.: السيدة زينب بنت الإمام علي (ع) :.

 

جاء في (معجم رجال الحديث) لآية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) ما يلي: ([1])

 

.: زينب بنت علي (عليه السلام) :.

 

روت عن أمها سلام الله عليها، وروى عنها جابر. ([2]) وروى عنها عباد العامري، ذكره في المشيخة: في طريقه إلى إسماعيل بن مهران.

 

أقول: إنها شريكة أخيها الحسين (عليه السلام) في الذب عن الإسلام والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن شريعة جدها سيد المرسلين، فتراها في الفصاحة كأنها تفرغ عن لسان أبيها، وتراها في الثبات تنئ عن ثبات أبيها، لا تخضع عند الجبارة، ولا تخشى غير الله سبحانه تقول حقا وصدقا، لا تحركها العواصف، ولا تزيلها القواصف، فحقا هي أخت الحسين (عليه السلام) وشريكته في سبيل عقيدته وجهاده.

 

وكتب آية الله سماحة السيد محسن الأمين (أعلى الله مقامه) في كتابه (أعيان الشيعة) عن بعض أهم المواقف التي مرَّت بها سيدتنا زينب الكبرى (ع) وبعضا من خطبها نوردها لكم كالتالي: ([3])

 

.: زينب الكبرى :.

 

من هي زينب الكبرى؟

بنت مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

وتعرف بالعقيلة.

أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص).

 

فضلها (ع):

كانت زينب (ع) من فضليات النساء. وفضلها أشهر من أن يذكر وأبين من أن يسطر. وتعلم جلالة شانها وعلو مكانها وقوة حجتها ورجاحة عقلها وثبات جنانها وفصاحة لسانها وبلاغة مقالها حتى كأنها تفرع عن لسان أبيها أمير المؤمنين (ع) من خطبها بالكوفة والشام واحتجاجها على يزيد وابن زياد بما فحمهما حتى لجا إلى سوء القول والشتم وإظهار الشماتة والسباب الذي هو سلاح العاجز عن إقامة الحجة...

 

وليس عجيبا من زينب أن تكون كذلك وهي فرع من فروع الشجرة الطيبة النبوية والأرومة الهاشمية جدها الرسول وأبوها الوصي وأمها البتول وأخواها لأبيها وأمها الحسنان ولا بدع أن جاء الفرع على منهاج أصله.

 

زواجها وأبنائها (عليها سلام الله):

وكانت زينب الكبرى متزوجة بابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وولد له منها علي الزينبي وعون ومحمد وعباس وأم كلثوم لسبط بن الجوزي يوسف قزاوغلي وعون ومحمد قتلا مع خالهما الحسين (ع) بطف كربلا.

 

وأم كلثوم هي التي خطبها معاوية لابنه يزيد فزوجها خالها الحسين (ع) من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب.

 

السيدة زينب (ع) أم المصائب:

وسميت أم المصائب وحق لها أن تسمى بذلك فقد شاهدت مصيبة وفاة جدها الرسول (ص) ومصيبة وفاة أمها الزهراء (ع) ومحنتها ومصيبة قتل أبيها أمير المؤمنين (ع) ومحنة ومصيبة شهادة أخيها الحسن بالسم ومحنته والمصيبة العظمى بقتل أخيها الحسين (ع) من مبتداها إلى منتهاها...

 

وقتل ولداها عون ومحمد مع خالهما أمام عينها وحملت أسيرة من كربلاء إلى الكوفة وأدخلت على ابن زياد إلى مجلس الرجال وقابلها بما اقتضاه لؤم عنصره وخسة أصله من الكلام الخشن الموجع وإظهار الشماتة الممضة وحملت أسيرة من الكوفة إلى ابن آكلة الأكباد بالشام ورأس أخيها ورؤوس ولديها وأهل بيتها أمامها على رؤوس الرماح طول الطريق حتى دخلوا دمشق على هذه الحال وادخلوا على يزيد في مجلس الرجال وهم مقرنون بالحبال.

