حوزة الهدى للدراسات الإسلامية - صفحة مختصة بشهر رمضان المبارك
أيها الناس، انه قد أقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات...
الامســـــــــــــاك 04:30
صلاة الفجــــــر 04:45
شروق الشمس 05:58
صلاة الظهريـن 11:23
غروب الشمس 04:47
صلاة العشائين 05:02
18 نوفمبر 2017 م

مواقع تابعة

عداد الزوار
1273319

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عِبَادة المُحبين • سماحة الشيخ أيوب علي حسين - عدد القراءات: 261 - نشر في: 26-سبتمبر-2007

عِبَادة المُحبين

 

ورد في صحيفة إدريس (عليه السلام): طوبى لقومٍ عبدوني حبَّاً، واتخذوني إلهاً ورباً، سهروا الليل ودأبوا النهار طلباً لوجهي، من غير رهبةٍ ولا رغبة ٍ، ولا لنارٍ ولا جنةٍ، بل للمحبة الصحيحة، والإرادة الصريحة، والانقطاع عن الكل إليَّ.(1)

 

اعلم أيها العزيز:

" إنَّه سبحانه وتعالى يُعبد بأحد أنحاء ثلاثة الخوف، والرجاء، والحب، وطباع الناس مختلفة في إيثار هذه الأنحاء الثلاثة واختيارها:

 

الأول: وهو الغالب، يغلب على نفسه الخوف، وكلما فكَّر فيما أوعد الله الظالمين، والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي اعدَّ لهم زاد في نفسه خوفًا ولفرائصه ارتعادًا ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفاً من عذابه.

 

الثاني: وهو مَنْ يغلب على نفسه الرجاء، وكلما فكَّر فيما وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاءً وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعًا في المغفرة والجنة.

 

الثالث: وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفاً من عقابه ولا طمعاً في ثواب، وإنَّما يعبدونه لأنَّه أهلٌ للعبادة، وذلك لأنَّهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا أنَّه ربهم الذي يملكهم.. وليس للعبد إلا أنْ يعبد ربه، ويقدِّم مرضات الله وإرادته على مرضاته وإرادته، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شئ من أعمالهم فعلاً أو تركاً إلا وجهه ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم ولا إلى ثواب يرجيهم وإنْ خافوا عذابه ورجوا رحمته، وإلى هذا يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام " ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة ً في جنتك بل وجدتك أهلا ً للعبادة فعبدتك ".

 

وهؤلاء لما جعلوا رغباتهم المختلفة هي بابتغاء مرضات ربهم، ومحّضُوا أعمالهم في طلب غاية، وهي الله لا غير، تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية، فيعرفون ربهم بما عرَّفهم به نفسه، وقد سمَّى نفسه بأحسن الأسماء، ووصف ذاته بكل صفة جمال وكمال، ومن خواصِّ النفس الإنسانية أنَّها تنجذب إلى الجميل، فكيف بالله الجميل على الإطلاق. (2)

 

وهذا الانجذاب لجناب الحق تعالى يفسِّر ما سمعناه لتلك الحالات العباديِّة النادرة والعجيبة للأنبياء والأئمة والألياء عليهم السلام. وهو أنَّ حبَّ الله تعالى قد هيمَنَ على قلوبهم وعقولهم وجوارحهم وجوانحهم فقاموا بين يديه شاكرين، حامدين، مستغفرين، منيبين، يرجون الوصال ولا شيء سواه.

 

روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: بكى شعيب (عليه السلام) من حبِّ الله عزَّ وجلَّ حتى عمي فردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردَّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردَّ الله عليه بصره، فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه:

 

يا شعيب! إلى متى يكون هذا أبدًا منك ؟ إنْ يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك، وإنْ يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك.

 

قال: إلهي وسيدي أنت تعلم أنِّي ما بكيتُ خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنتك، ولكن عقد حبُّك على قلبي فلستُ أصبر أو أراك.

فأوحى الله جلَّ جلاله إليه: أما إذا كان هذا هكذا فمن أجلِّ هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران. (3)

 

وعن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوسًا في مجلسٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان.

فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا أخبركم بأقلِّ القوم مالاً وأكثرهم ورعاً وأشدَّهم اجتهاداً في العبادة ؟

قالوا: مَنْ ؟

قال: أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه ثم انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.

فقال أبو الدرداء: يا قوم إنِّي قائلٌ ما رأيت، وليقلْ كل قوم ٍ منكم ما رأوا:

شهدتُ علي بن أبي طالب بشويحطات النجّار، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبَعُدَ عليَّ مكانه، فقلت: لَحِقَ بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول:

" إلهي كم مِنْ موقبةٍ حلمتَ عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمتَ عن كشفها بكرمك، إلهي إنْ طال في عصيانك عُمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمِّلٍ غير غفرانك، ولا أنا براج ٍ غير رضوانك "

 

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر..

ثم قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة.

 

فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت: " إنا لله وإنا إليه راجعون " مات والله علي بن أبي طالب قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصته ؟

فأخبرتها الخبر.

فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق.(4)

 


1- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج92، ص 467، الصحيفة العشرون، صحيفة المحبة.

2- تفسير الميزان- العلامة السيد الطباطبائي ج 11، ص 158- 159. بتصرف فيه.

3- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج12، ص 381.

4- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج41، ص 11،13. بتصرف، حيث ذكرنا مورد الشاهد فقط.

Copyright © 2010 Al-Hoda Hawzah For Islamic Researches