو انَّ الحسين (ع) ثأرُ الله تعالى، ومعنى ذلك انَّ ثورة الحسين (ع) على النظام الأموي كانت ثأراً لله تعالى وانتصاراً لدينه، وذلك لأنَّ النظام الأُموي قد تجاوز كلَّ حدود الله تعالى وسار في عباده بالبغي والظلم وسعى جاهداً لإطفاء نور الله وطمْسِ معالم دينه، فالروايات تمتدحُ نهضة الحسين (ع) بأنَّها كانت ثأراً لدين الله وشريعة جدِّه المصطفى (ص) فمنشأ توصيف الروايات للحسين (ع) بأنَّه ثأر الله هو البيان للغاية السامية التي من أجلها نهض الحسين (ع) وانَّه إنَّما نهض من أجل الله تعالى والذودِ عن معالم دينه، وهي في ذات الوقت تستهدف التعبير عن انَّ نهضته قد سلكت هذا الطريق والتزمته منذ اليوم الأول وحتى لقيَ الحسين(ع) ربَّه صابراً محتسباً.

 

أو انَّ توصيف الحسين (ع) في الروايات بأنَّه ثأر الله يعني انَّ الله تعالى هو مَن سوف ينتقم لظلامته، فنظراً لكون الحسين (ع) هو الامتداد الشرعي لرسول الله (ص) ولأنَّ ثورته كانت خالصةً تمام الخلوص لوجه الله تعالى، ونظراً لعظيم الأثر الذي ترتَّب عن نهضته وهو الإحياء لمعالم دين الله تعالى بعد انْ عمل الأمويون جاهدين على طمسها، ولأنَّ قتله كان شنيعاً متناهياً في القسوة، لذلك كلًه استحقَّ الحسين(ع) هذا الوسام، فهو ثأر الله لأنَّه غضب لله فغضبَ الله على مَن سفك دمه ونكَّل به ومثَّل بجسده ولم يرعَ لله تعالى ولا لرسوله(ص) حرمة، وإذا غضب الله تعالى على قومٍ انتقم لعباده ودينه منهم كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾(22) وقال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ / فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾(23) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ / فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(24).

 

إذن فوصف الحسين (ع) بثأر الله وإضافة الثأر لله تعالى معناه انَّ الله تعالى هو وليُّ دمِ الحسين (ع) فهو مَن سيقتصُّ لدمه وينتقم له كما هو شأنه تعالى في رسله وأوصياء رسله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ / كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(25) وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾(26) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ / فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(27) فالثأر للحسين (ع) يعني الثأر لخطِّه ومبادئه وقيمه التي سُفك دمه لإحيائها، ومعناه ايقاع الهزيمة والخزي للخطِّ المناوئ لخطِّ الحسين (ع) فليس مراد الروايات من وصف الحسين(ع) بثأر الله هو القصاص والثأر الشخصي للحسين (ع) ممَّن تولى قتله وسفك دمه وإلا لما أضيف الثأر لله تعالى، على انَّ العديد من هذه الروايات صدر بعد أكثر من جيل من مقتل الحسين (ع) وبعد زوال الدولة الأموية حيث لم يبقَ على قيد الحياة رجلٌ واحد ممَّن شارك في قتل الحسين (ع).

 

في الحديث: "وإنِّي قاتلٌ بدم الحسين سبعين ألفاً":

ويمكن تأييد ما ذكرناه رغم وضوحه بما رواه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين بسنده عن رسول الله (ص) قال: قال جبريل: قال الله تعالى: "إنِّي قتلتُ بدم يحيى بن زكريا سبعين الفاً وإنِّي قاتلٌ بدم الحسين بن علي سبعين ألفاً"(28) فالذي قَتل يحيى هو ملك اليهود قتَلَه بيد رجلٍ من جنوده، وأما الذين قُتلوا بدم يحيى (ع) فلم يُشاركوا في قتله، بل ولا أدركوا يحيى ومقتلَه، فالقتل إنَّما وقع عليهم بعد زمنٍ طويل من مقتل يحيى(ع) وهو ما يُؤشر إلى انَّ الثأر ليحيى(ع) كان من قبيل الثأر من أعداء الرسل وقتَلةِ الأنبياء والمحاربين لرسالتهم. وكذلك هو الثأر للحسين (ع) شبيهُ يحيى في خطِّه وظلامته.

 

هذا وقد وردت هذه الرواية بطرقٍ متعددة -كما ذكر ذلك مثل ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة(29)- وألفاظٍ مختلفة ولكنَّها متقاربة، فمن ذلك ما أخرجه الحاكم النيسابوري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: أوحى الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) إنِّي قتلتُ بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وانِّي قاتلٌ بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً "(30)

 

قال الحاكم: هذا لفظ حديث الشافعي، وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل:  انِّي قتلتُ على دم يحيى بن زكريا، وانِّي قاتل على دم ابن ابنتك " قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(31).

 

وقال المناوي في فيض القدير: وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما): "أوحى الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) إنِّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وإنِّي قاتلٌ بابن ابنتك الحسين سبعين ألفاً وسبعين ألفاً، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال: الذهبي وعلى شرط مسلم"(32)

 

والحمد لله ربَّ العالمين

 

سماحة الشيخ محمد صنقور

 


1- مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل- ج2 ص442.

