حوزة الهدى للدراسات الإسلامية - صفحة مختصة بشهر رمضان المبارك
ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه.
الامســـــــــــــاك 05:0-2
صلاة الفجــــــر 05:13
شروق الشمس 06:27
صلاة الظهريـن 11:48
غروب الشمس 05:10
صلاة العشائين 05:25
18 يناير 2018 م

مواقع تابعة

عداد الزوار
1283791

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

خديجة والحياة الجديدة • - - عدد القراءات: 549 - نشر في: 06-سبتمبر-2008

خديجة والحياة الجديدة

 

1 - مقدمة تاريخية ضرورية: قبل الحديث عن زواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) لا بد من التذكير، إن هذا الموضوع قد تعرض إلى التشويه إلى حد كبير، إما لعوامل سياسية تاريخية أو لعوامل الغيرة والحسد التي اتصفت بها بعض أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة غير اعتيادية.

 

وأهم المواضيع التي نالها التزييف والتشويه هو: الادعاء بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان هو الزوج الثالث لخديجة، بعد أن كانت قد تزوجت بأثنين من سائر الناس، واحد بعد الآخر تسمي الروايات الموضوعة أحدهما بعتيق ابن عابد المخزومي ويدعى الآخر بأبي هالة هند بن زرارة بن نباش التميمي، ثم عاشت بعد وفاة الثاني أيما، حتى خطبها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

 

هكذا تصور الأخبار المنسوبة قصة - الحياة الاجتماعية - الزوجية لخديجة.

 

ونفس المصادر التي تروي قصة زواجها الأول والثاني تذكر بإصرار، أن خديجة عقيلة قريش كانت قد خطب ودها سادة القبائل وعظماء قريش، ولكنها تعرض عنهم في كل مرة بإباء سمح، وترغب عنهم مترفعة مع تواضع لا يحط من قدر الخاطبين.

 

ولقد ذكر المؤرخون أن من جملة من خطبها كان أبا جهل وأبا سفيان وعقبة بن أبي معيط والصلت بن أبي يهاب وغيرهم من سادة القوم وعليتهم.

 

كما تقع المصادر نفسها في تشوش وتناقض شديدين بالنسبة للزوجين المزعومين.

 

فبعض المصادر تسمي أحدهما أبا شهاب عمرو الكنذي، وتسميه أخرى مالك بن النباش بن زرارة التميمي، وأخرى تسميه هند بن النباش، وأخرى تسميه النباش بن زرارة.

 

وأما من دعي بعتيق بن عابد المخزومي، وهو الزوج الثاني المفترض!، فقد سمته بعض المصادر عتيق بن عابد التميمي (1) إلى غير ذلك.

 

وهكذا تشرق الادعاءات وتغرب دون ضابطة صحيحة ولا إشارة من علم! ومن حقنا أن نتساءل: كيف يمكن للمصادر التاريخية أن توفق بين إصرار السيدة خديجة (عليها السلام) على رفض جميع من خطبها بما فيهم وجوه الناس وأشرافهم، وبين زواجها من شخصين من دهماء الناس على التوالي لم تضبط الأخبار حتى أسماءهم ؟! إن هذا لشئ عجاب! إنك لا تكاد تقرأ مصدرا حديثا ولا قديما إلا وتجد الرفض القاطع الذي تبده السيدة خديجة بنت خويلد لكل خاطب لها مهما أعطي من مال أو جاه ومكانة، فكيف ترضى الاقتران بذين على ماهما عليه من مغمورية، وقلة جاه ومكانة؟ولكي نتخطى سطح المشكلة، ونواجه الواقع، لا بد من الإشارة إلى أن السيدة خديجة (عليها السلام) كانت لها أخت تسمى هالة (2) تزوجت رجلا من بني تميم أولدها ذكرا أسماه هندا.

 

وكان للتميمي زوجة أخرى أولدها بنتين إحداهما زينب والأخرى رقية، ثم هلك الرجل، فالتحق هند بعشيرته وأهله في البادية، والتحقت هالة وزوجة التميمي الأخرى والبنتان بالسيدة خديجة التي امتازت بمال وفير وطيب نفس، فشملتهم جميعا برعايتها.

 

وفي هذه الأيام تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خديجة فصارت زينب ورقية تحت رعاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيدة خديجة (عليها السلام) حتى نسبتا إليهما، وهو أمر مألوف عند عرب ذلك الزمان (3) وفق قاعدة التبني التي أبطلها القرآن الكريم بعد ذلك سنين في آية 4 من سورة الأحزاب.

 

وهكذا تكون قضية هالة بنت خويلد وقصة زواجها قد انسحبت على سيرة السيدة خديجة وحياتها بسبب ذلك التبني، حتى بلغت الحال أن تشعبت بقصد وبغيرة لتكون زينب ورقية ابنتين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يكون الرجل المخزومي الذي كان أول زوج لهالة بنت خويلد ثم زوجها الثاني التميمي قد نسبا إلى السيدة خديجة كزوجين لها قبل زواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منها.

 

وهكذا، تقحم حياة هالة الزوجية ونتائجها على خديجة (عليها السلام) وحياتها الشخصية.

 

ومما يعزز صحة هذه الواقعة التاريخية الهامة التي سردناها ما ذكره ابن شهرآشوب المازندراني، حيث قال: روى أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج بها وكانت عذراء (4).