 

قال المفيد فرأى هيئة قبيحة وأظهر السخط على ابن زياد ثم أفرد لهن ولعلي بن الحسين دارا وأمر بسكوتهم وقال لزين العابدين كاتبني من المدينة وانه إلى كل حاجة تكون ولما عادوا أرسل معهم النعمان بن بشير وأمره أن يرفق بهم في الطريق ولما غزا جيشه المدينة أوصى مسرف بن عقبة بعلي بن الحسين (ع).

 

وذلك لما رأى من نقمة الناس عليه فأراد أن يتلافى ما فرط منه وهيهات كما قال الشريف الرضي:

 

وود أن يتلافى ما جنت يده * وكان ذلك كسرا غير مجبور

 

السيدة زينب (ع) ووقعة الطف المريرة:

وكان لزينب في وقعة الطف المكان البارز في جميع الحالات وفي المواطن كلها فهي التي كانت تمرض العليل وتراقب أحوال أخيها الحسين (ع) ساعة فساعة وتخاطبه وتسأله عند كل حادث وهي التي كانت تدبر أمر العيال والأطفال وتقوم في ذلك مقام الرجال وهي التي دافعت عن زين العابدين لما أراد ابن زياد قتله وخاطبت ابن زياد بما ألقمه حجرا حتى لجا إلى ما لا يلجأ إليه ذو نفس كريمة وبها لاذت فاطمة الصغرى وأخذت بثيابها لما قال الشامي ليزيد هب لي هذه الجارية فخاطبت يزيد بما فضحه وألقمته حجرا حتى لجا إلى ما لجا إليه ابن زياد.

 

دور زوجها عبد الله بن جعفر في نصرة الحسين (ع):

والذي يلفت النظر أنها في ذلك الوقت كانت متزوجة بعبد الله بن جعفر فاختارت صحبة أخيها على البقاء عند زوجها وزوجها راض بذلك مبتهج به وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه ففعلا حتى قتلا وحق لها ذلك فمن كان لها أخ مثل الحسين وهي بهذا الكمال الفائق لا يستغرب منها تقديم أخيها على بعلها.

 

أخبارها المتعلقة بوقعة الطف حتى رجوعها للمدينة:

روى ابن طاوس أن الحسين (ع) لما نزل الخزيمية أقام بها يوما وليلة فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب فقالت يا أخي ألا أخبرك بشئ سمعته البارحة فقال الحسين (ع) وما ذاك فقالت خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف ويقول:

ألا يا عين فاحتفلي بجهد * ومن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا * بمقدار إلى انجاز وعد

 

فقال لها الحسين (ع) يا أختاه كل الذي قضي فهو كائن.

 

زينب (ع) يوم التاسع من محرم:

وقال المفيد: لما كان اليوم التاسع من المحرم زحف عمر بن سعد إلى الحسين (ع) بعد العصر والحسين (ع) جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه فسمعت أخته الضجة الصيحة فدنت من أخيها...

فقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت فرفع الحسين رأسه ...

فقال: إني رأيت رسول الله (ص) الساعة في المنام فقال لي: انك تروح إلينا فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل...

فقال لها الحسين: ليس لك الويل يا أختاه اسكتي رحمك الله...

 

والمراد بأخته في هذه الرواية هي زينب بلا ريب لأنها هي التي كانت تراقب أحوال أخيها في كل وقت ساعة فساعة وتتبادل معه الكلام فيما يحدث من الأمور والأحوال...

 

وقد روى ابن طاوس هذه الرواية مع بعض الزيادة وصرح بان اسمها زينب فقال فسمعت أخته زينب الضجة إلى أن قال فلطمت زينب وجهها وصاحت ونادت بالويل فقال لها الحسين (ع) ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله لا تشمتي القوم بنا.

 

وقال ابن الأثير: ([4]) نهض عمر بن سعد إلى الحسين عشية الخميس لتسع مضين من المحرم بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته فرفع رأسه فقال إني رأيت رسول الله (ص) في المنام فقال إنك تروح إلينا فلطمت أخته وجهها وقالت يا ويلتاه قال ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله ...