2- المستدرك - الحاكم النيسابوري- ج3 ص149.

3- الجامع الصحيح- محمد ناصر الألباني- ج1 ص69 (14662).

4- صحيح ابن حبان - ابن حبان- ج15 ص434.

5- سورة المائدة/33.

6- سورة الشعراء/227.

7- سورة الشورى/39-42.

8- سورة الشورى/37-38.

9- سورة الشورى/41-42.

10- سورة البقرة/193.

11- سورة آل عمران/139-140.

12- تاريخ الطبري -محمد بن جرير الطبري- ج4 ص323.

13- سورة الأحزاب/33.

14- سورة الشورى/23.

15- روى الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين الجزء الثالث صفحة 150 بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): "...فلو أن رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمد (ص) دخل النار"، قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه.

و روى بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

16- ولمّا دنا منه القوم دعا الإمام الحسين (عليه السلام) براحلته فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته دعاءً يسمع جلّ الناس: أَيُّهَا النّاسُ! اسْمَعُوا قَوْلي، وَلا تَعْجَلُوني حَتّى أَعِظَكُمْ بِما لِحَقٍّ لَكُمْ عَلَىَّ، وَحَتّى أَعْتَذِرَ إِلَيْكُمْ مِنْ مَقْدَمي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ قَبِلْتُمْ عُذْري وَصَدَّقْتُمْ قَوْلي، وَأَعْطَيْتُمُوني النَّصْفَ كُنْتُمْ بِذلِكَ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ عَلَىَّ سَبيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي الْعُذْرَ، وَلَم تُعْطُوا النَّصْفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ﴾ ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾....، ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله وصلّى على محمّد (صلى الله عليه وآله)، وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره قال: فوالله! ما سمعت متكلّماً قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثمّ قال: أَمَّا بَعْدُ، فَانْسِبُوني فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ؟! ثُمَّ ارْجِعُوا إلى أَنْفُسِكُمْ وَعاتِبُوها، فَانْظُرُوا هَلْ يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلي وَانْتِهاكُ حُرْمَتي؟! أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ (صلى الله عليه وآله)، وَابْنَ وَصيِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَأَوَّلِ الْمُؤْمِنينَ بِاللهِ وَالمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ بِما جاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، أَوَ لَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَداءِ عَمَّ أبي؟ أَوَ لَيْسَ جَعْفَرُ الشَّهيدُ الطّيّارُ ذُو الْجَناحَيْنِ عَمّي؟! أَوَ لَمْ يَبْلُغْكُمْ قَوْلٌ مُسْتَفيضٌ فيكُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قالَ لي وَلأِخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟! فَإِنْ صَدَّقْتُمُوني بِما أَقُولُ، وَهُوَ الحَقُّ، فَوَاللهِ! ما تَعَمَّدْتُ كِذَباً مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَمْقُتُ علَيْهِ أَهْلَهُ، وَيُضَرُّ بِهِ مَنِ اخْتَلَقَهُ. وَإِنْ كَذَّبْتُمُوني فَاِنَّ فيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتمُوهُ عَنْ ذلِكَ أَخْبَرَكُمْ، سَلُوا جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأْنْصاري، أَوْ أَبا سَعيد الْخُدْري، أَوْ سَهْلَ بْنَ سَعْد السّاعِدي، أَوْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، أَوْ أَنَسَ بْنَ مالِك، يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هذِهِ الْمَقالَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لي وَلأِخي، أَفَما في هذا حاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمي؟! فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول! فقال له حبيب بن مظاهر: والله! إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك. ثمّ قال لهم الحسين (عليه السلام): فَإِنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنْ هذَا الْقَوْلِ، أَفَتَشُكُّونَ أَثَراً ما أَنّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ؟ فَوَاللهِ! ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْري مِنْكُمْ وَلا مِنْ غَيْرِكُمْ، أَنَا ابْنُ بِنْتِ نَبِّيِكُمْ خاصَّةً.." تاريخ الطبري -محمد بن جرير الطبري- ج4 ص322-323، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 ص62.

17- الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 100-101، تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري - ج4 ص326.

18- تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج14 ص219، بغية الطلب في تاريخ حلب -عمر بن أحمد العقيلي الحلبي (ابن العديم)- ج6 ص2588.

19- الفتوح -أحمد بن أعثم الكوفي- ج5 ص101.

20- سورة الإسراء/33.

21- سورة البقرة/194.

22- سورة الزخرف/55.

23- سورة الحجر/78-79.

24- سورة إبراهيم/46-47.

25- سورة المجادلة/20-21.

26- سورة الكهف/59.

27- سورة إبراهيم/46-47.

28- المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج2 ص592.

29- الصواعق المحرقة -أحمد بن حجر الهيتمي المكي- ص199.

30- المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج2 ص290، ص592.

31- المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج3 ص178.

32- فيض القدير شرح الجامع الصغير -المناوي- ج1 ص265-266.


صلاة الـفـجــــــر  05:04
الـشــــــــــــروق  06:19
صلاة الظهـريــن  11:34
الـــــــــــــغـــروب  04:49
صلاة العشائين  05:04
18|12|2017
Copyright © 2011 Al-Hoda Center For Islamic Researches