 

هذا، ومن الجدير ذكره، أن المصادر التي اعتبرت زينبا ورقية بنتين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السيدة خديجة، قالت بولادتهما بعد البعثة ثم تقول ذات المصادر، أن رقية التي كانت أصغر بنات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (5) قد تزوجت عثمان ابن عفان قبل الهجرة إلى الحبشة علما بأن الهجرة المذكورة قد وقعت بعد البعثة بخمس سنين.

 

فهل تنسجم العقول مع هذه التقولات الساذجة (6) التي تناقضت مع نفسها ومع الوقائع التاريخية؟وتحقق أمل خديجة!! كانت حياة السيدة خديجة (عليها السلام) مزيجة بين الرفض الصارم لكل من يطلب يدها من أجل الزواج، وبين الانتظار والأمل لمن يلبي طموحها المعنوي من الرجال كزوج وولي أمر.

 

وبينما كاد الرجال يقطعون الأمل من قناعتها بأي منهم، كانت سيدة قريش قد تحولت إلى أذن صاغية تتسمع أخبار خير شباب قريش الذي ملأ ذكره الحسن، والحديث عن شمائله الطيبة في أركان مكة ونواديها حتى أسماه قومه بالصادق الأمين، وهو لما يزل في ريعان شبابه، ذلك هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

 

فقد كانت تتوسم أن يكون هو القرين المنتظر لها، وبدأ حدسها يقترب من اليقين رويدا رويدا كلما تقدمت الأيام.

 

وماذا يمنعها أن تنتظر وهي لا تزال في عز شبابها، وغضارة جمالها؟فقد تأملت كثيرا في حديث لأحد أحبار اليهود حضر المسجد الحرام وراح يتحدث عن اقتراب موعد بعثة الرسول الموعود من هذه الديار، وهو ينوه بالتهنئة للمرأة التي تكون له زوجة وسكنا (7).

 

وجاءت الخطوة الأخرى لتقرب الأمل المتقد في وجدانها، فحيث امتلأ سمعها بجميل ذكر محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتى أبي طالب شيخ الأبطح، بالنظر لعظيم أمانته، وكريم صفاته ونبل خصائصه، وصدق حديثه ومواقفه، فما بالها يا ترى لا تعقد صفقة تجارية معه، تضاربه ببعض أموالها ليخرج بها متاجرا إلى الشام، ومن كمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدقه وسلامة سلوكه واستقامته؟لقد انتفضت من غفلتها عنه، وكأنها لامت نفسها عن طول هذه الغفلة عنه، فبعثت من يعرض عليه هذا المشروع التجاري المربح الذي طالما اشرأبت إليه أعناق الرجال، وعرضت عليه من خلال وسيطها أن يكون له من الربح أفضل ما اعتادت أن تعطيه لمن تضاربه من التجار.

 

ووجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حاجة في نفسه، فتداول مع عمه أبي طالب في ذلك، فلم يجد منه اعتراضا.

 

وكان هذا الغرس الطيب مدركا أن عمه قد كبر سنه، وأثقلته السنون، فلا بد من استثمار هذه الفرصة لدعم عمه الكريم الذي امتاز بجوده وكرمه ورعايته للناس رغم كونه أقل سادة قريش مالا.

 

وخرج المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) في تجارته إلى الشام يصحبه ميسرة غلام خديجة الذي أنابته عنها في هذا المشروع.

 

وقد كان ميسرة يقوم بمهمتين معا، إحداهما: اقتصادية روتينية تتعلق بالتجارة والمال وما إلى ذلك من شؤون.

 

وثانيتهما: معنوية، ولعلها كانت هي المهمة المركزية التي كلف بها من قبل سيدته خديجة!! فقد كان موكولا إليه أن يرصد محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كثب في هذه السفرة الطويلة نسبيا، كي يقدم تقريرا إلى السيدة خديجة حول أبعاد شخصيته، ليكمل الصورة عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لديها.

 

ويبدو أن ميسرة كان جديرا بإعطاء الصورة المطلوبة، ولذا اختارته سيدته لذلك.

 

وما أن صحب الغلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ورأى الأعاجيب مما لم يكن في حسابه ولا في تصوراته، فرغم طيب المعاشرة، وحسن الأخلاق، وصدق المعاملة، وعظيم الأمانة، فإن أمورا خارجة عن المألوف تمكن ميسرة من مشاهدتها عيانا.

 

إلى آخر ما سبق ذكره.



1- لمعرفة التناقض راجع البحار 16: 22 والصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) العلامة السيد جعفر مرتضى العملي 1: 121 وما بعدها، وفقه السيرة، محمد سعيد البوطي: 61، والاستغاثة، أبو القاسم الكوفي المتوفى عام 352 ه? وما بعدها.

2- أنظر مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري ط الكويت 2: 204 حديث 1674.

3- تراجع هذه القضية في كتاب الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي المتوفى 352 ه? ص 82 وما بعدها.

4- راجع مناقب آل أبي طالب 1: 159.

5- الإصابة 4: 304.

6- للتفاصيل يراجع الشيخ محمد حسن آل ياسين، النبوة هامش ص 65 كما يراجع الاستغاثة: 80 وما بعدها والصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، السيد جعفر مرتضى العاملي 1: 121 وما بعدها.

7- بحار الأنوار للعلامة المجلسي 16: 4 نقلا من مناقب آل أبي طالب.

Copyright © 2010 Al-Hoda Hawzah For Islamic Researches