 

وقال المفيد: قال علي بن الحسين: إني لجالس في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جوين مولى أبي ذر الغفاري وهو أي جوين يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:

 

يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيلي

 

السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل وأما عمتي فإنها لما سمعت وهي امرأة ومن شان النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه...

 

فقالت: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي وثمال الباقي...

فنظر إليها الحسين (ع) فقال لها: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا ليلا لنام ...

فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ثم لطمت وجهها وهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها ...

فقام إليها الحسين وصب على وجهها الماء وقال: لها أيها يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وان كل شئ هالك إلا وجهه إلى أن قال فعزاها بهذا ونحوه ...

وقال لها: يا أخية إني أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.

 

وروى ابن طاوس في الملهوف هذا الخبر بنحو ما رواه المفيد وصرح باسم أخته زينب وزاد في الأبيات ما أقرب الوعد من الرحيل...

قال: ... فسمعت أخته زينب بنت فاطمة (ع) ذلك فقالت يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل ...

فقال: نعم يا أختاه ...

فقالت زينب: وا ثكلاه ينعى الحسين إلي نفسه. الحديث.

 

وقال ابن الأثير في الكامل سمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري يعالج سيفه: يا دهر أف لك من خليل الأبيات الثلاثة المتقدمة ثم ذكر تمام الخبر بنحو مما ذكره المفيد وابن طاوس...

 

وصية الحسين (ع) للنساء:

ثم ذكر ابن طاوس انه خاطب النساء وفيهن زينب وأم كلثوم فقال انظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن علي وجها ولا تقلن هجرا.

 

زينب (ع) عند مقتل علي الأكبر:

وقال المفيد: لما قتل علي بن الحسين الأكبر خرجت زينب أخت الحسين مسرعة تنادي يا حبيباه ويا ابن أخياه وجاءت حتى أكبت عليه فاخذ الحسين برأسها فردها إلى الفسطاط.

 

عند بروز الحسين (ع) للقتال:

قال ابن الأثير: حمل الناس على الحسين عن يمينه وشماله فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا فما رئي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه...إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب ...

 

فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول ليت السماء أطبقت على الأرض وقد دنا عمر بن سعد فقالت يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر فدمعت عيناه حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف وجهه عنها.

 

يوم الحادي عشر من محرم:

قال ابن طاوس: لما كان اليوم الحادي عشر بعد قتل الحسين (ع) حمل ابن سعد معه نساء الحسين وبناته وأخواته فقال النسوة بحق الله ألا ما مررتم بنا على مصرع الحسين فمروا بهن على المصرع فلما نظر النسوة إلى القتلى فوالله لا أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب:

 

يا محمداه صلى عليك مليك السما هذا حسينك مرمل بالدما مقطع الأعضاء وبناتك سبايا إلى الله المشتكى والى محمد المصطفى والى علي المرتضى والى فاطمة الزهراء والى حمزة سيد الشهداء يا محمداه هذا حسين بالعرا تسفي عليه ريح الصبا قتيل أولاد البغايا وا حزناه وا كرباه عليك يا أبا عبد الله اليوم مات جدي رسول الله يا أصحاب محمد هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا...

 

وفي بعض الروايات: وا محمداه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب والردا بأبي من أضحى عسكره يوم الاثنين نهبا بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى بأبي من نفسي له الفدا بأبي المهموم حتى قضى بأبي العطشان حتى مضى بأبي من شيبته تقطر بالدما بأبي من جده رسول إله السماء بأبي من هو سبط نبي الهدى بأبي محمد المصطفى بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى بأبي فاطمة الزهراء بأبي من ردت له الشمس حتى صلى ... فأبكت والله كل عدو وصديق.

 

ولما دخلوا الكوفة جعل أهلها يناولون الأطفال الخبز والجبن والتمر والجوز فكانت زينب تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وترمي به وتقول يا أهل الكوفة ان الصدقة علينا حرام.

