حوزة الهدى للدراسات الإسلامية - صفحة مختصة بشهر رمضان المبارك
إن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. وعنه أيضا: إن الشقي حق الشقي من خرج منه هذا الشهر ولم يغفر ذنوبه.
الامســـــــــــــاك 05:0-2
صلاة الفجــــــر 05:13
شروق الشمس 06:27
صلاة الظهريـن 11:48
غروب الشمس 05:10
صلاة العشائين 05:25
18 يناير 2018 م

مواقع تابعة

عداد الزوار
1283796

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

اقتران النور بالعطاء • - - عدد القراءات: 402 - نشر في: 06-سبتمبر-2008

اقتران النور بالعطاء

 

وهو أول اقتران له (صلى الله عليه وآله وسلم) بالطاهرة خديجة الكبرى.

 

بلغ محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ريعان الشباب مفعما بالفضائل، والاستقامة، والخلق القويم، والانقطاع إلى عبادة ربه الواحد الأحد، متبتلا إلى الله سبحانه وتعالى، يحمل بين جنباته روح الإنسانية، والتفاني في إسعاد الآخرين، ويطفح إيمانا وحبا وخلقا جسد مكارم الأخلاق بكماله وتمامه.

بلغ العلى بكماله * كشف الدجى بجماله

حسنت جميع خصاله * صلوا عليه وآله

 

ومثل هذا الشخص العظيم لا بد أن يفكر بالاقتران بامرأة تشاطره هذه الصفات، وترتفع إلى مستوى حياته، وتعاضده في بلوغ أهدافه المقدسة، وتتفهمه وتصمد أمام الهزات والصدمات التي تنتظره في المستقبل، وتبذل كل غال ونفيس في سبيل نيل الأهداف السامية.

 

ولم يكن في سماء تفكير محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمة امرأة تفهمه، وتتحسس مشاعره وأحاسيسه، وتصلح لتحمل هذه المهمة الصعبة، وتكون جديرة بمشاركته، غير أن الله قيض له السيدة الطاهرة خديجة الكبرى (عليها السلام)، المرأة العاقلة، اللبيبة، الفاضلة، الحنون، الثرية، سيدة مكة الأولى.

 

ولم يخطر على بال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتزوج من امرأة ثرية، ولم يشغل المال باله لحظة واحدة من حياته المباركة، إلا أن السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) هي التي عرضت نفسها عليه، واختارته لنفسها، ويا لها من سعادة.

 

ولم يكن زواج محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واقترانه بالسيدة خديجة الكبرى يشبه الزواج المتعارف بين الناس، ولا بين الخاصة من علية القوم، بل يعتبر هذا الزواج النموذج الوحيد من نوعه في الجزيرة العربية، وخاصة بين قريش، إذ كان ذلك القران الميمون المبارك نتيجة حب وتعلق، وتحديق في أعماق الروح والمستقبل والذوات المقدسة، دونما التفات إلى أي دافع مادي أو سياسي أو ما يشبه ذلك مما يحدث بين العظماء والرؤساء في العالم.

 

ولم يكن هناك تناسب بين طريقة حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الموصوفة بالبساطة والزهد، حيث كان يعيش في حماية وكفالة عمه أبي طالب، شيخ البطحاء بعد وفاة جده عبد المطلب، سيد قريش وعظيمهم، وكانت حياتهم العفيفة البسيطة أقرب ما تكون إلى الكفاف والزهد على الرغم من علو قدرهم ومقامهم الشامخ في مكة، وبين قريش بصورة خاصة، وفي الجزيرة العربية، وفي أوساط القبائل بصورة عامة.

 

وبين حياة ومعيشة سيدة مكة الأولى " خديجة بنت خويلد " القرشية، التي كانت تعتبر أثرى قرشية وأغنى امرأة في مكة، حيث كانت أموالها وتجاراتها سائرة في رحلاتها صيفا وشتاء، بين مكة والشام، وبين مكة واليمن: سيدة ببركتها كان يعيش العشرات بل المئات من الناس بفضل تجارتها.

 

كانت السيدة خديجة (عليها السلام) تحتفظ بأنوثتها وجاذبيتها، وقد بلغت من العمر ثمان وعشرون سنة كما روى ابن عباس، على خلاف المشهور خطأ بأن عمرها كان أربعين عاما.

