حوزة الهدى للدراسات الإسلامية - صفحة مختصة بشهر رمضان المبارك
واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم وارحموا صغاركم.
الامســـــــــــــاك 05:0-2
صلاة الفجــــــر 05:13
شروق الشمس 06:26
صلاة الظهريـن 11:48
غروب الشمس 05:10
صلاة العشائين 05:25
19 يناير 2018 م

مواقع تابعة

عداد الزوار
1283931

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

الإيمان بالغيب (2) • سماحة السيد موسى الصدر - عدد القراءات: 178 - نشر في: 05-سبتمبر-2008

الإيمان بالغيب (2)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الم / ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ / الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ / والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ / أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(1).

 

هذه المبادئ الخمسة، التي يذكرها القرآن الكريم في سورة البقرة، ويفسر بها: المتقين، والذين على هدى من ربهم، والمفلحين أيضاً. نريد أن نتحدث عن هذه المبادئ الخمسة، التي فيها حقيقة التقوى، والهداية، والفلاح، في منطق القرآن.

ما هي هذه المبادئ الخمسة؟

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. الإيمان بالغيب أولاً.

إقامة الصلاة، ثانياً.

الإنفاق مما رزقناهم، ثالثاً.

الإيمان بما أُنزل إلى محمد والى الرسل جميعاً، رابعاً.

واليقين بالآخرة، أخيراً.

 

الإيمان بالغيب، المبدأ الأول، هو في الحقيقة، ركن الدين الأساس. فهناك فرق بين الدين وبين العلم، وإن انسجما واتفقا وتعاونا. وهناك فرق بين الدين والفلسفة. وهناك فرق بين الدين والتكنولوجيا مثلاً. وهناك فرق بين الدين وعلم الأخلاق.

 

فالدين طابعه الأساس أنه غيبي، وأنه جاء من الغيب. الإيمان بالغيب مبدأ الدين الأول، وحتى أصول الدين وفروعه، فمهما كان الدين علمياً، ومنطقياً، ومتطوراً، وقريباً لعقول الإنسان فهو محتفظ بغيبية مبادئه وأحكامه، من أصول وفروع.

 

والسبب في ذلك أنّ الإيمان بالغيب هو المبدأ الوحيد الذي يجعل الإنسان مستقراً في حياته، دون سواه. فالاعتماد على العلم أو على الفلسفة، أو على الصناعة، أو على الأخلاق، أو على التجارب، أو على أي شيء يكون هو من صنع البشر. الإعتماد عليه لا يؤدي إلى الراحة والركون والاستقرار. والسبب في ذلك، أنّ منتجات البشر، من علم أو ثقافة أو فلسفة أو فن، هي غير متكاملة بطبيعة الحال، الإنسان في تكامل دائم، وعلمه وصناعته وأخلاقه وتجاربه تزداد وتكتمل يوماً بعد يوم. ومعنى التكامل، التزلزل، وعدم الاستقرار.

 

لأننا حينما نجد اليوم علاجاً لمرض، أو سبباً لمسبّب، أو طريقاً لاكتشاف أو وسيلة لحل معضلة إجتماعية، أو نظاماً لإصلاح شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية. كل ما نجده اليوم كاملاً لا نشك بأننا سوف نصل غداً إلى شيء جديد حول هذا الشيء، أو حول أمثاله. وهذا يعني أنّ إيماننا واطمئناننا ويقيننا بهذه الأمور، العلمية والفنية والفلسفية والقانونية، إيمان نسبي، نعتمد عليه لأنّ هذا العلاج أفضل ما وصل إليه البشر في تجاربه إلى الآن. أما أنّ البشر سوف يكتشف غداً ما هو أكمل منه، وما هو أفضل منه، فلا. وربما هذا الشيء الذي نجده اليوم مفيداً، لعلنا نجد غداً فيه ما يضرنا. وهذا طبيعة جميع الإنتاجان البشرية.

 

فإذاً، الإنسان إذا يريد أن يعتمد على منتجاته، على مصنوعاته اعتماداً مطلقاً، فهذا غير ممكن. وهذا بتعبير ديني عبادة الأصنام. لا يقوم شيء من هذه الأشياء مقام الله. الإطمئنان، والإعتماد ممكن فقط على المطلق الذي هو دائم، وثابت، وشامل، وخالد، وهذا هو الله فقط. يقول القرآن الكريم: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(2).

 

ولا شك أنّ الإنسان حينما يشعر أنه مستظهر بالغيب، مطمئن إلى الله، مستنده إلى المطلق، يشعر بقوة، ويستعمل العلم، والصناعة، والنظام الإجتماعي والإقتصادي، والفلسفة، والفن، والتجارب الأخرى، يستعملها كمخلوقات وكآلات. يدخل في الحياة باطمئنان واستقرار. وهذا من الناحية التربوية، ذو أثر كبير بالغ، ولا يمكن للإنسان أن يجعل محل الله، محل المطلق، الأمور النسبية.

 

ومن هنا نصل إلى مبدأ، أنّ العلم، والصناعة، والتجارب البشرية مهما تكاملت، فلا يمكن لها أن تقوم مقام الله في نفس الإنسان. فالله من وراء قلب الإنسان، والعلم من الإنسان، والى الحياة. فالإنسان هو واقف بين الله، وبين مخلوقات الإنسان. الإنسان مخلوق لله، وله مخلوقات وتجارب

 

الله له مكانة في حياة الإنسان، لا يمكن أن يقوم مقام هذه المكانة شيء آخر. وإذا أراد الإنسان، أن يجعل العلم، أو الصناعة، أو النظام، أو التجربة، محل الله، فهو يعيش في قلق دائم. تلك الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان المعاصر، ويستحق أن يخاطب بقوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾(3). لأنّ الإنسان هو الذي ينحت العلم، والفلسفة، والتجربة، بينما هو مخلوق لله.

 

فإذاً، الإيمان بالغيب يلعب في حياة الإنسان دوراً رئيسياً، لا يمكن أن يُستغنى عنه.

 

والسلام عليكم

 



1- البقرة/1-5.

2- الرعد/28.

3- الصافات/95.

Copyright © 2010 Al-Hoda Hawzah For Islamic Researches