 

خطبة زينب (ع) بالكوفة:

روى ابن طاوس: انه لما جئ بسبايا أهل البيت إلى الكوفة جعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون قال بشر بن خزيم الأسدي ونظرت إلى زينب بنت علي (ع) يومئذ فلم أر خفرة انطق منها كأنها تفرع عن لسان أمير المؤمنين (ع) وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا... فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس ثم قالت:

 

الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطاهرين...

أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر أتبكون فلا رقات الدمعة ولا قطعت الرنة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمر الأعداء أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة الا ساء ما قدمت لكم أنفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون...

 

أتبكون وتنتحبون إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وانى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة ألسنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة...

 

ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله (ص) فريتم وأي كريمة له أبرزتم وأي دم سفكتم وأي حرمة له انتهكتم لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء نأناء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السما أفعجبتم أن مطرت السماء دما فلعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثار وان ربكم بالمرصاد ...

 

قال فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزي ولا يبزي.

 

دخول سبايا أهل بيت النبوة (ع) على بن زياد:

قال المفيد: ادخل عيال الحسين (ع) على ابن زياد فدخلت زينب أخت الحسين (ع) في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحفت بها إماؤها ...

 

فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها؟

فلم تجبه زينب...

فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) ...

 

وكان هذه الأمة أرادت لفت نظره إلى لزوم تعظيمها واحترامها بكونها بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) وكفى ذلك في لزوم تعظيمها واحترامها ولكن أبى له كفره وخبثه ولؤم عنصره إلا أن يتجهم لها في جوابه ويجيبها بأقبح جواب وهو الذي صرح بالكفر لما وضع رأس الحسين (ع) بين يديه بقوله يوم بيوم بدر...

 

فاقبل عليها ابن زياد فقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ...

 

فأجابته جواب الركين الرصين العارف بمواقع الكلام فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص) وطهرنا من الرجس تطهيرا إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله...

فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك...

فقالت: كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاجون إليه وتختصمون عنده وفي رواية غير المفيد أنها قالت: ما رأيت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك أمك يا ابن مرجانة...

 

قال المفيد: فغضب ابن زياد واستشاط لما أفحمه جوابها فقال له عمر بن حريث: أيها الأمير إنها امرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها ولا تذم على خطائها...

 

فعاد حينئذ إلى ما جبل عليه من سوء القول فقال لها ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك...

فرقت زينب وبكت وقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فان يشفك هذا فقد اشتفيت...

فقال ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا ...

فقالت: ما للمرأة والسجاعة إن لي عن السجاعة لشغلا ولكن صدري نفث بما قلت.

 

دفاع السيدة زينب (ع) عن الإمام السجاد (ع):

وسأل علي بن الحسين من أنت؟

فأخبره ...

فقال: أليس قد قتل الله علي ابن الحسين ...

فقال: كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس...

قال: بل الله قتله...

قال: الله يتوفى الأنفس حين موتها...

فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه...

 

وهكذا يكون حال من يعجز عن الجواب الحق من الظلمة أن يلجأ إلى السيف فتعلقت به زينب عمته...

وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته، وقالت: لا والله لا أفارقه فان قتلته فاقتلني معه...

فنظر ابن زياد إليها واليه ساعة ثم قال: عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت أني قتلتها معه دعوه فاني أراه لما به.

وفي رواية أن عليا (ع) قال لعمته: اسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم اقبل عليه فقال: أبالقتل تهددني أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة ...

 

زينب (ع) في خربة الكوفة:

ثم أمر ابن زياد بهم فحملوا إلى دار بجنب المسجد الأعظم فقالت زينب بنت علي (ع) لا تدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو مملوكة فإنهن سبين كما سبينا ...

 

وهذا غاية ما في وسع زينب من إظهار الحزن والتألم لما أصابهم وإظهار فضائح الظالمين...

