حوزة الهدى للدراسات الإسلامية - صفحة مختصة بشهر رمضان المبارك
وصلوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم.
الامســـــــــــــاك 04:44
صلاة الفجــــــر 04:59
شروق الشمس 06:10
صلاة الظهريـن 11:51
غروب الشمس 05:33
صلاة العشائين 05:48
20 فبراير 2018 م

مواقع تابعة

عداد الزوار
1297754

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

يوم القارعة • سماحة السيد موسى الصدر - عدد القراءات: 1292 - نشر في: 27-سبتمبر-2008

يوم القارعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الْقَارِعَةُ / مَا الْقَارِعَةُ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ / يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ / وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ / فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ / فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ / وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ / فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ / نَارٌ حَامِيَةٌ﴾(1).

 

﴿الْقَارِعَةِ لا نحتاج لأن نفسّر معنى "القارعة"، لأنّ السورة تفسّر معنى "القارعة"، نفهم من السورة أنّ القارعة اسم ليوم القيامة، القارعة، الطامّة، يوم الحشر، الحاقّة، وأمثال ذلك. القارعة، لماذا يوم القيامة أو ساعة الحشر تسمى بـ"القارعة"؟ لأنها تقرع القلوب هولاً. لأنها تقرع وتحطّم، لأنها تقرع وتخيف وتغير المقاييس قارعة. النكتة الأدبية أنه من دون أن يستعمل القرآن المبتدأ والخير كأنه يلقي قذيفة، القارعة.

 

أولاً: المستمع يستمع ثم يقول ما القارعة؟ تحليل تصويري ثم يغوص في التحليل والتصوير، وما أدراك ما القارعة؟ الأسلوب القرآني في تصوير الشيء. عرفنا أنّ هناك قارعة، سمعنا الكلمة ذات الصوت والدويّ والإيقاع وكيفية الإلقاء. ينتظر المستمع حتى يرى ما هي القارعة، يذكر القرآن الكريم أنّ هذا اليوم يوم القارعة يوم عسير. يبدأ بتوصيف ذلك اليوم. من أوصاف ذلك اليوم أنك ترى الإنسان وترى البشر كالفَراش المبثوث. فراش مبثوث ما معناه؟ الفراش هذا الذي يحيط بالوردة، الحيوان الصغير، الحشرة التي تحيط بالوردة أو بالشمعة. المبثوث، المنتشر، المضطرب، المتفرق. ميزة الفراش بين سائر الحيوانات، لماذا لا يقول كالعصافير المبثوثة؟ لماذا لا يقول سائر الطيور، طيراً أبابيل، مثل ما ذكر في سورة "الفيل"؟ ميزة الفراش من بين سائر الطيور أنه لا تنتظم في سيرها.. ثم لا تتجنب أو تحاذر الأخطار والمهالك. الآن أنت ترى الفراش حينما يحوم ويحوم حول الشمعة أحياناً تلقي بنفسها في الضوء، في الشمعة، فتهلك وتموت. الفراش المبثوث يمثّل أكثر من أي مجموعة ثانية، الإضطراب، وتوضيح الهول، وعدم المبالاة أو عدم اجتناب المهالك، يعني قمة الإضطراب، اللوحة التي تمثّل الإضطراب والهول بأقوى صورتهما ﴿الْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾.

 

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ الجبل في اصطلاحنا وفي عرفنا مثال للقوة والصمود، أليس كذلك؟ يقول: "كن كالجبل الراسخ"، أو "المؤمن كالجبل الراسخ". الجبل عندنا مثال للقوة والصمود والرسوخ، ولكن ذلك اليوم، يوم القارعة، من كثرة الهول والإضطراب، الجبل الذي هو مَثَل للقوة والرسوخ، يكون مثل ﴿الْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، "العهن" يعني الصوف الملوّن، الصوف الملوّن على اعتبار أنّ الجبال ألوانها مختلفة كما يقول القرآن الكريم إنه بياض وسواد وأمثال ذلك، يقول الجبال تتحول الى ﴿الْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، يعني مثل الصوف المنفوش المهتز، مفهوم النفش معناه يريد أن يقول إنّ هول اليوم، واضطراب اليوم، والتطوير والإنقلاب الذي يحصل في هذا اليوم أقوى الأشياء عندكم صلابة ورسوخاً وصموداً وارتباطاً بالأرض يتحوّل الى أضعف الأشياء قوة ومتانة وتماسكاً الذي هو العهن المنفوش.

 

فإذاً، الى الآن أعطانا صورة رائعة ومهولة للقيامة، الناس متفرقون أفراداً وجماعات لا يبالون بالموت لا ينتبهون الى أين يذهبون غير منتبهين الى المهالك، يرسم صورة الهول والفزع، والإضطرابات والزلازل والهزات القائمة على الأمور الكونية، الجبال كالعهن المنفوش.

 

فإذاً، من الناحية الإجتماعية، ومن الناحية الكونية، من ناحية الإنسان ومن ناحية الخلق، إضطراب وهول وصعوبات، هذا إكمال لكلمة "القارعة".

 

بعدما يرسم هذه الصورة ثم يقول بالرغم من هذه الإضطرابات، بالرغم من أنّ أثقل الأشياء تحوّل الى أخفّ الأشياء وأضعف الأشياء. ﴿مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الإنسان الذي ميزانه ثقيل، الإنسان الذي له عند الله وفي موازين الله ربح، ميزانه ثقيل، يعني عنده مدخول، عنده ربح، عنده شيء {ففي عيشة راضية} هذا مطمئن.