 

وقصة زواج خديجة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعد منعطفا مهما ومن النقاط اللامعة النورانية في حياتها.

 

فلما قتل أبوها خويلد في حرب الفجار ظهرت عليها روح الاستقلال، والاعتماد على النفس، والحرية بشكل واضح، وكانت تمارس التجارة كأفضل الرجال عقلا ورشدا.

 

ورفضت - بإصرار - الزواج من الملوك والأشراف والأثرياء الذين تقدموا إليها - لما عرفت به من الشرف والنسب الرفيع والثروة - وبذلوا لها الكثير من الأموال مهرا لأنها لم تجد في أحدهم كفئا لها.

 

ورضيت راغبة بالزواج من النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الفقير اليتيم، لم ترفض أولئك وترضى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فحسب، بل تقدمت بشوق واندفاع لتقترح على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الزواج منه والاقتران به.

 

فأصبح هذا الأمر سببا لسخرية نساء قريش ونقدهن اللاذع لها.

 

وقد اشتهر أن النساء يعشقن الثروة والكماليات في الحياة، وغاية مطامحهن أن يتزوجن من ثري شريف يعشن في بيته بهدوء، ويشتغلن بالتجمل والأنس، وخديجة لم تبحث عن الرجل الغني لأنها لا تحتاج إلى ذلك، ولأن أفكارها أجل وأرفع من هذا، وإنما هي تنتظر الزوج العظيم المثالي، والرجل القوي، والشخصية اللامعة، والروحانية الشفافة التي تنجي العالم من وحل الجاهلية، ومستنقع التخلف والتعاسة.

 

لذلك رفضت كل من تقدم لخطبتها.

 

وهذا دليل على أنها لم تتزوج برجل قبله بل كانت بكرا عذراء.

 

والتاريخ يروي لنا أن خديجة سمعت من العلماء والأحبار أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي آخر الزمان فتعلق قلبها به، فأرسلت إليه تسأله الخروج إلى الشام في قافلة مع مولاها ميسرة - ليراقب تحركاته وسلوكه عن كثب، ولعل هذا العمل كان اختبارا لما سمعته من العلماء والأحبار - فسافر النبي بعيرها إلى الشام، فرأى ميسرة منه في الطريق العجائب، وحينما عادوا من السفر حكى لها ميسرة ما شاهده، فوجدت خديجة فيه الشخص الكامل، كما وصفه الأديب:

وأحسن منك لم تر قط عيني * وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرءا من كل عيب * كأنك قد خلقت كما تشاء

 

فبعثت إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت له: يا ابن العم، قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك ووسطك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها (1).

 

فلما أراد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب وحمزة في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على عم خديجة عمرو بن أسد، فابتدأ أبو طالب بالكلام قائلا: " الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وأنزلنا حرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي هذا - يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) - ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلا في المال فإن المال رفد جار وظل زائل، وله في خديجة رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر علي في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ورب هذا البيت حظ عظيم، ودين شائع، ورأي كامل ".

 

ثم سكت أبو طالب، فتكلم عمها وتلجلج وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر، وكان رجلا عالما، فقالت خديجة مبتدئة: يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي.

 

قد زوجتك يا محمد نفسي والمهر علي في مالي، فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها (2).

 

ويروى أن خديجة وكلت ابن عمها ورقة بن نوفل في أمرها، فلما عاد ورقة إلى منزل خديجة بالبشرى، وهو فرح مسرور نظرت إليه فقالت: مرحبا وأهلا بك يا ابن عم، لعلك قضيت الحاجة؟قال: نعم يا خديجة يهنئك، وقد رجعت أحكامك إلي وأنا وكيلك وفي غداة غد أزوجك إن شاء الله تعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

 

فلما سمعت خديجة كلامه فرحت وخلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمسمائة دينار (3).

 

ولما خطب أبو طالب (عليه السلام) الخطبة المعروفة، وعقد النكاح، قام (صلى الله عليه وآله وسلم) ليذهب مع عمه أبي طالب، فقالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك وأنا جاريتك (4).