 

ثم إن ابن زياد بعث بهم إلى الشام إجابة لطلب يزيد بن معاوية ومعهم الرؤوس وفيها رأس الحسين (ع) ...

 

زينب في مجلس يزيد:

فدعا بالرأس الشريف فوضع بين يديه ...

 

قال المفيد: ثم دعا يزيد بالنساء والصبيان فاجلسوا بين يديه ... قالت فاطمة بنت الحسين (ع): فقام إليه رجل من أهل الشام احمر ...

فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية،...

 

فأرعدت وظنت أن ذلك جائز عندهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وكانت أكبر منها...

فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولؤمت ما ذاك لك ولا له...

فغضب يزيد وقال: كذبت إن ذلك لي ولو شئت أن افعل لفعلت...

قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها...

فاستطار يزيد غضبا وقال إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ...

قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدك وأبوك إن كنت مسلما...

قال: كذبت يا عدوة الله...

قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك...

فكأنه استحيا وسكت...

 

وقال ابن طاوس: أن زينب بنت علي (ع) لما رأت رأس أخيها بين يدي يزيد أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين: يقرح القلوب يا حسيناه يا حبيب رسول الله يا ابن مكة ومنى يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء يا ابن بنت المصطفى...

قال الراوي: فأبكت والله كل من كان حاضرا في المجلس ويزيد ساكت.

 

خطبة السيدة زينب (ع) بالشام:

روى ابن طاوس في كتاب الملهوف على قتلى الطفوف: انه لما جئ برأس الحسين (ع) إلى يزيد بالشام دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (ع) ويقول من جملة أبيات:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل

 

فقامت زينب بنت علي (ع) فقالت:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله كذلك حيث يقول ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول الله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ...

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدنئ والشريف ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي وكيف ترتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه بدماء الشهداء وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والإحن والأضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم.

لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك وقد نكات القرحة واستأصلت الشافة بإراقتك دماء ذرية محمد (ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلترون وشيكا موردهم ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا ...

فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله (ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ لهم بحقهم ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وحسبك بالله حاكما وبمحمد (ص) خصيما وبجبرئيل ظهيرا وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا واضعف جندا ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك اني لأستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكبر توبيخك...

لكن العيون عبرى والصدور حرى ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء فهذه الأيدي تنطف من دمائنا والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعقرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنما لنجدننا وشيكا مغرما حيث لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد فإلى الله المشتكى وعليه المعول ...

فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا ترحض عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة انه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل...

 

فقال يزيد:

يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون النوح على النوائح

 

رحلة العودة من الشام إلى المدينة المنورة: ([5])

قال ابن الأثير: أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه فكانوا حولهم كهيئة الحرس وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة ...

 

فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشئ؟

فقالت: والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا بهما إليه واعتذرتا فرد الجميع..

وقال: لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله (ص).

 

هذه نبذة مما جرى على أهل بيت الرسالة من الظلم والفظائع الفادحة من أمة جدهم الرسول (ص) فكانت الأمة بين مقاتل وخاذل إلا نفرا يسيرا قاتلوا فقتلوا أو عمهم الخوف فسكتوا لا يقدرون لقلتهم على كثير ولا قليل فكان هذا جزاء رسول الله (ص) من أمة هداها إلى الإسلام وطهرها من عبادة الأوثان والأصنام وأوصاها بعترته وأهل بيته وأكد الوصية فجعلها أحد الثقلين كتاب الله والعترة وجعلها بمنزلة سفينة نوح وباب حطة وجعل المتقدم عليها هالكا والمتأخر عنها مارقا فكيف تكون بعد هذا خير أمة أخرجت للناس بجميعها لا بمجموعها وكيف يكون خير القرون قرنه ثم الذي يليه ثم الذي يليه وإنما مهدت القرون طريق ظلم أهل البيت للذي يليها.