 

إنتبهوا الى اللوحة، هذا الإضطراب والطوفان والأمواج والأشياء الثابتة تصمد أمام هذه الإضطرابات وهذه الهزات. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الشخص الخفيف الذي ما عنده عمل صالح، الذي ما عنده ارتباط متين بالله، ما عنده ما يثقّل ميزانه هذا ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. ﴿أُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ بعض المفسرين قالوا أمه هاوية أمّ رأسه، يعني أم رأسه يهوى، يعني يقع، باعتبار أنّ أمّ الرأس يعني قمة هيكل الإنسان ووجود الإنسان. يكون الهوي والسقوط ليس لرجله أو يده أو وجهه، لأمّ رأسه تعبير عن أفظع صورة للسقوط. هذا معناه قسم من المفسرين وأكثرهم، والذي ينطبق أكثر مع القرآن يقولون أمّ يعني أمّ حقيقية. ﴿أُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ الأم، تُستعمل كلمة الأم في ملجأ الإنسان ومهجع الإنسان، فالطفل وقت يخاف يلجأ الى أمه. الملجأ، المأمن، المكان الذي يرتاح إليه الإنسان في اللغة العربية يسمّونه أمّ، ﴿أُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ والإنسان الخفيف الميزان مكانه وملجأه والذي يحنّ إليه ويلجأ إليه ويأمن إليه، هاويه.

 

﴿أُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ يعني الإنسان خفيف الميزان، هذا ملجأه النار الحامية، يعني ما له مفرّ أبداً، يعني يريد الهروب من كل العالم الى النار الحامية.

 

فإذاً، صورة لطيفة ورائعة ترسمها هذه السورة المباركة كإنذار ووعيد للبشر، حتى يقول للبشر إنه إنتبه أمامك يوم القارعة يوم مليء بالأهوال والإضطرابات والتخوفات والإنقلابات والهزات الى درجة البشر كالفراش المبثوث، والجبال كالعهن المنفوش، وحينئذ لا ينجو أحد إلاّ مَن كان عنده عمل صالح ثقيل الميزان في مقاييس الله. هذا تفسير واضح.

 

بعض المفسرين حاولوا أن يأخذوا من كلمة القارعة تفسيراً آخر فشبّهوه بالقنبلة الذرية، القارعة، باعتبار أنها تدق وتقرع وتجعل البشر كالفراش المبثوث من الهول وتجعل الجبال كالعهن المنفوش، أليس كذلك؟ القنابل أولاً تهز الجبال واضح المعنى. هذا رأي بعض المفسرين الجبال كالعهن المنفوش، باعتبار أنه نتيجة للقنابل الذرية والهيدروجينية تتحول هذه الجبال الى العهن المنفوش، والبشر من هوله ومن أخطاره القسم الذي يموت يموت، والقسم الذي لا يموت لا يعرف سبيله ويضل لأنه لا يعرف مسيره لأنّ هذه الشذرات والإشعاعات السامة وغير السامة، يمكن الواحد ينتبه الى نقطة ويفكر أنّ في هذا نجاته وهي هلاكه.

 

هذا رأي بعض المفسرين، طبعاً هذا لا ينطبق كثيراً على ذيل الآية، لأنّ ﴿الْقَارِعَةُ / مَا الْقَارِعَةُ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ثم يشرح، ثم يستنتج أما مَن ثقلت موازينه، وأما مَن خفّت موازينه. فإذاً، الآية واردة في يوم القيامة، وهذا معناه أنا حمّلنا الكلمات أكثر مما تتحمل، هذا التفسير لا أعتقد أنه يمكننا أن نعتمد عليه إلاّ إذا قائله يؤكد ويثبت قرائن ثانية، يعني نحن أيضاً لا يجوز أن نحمّل الكلمة أكثر مما تتحمل، لأنّ هذا ليس تفسيراً هذا تأويل، ونحن ممنوعون عن التأويل ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾(آل عمران/7). فإذاً، نحن لا يجوز لنا أن نخرج من ظاهر القرآن، بل نتعمق في كشف الظاهر.

 

النقطة الثانية التي تثير وتجلب الفكرة أنّ ﴿الْقَارِعَةُ / مَا الْقَارِعَةُ﴾ ليس فقط الهزات الكونية مثل القنبلة، فلتكن الهزات الإجتماعية، الفتن والمحن والثورات، الحركات العنيفة التي تحدث في المجتمع وتُحدث الهول والرهبة في نفوس الناس. هناك الإنسان المتين الموزون يرسخ ويبقى ويهنأ، والإنسان الزائف، الإنسان الخفيف، أمه هاوية ويهلك. هذا المعنى أقرب من المعنى الأول الى حد ما، لكن كذلك بعيد عن مجموعة الآية الكريمة لأنه لا ينطبق على وضع أشمل، وتكون الجبال كالعهن المنفوش لا ينطبق على هذا التفسير.

 

فإذاً، نحن نكتفي بهذا المقدار ونقول الآية والسورة ترسم صورة جديدة ليوم القيامة، لكي نعتبر ونتأثر ويتأثر كل مَن يستمع ويحاول أن يجعل من موازينه موازين ثقيلة.

 

غفر الله لنا ولكم والسلام عليكم

 

 



1- القارعة/1-11.

Copyright © 2010 Al-Hoda Hawzah For Islamic Researches