 

وهكذا تزوج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)... وكان لهذا الزواج أهمية كبرى في حياته، لأنه كان فقيرا معدما ماليا - وقد يكون لهذا السبب أو لأسباب أخرى تأخر زواجه المبارك إلى سن الخامسة والعشرين - ووحيدا ليس له عائلة من جهة أخرى، وبزواجه المبارك ارتفع الفقر والحرمان، ووجد من يشاركه همومه، ويشاوره في أمره، ويقاسمه مر الحياة وحلوها (5).

 

كما أن خديجة (عليها السلام) فرحت بهذا الزواج فرحا شديدا وغمرتها سعادة ما بعدها سعادة، سعادة تحقيق أمانيها باقترانها بالرجل المأمول حيث نالت أغلى أمانيها وغاية مقصودها.

 

وقد ذكر الرواة بعض ما ورد من أشعار أنشدت في زواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخديجة (عليها السلام): قال عبد الله بن غنم:

هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجت من خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد؟

به بشر البران عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد (6)

 

وقال حبر من أحبار اليهود مبشرا خديجة (عليها السلام) بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

يا خديج لا تنسي الآن قولي * وخذي منه غاية المحصول

يا خديج هذا النبي بلا شك * هكذا قد قرأت في الإنجيل

سوف يأتي من الإله بوحي * ويحبى من الإله بالتنزيل

ويزوجه ذات الفخار فيضحى * في الورى شامخا على كل جيل (7)

 

وقال بعض النساء ممن حضرت عقد خديجة (عليها السلام):

أضحى الفخار لنا وعز الشأن * ولقد فخرنا يا بني عدنان

أخديجة نلت العلا بين الورى * وفخرت فيه جملة الثقلان

أعني محمدا الذي لا مثله * ولدت نساء الأرض في الأزمان

صلوا عليه وسلموا وترحموا * فهو المفضل من بني عدنان

فتطاولي فيه خديجة واعلمي * أن قد خصصت بصفوة الرحمن (8)

 

وخرجت بين يديها صفية بنت عبد المطلب (رضي الله عنه) وقالت:

جاء السرور مع الفرح * ومضى النحوس مع الترح

أنوارنا قد أقبلت * والحال فيها قد نجح

بمحمد المذكور في * كل المفاوز والبطح

لو أن يوازن أحمد * بالخلق كلهم رجح

ولقد بدا من فضله * لقريش أمر قد وضح

ثم السعود لأحمد * والسعد عنه ما برح

بخديجة بنت الكمال * وبحر نايلها طفح

يا حسنها في حليها * والحلم منها ما برح

هذا الأمين محمد * ما في مدائحه كلح (9)

صلوا عليه تسعدوا * والله عنكم قد صفح (10)

 

وقالت أيضا:

أخذ الشوق موثقات الفؤاد * وألفت السهاد بعد الرقاد

فليالي اللقا بنور التداني * مشرقات خلاف طول البعاد

فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت * من المصطفى عظيم الوداد

فغدا شكره على الناس فرضا * شاملا كل حاضر ثم بادي

كبر الناس والملائك جمعا * جبرئيل لدى السماء

ينادي فزت يا أحمد بكل الأماني * فنحى الله عنك أهل العناد

فعليك الصلاة ما سرت العيس * وحطت لثقلها في البلاد (11)



1- بحار الأنوار ج 16 ص 9.

2- بحار الأنوار ج 16 ص 14،تذكرة الخواص ص 302.

3- بحار الأنوار ج 16 ص 65.

4- سفينة البحار ج 16 ص 279.

5- أنظر:فاطمة الزهراء المرأة النموذجية في الإسلام / إبراهيم أميني / تعريب علي جمال الحسيني.

6- بحار الأنوار 16 ص 15.

7- بحار الأنوار ج 16 ص 21.

8- بحار الأنوار ج 16 ص 74. هل هناك صلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل النبوة والبعثة؟؟ أو هل هناك ذكر لجبرئيل قبل المبعث؟.

9- الكلح:العبوس والقبح.

10- بحار الأنوار ج 16 ص 75.

11- بحار الأنوار ج 16 ص 76.

Copyright © 2010 Al-Hoda Hawzah For Islamic Researches