 

بعض ما نسب إليها من المواعظ والحكم: ([6])

ذكر في كتاب بلاغات النساء: حدثني أحمد بن جعفر بن سليمان الهاشمي كانت زينب بنت علي تقول:

- من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده ألم تسمع إلى قولهم سمع الله لمن حمده فخف الله لقدرته عليك واستح منه لقربه منك... ([7])

 

تحقيق حول محل قبرها (سلام الله عليها):

يجب أن يكون قبرها في المدينة المنورة فإنه لم يثبت أنها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها وان كان تاريخ وفاتها ومحل قبرها بالبقيع وكم من أهل البيت أمثالها من جهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصا النساء وفيما الحق برسالة نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين في النجف وكربلا المطبوعة بالهند نقلا عن رسالة تحية أهل القبور بالمأثور عند ذكر قبور أولاد الأئمة (ع) ما لفظه: ومنهم زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) وكنيتها أم كلثوم قبرها في قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار خارج دمشق الشام معروف جاءت مع زوجها عبد الله بن جعفر أيام عبد الملك بن مروان إلى الشام سنة المجاعة ليقوم عبد الله بن جعفر في ما كان له من القرى والمزارع خارج الشام حتى تنقضي المجاعة فماتت زينب هناك ودفنت في بعض تلك القرى هذا هو التحقيق في وجه دفنها هناك وغيره غلط لا أصل له فاغتنم فقدوهم في ذلك جماعة فخبطوا العشواء بحروفه.

 

وفي هذا الكلام من خبط العشواء مواضع ...

 

أولا: أن زينب الكبرى لم يقل أحد من المؤرخين أنها تكنى بأم كلثوم فقد ذكرها المسعودي والمفيد وابن طلحة وغيرهم ولم يقل أحد منهم أنها تكنى أم كلثوم بل كلهم سموها زينب الكبرى وجعلوها مقابل أم كلثوم الكبرى وما استظهرناه من أنها تكنى أم كلثوم ظهر لنا أخيرا فساده ([8]) ...

 

ثانيا: قوله قبرها في قرب زوجها عبد الله بن جعفر ليس بصواب ولم يقله أحد فقبر عبد الله بن جعفر بالحجاز ففي عمدة الطالب والاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وغيرها انه مات بالمدينة ودفن بالبقيع وزاد في عمدة الطالب القول بأنه مات بالأبواء ودفن بالأبواء ولا يوجد قرب القبر المنسوب إليها براوية قبر ينسب لعبد الله بن جعفر...

 

ثالثا: مجيئها مع زوجها عبد الله بن جعفر إلى الشام سنة المجاعة لم نره في كلام أحد من المؤرخين مع مزيد التفتيش والتنقيب وإن كان ذكر في كلام أحد من أهل الاعصار الأخيرة فهو حدس واستنباط كالحدس والاستنباط من صاحب التحية فان هؤلاء لما توهموا أن القبر الموجود في قرية راوية خارج دمشق منسوب إلى زينب الكبرى وإن ذلك أمر مفروع منه مع عدم ذكر أحد من المؤرخين لذلك استنبطوا لتصحيحه وجوها بالحدس والتخمين لا تستند إلى مستند فبعض قال إن يزيد (عليه اللعنة) طلبها من المدينة فعظم ذلك عليها فقال لها ابن أخيها زين العابدين (ع) انك لا تصلين دمشق فماتت قبل دخولها وكأنه هو الذي عده صاحب التحية غلطا لا أصل له ووقع في مثله وعده غنيمة وهو ليس بها وعد غيره خبط العشواء وهو منه فاغتنم فقدوهم كل من زعم أن القبر الذي في قرية راوية منسوب إلى زينب الكبرى وسبب هذا التوهم أن من سمع أن في رواية قبرا ينسب إلى السيدة زينب سبق إلى ذهنه زينب الكبرى لتبادر الذهن إلى الفرد الأكمل فلما لم يجد أثرا يدل على ذلك لجا إلى استنباط العلل العليلة.

 

ونظير هذا أن في مصر قبرا ومشهدا يقال له مشهد السيدة زينب وهي زينب بنت يحيى وتأتي ترجمتها والناس يتوهمون انه قبر السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) ولا سبب له إلا تبادر الذهن إلى الفرد الأكمل، وإذا كان بعض الناس اختلق سببا لمجئ زينب الكبرى إلى الشام ووفاتها فيها فما ذا يختلقون لمجيئها إلى مصر وما الذي أتى بها إليها لكن بعض المؤلفين من غيرنا رأيت له كتابا مطبوعا بمصر غاب عني الآن اسمه ذكر لذلك توجيها بأنه يجوز أن تكون نقلت إلى مصر بوجه خفي على الناس. مع أن زينب التي بمصر هي زينب بنت يحيى حسنية أو حسينية كما يأتي وحال زينب التي برواية حالها...

 

رابعا: لم يذكر مؤرخ أن عبد الله بن جعفر كان له قرى ومزارع خارج الشام حتى يأتي إليها ويقوم بأمرها وإنما كان يفد على معاوية فيجيزه فلا يطول أمر تلك الجوائز في يده حتى ينفقها بما عرف عنه من الجود المفرط فمن أين جاءته هذه القرى والمزارع وفي أي كتاب ذكرت من كتب التواريخ ...

 

خامسا: إن كان عبد الله بن جعفر له قرى ومزارع خارج الشام كما صورته المخيلة فما الذي يدعوه للإتيان بزوجته زينب معه وهي التي أتي بها إلى الشام أسيرة بزي السبايا وبصورة فظيعة وأدخلت على يزيد مع ابن أخيها زين العابدين وباقي أهل بيتها بهيئة مشجية فهل من المتصور أن ترغب في دخول الشام ورؤيتها مرة ثانية وقد جرى عليها بالشام ما جرى وان كان الداعي للإتيان بها معه هو المجاعة بالحجاز فكان يمكنه أن يحمل غلات مزارعه الموهومة إلى الحجاز أو يبيعها بالشام ويأتي بثمنها إلى الحجاز أو يبيعها بالشام ويأتي بثمنها إلى الحجاز ما يقوتها به فجاء بها إلى الشام لإحراز قوتها فهو مما لا يقبله عاقل فابن جعفر لم يكن معدما إلى هذا الحد مع أنه يتكلف من نفقة إحضارها وإحضار أهله أكثر من نفقة قوتها فما كان ليحضرها وحدها إلى الشام ويترك باقي عياله بالحجاز جياعى...

 

سادسا: لم يتحقق أن صاحبة القبر الذي في راوية تسمى زينب لو لم يتحقق عدمه فضلا عن أن تكون زينب الكبرى وإنما هي مشهورة بأم كلثوم كما مر في ترجمة زينب الصغرى لا الكبرى على أن زينب لا تكنى بأم كلثوم وهذه مشهورة بأم كلثوم.

 

وجاء في قاموس الرجال لسماحة الشيخ محمد تقي التستري (أعلى الله مقامه) ما يلي: ([9])

 

.: زينب بنت علي (عليه السلام) :.

 

في مقاتل أبي الفرج: هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة (عليها السلام) في فدك، فقال: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي (عليهما السلام) ([10]).

 

وروى الإكمال ([11]) والغيبة ([12]) وإثبات الوصية خبرا عن أحمد بن إبراهيم، عن بنت الجواد (عليه السلام) في وصية العسكري (عليه السلام) إلى أمه، فقلت لها: أقتدي بمن في وصيته إلى المرأة ؟

 

فقالت: بالحسين (عليه السلام) أوصى إلى أخته زينب في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين (عليهما السلام) من علم ينسب إلى زينب تسترا على علي بن الحسين (عليهما السلام) ([13]).

 

وفي الطبري: قال أبو مخنف: عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي (عليه السلام) قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد رق لنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: هب لي هذه - يعنيني - فأرعدت وفرقت وأخذت بثياب أختي زينب، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون،...

فقالت: كذبت والله ولؤمت! ما ذلك لك وله، ...

 

فغضب يزيد فقال: كذبت، أن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت، ...

قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا،...

 

فغضب واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، ...

فقالت: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك، ...

قال: كذبت يا عدوة الله، فقالت: " أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك " فكأنه استحيى فسكت ([14]).

 

ونقله الإرشاد ([15]) واللهوف ([16]) لكن بدلا " فاطمة بنت علي " بفاطمة بنت الحسين (عليه السلام). والظاهر أن الصواب الأول، لكونه الأصل.

 

خطبتها (عليها السلام) في مجلس ابن زياد:

وفي اللهوف، وقال بشير بن خزلم الأسدي نظرت إلى زينب بنت علي (عليهما السلام) يومئذ - ولم أر خفرة أنطق والله منها كأنها تفرغ من لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) - وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت:

الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار،...

أما بعد...

يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر، أتبكون!

فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة، ...

ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، ...

أتبكون وتنتحبون ؟

إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون، وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ...

ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأي كريمة له أبرزتم وأي دم له سفكتم وأي حرمة له انتهكتم ؟

ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملاء السماء ؟

أفعجبتم أن مطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يخفره البدار ولا يخاف فوت الثأر، وأن ربكم لبالمرصاد.

 

قال الراوي: فو الله! لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبانكم خير الشبان ونساءكم خير النساء ([17]).

 

ورواه بلاغات نساء " أحمد بن أبي طاهر البغدادي " مع اختلاف بإسنادين، لكن ناسبا لها إلى أم كلثوم ([18]).

 

خطبتها (عليها السلام) في مجلس يزيد بن معاوية:

وفي اللهوف: لما دعا يزيد بقضيب وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السلام) ويتمثل بأبيات ابن الزبعري:

 

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

إلى قوله:

لست من خندف إن لم انتقم * من بني أحمد ما كان فعل

 

قامت زينب فقالت:

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله سبحانه إذ يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون)...

أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء أن بنا هوانا عليه وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرا لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) ([19]) ...

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن،...

تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد يستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي،...

وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف لا يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنئان والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا متعظم:

لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم ولتودنَّ أنك شللت وبكمت ولم تكن فعلت ما فعلت وقلت ما قلت،...

فو الله! ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، وحسبك بالله حاكما وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيما وبجبرئيل ظهيرا وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، وأنكم شر مكانا وأضعف جندا،...

ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك أني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء لحزب الشيطان الطلقاء فهذه الأيدي تنطف من دمائنا وتلك الأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد فإلى الله المشتكى وعليه المعول،...

فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، ...

فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

فقال يزيد:

يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح([20])

 

ومعنى قولها:

" لقتل حزب الله النجباء لحزب الشيطان الطلقاء " قتل الناس حزب الله لأجل حزب الشيطان.

 

خبر دخول السبايا على ابن زياد:

وفي الطبري ([21]) والإرشاد ([22]) واللهوف، واللفظ للأخير: جلس ابن زياد في القصر للناس وأذن إذنا عاما وجئ برأس الحسين (عليه السلام) فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين (عليه السلام) وصبيانه إليه، فجلست زينب بنت علي (عليهما السلام) فأقبل عليها ...

فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، ...

فقالت: إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا، ...

فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟ ...

فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن يكون الفلج يومئذ هبلتك أمك يا ابن مرجانة، ...

 

فغضب ابن زياد وكأنه هم بها، فقال له عمرو بن حريث: إنها مرأة والمرأة لا تؤخذ بشيء من منطقها، ...

فقال ابن زياد: لقد شفي الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، ...

فقالت: لعمري! لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت، ...

فقال ابن زياد: هذه سجاعة ولقد كان أبوك شاعرا سجاعا، ...

فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة ([23]).

 

وزاد الطبري: إن لي عن السجاعة لشغلا ولكن نفثي ما أقول.

 

أبنائها (عليها السلام):

وعد (نسب قريش مصعب الزبيري) أولادها من زوجها عبد الله بن جعفر ثلاث بنين، وهم: جعفر الأكبر وعون الأكبر وعلي وبنتين أم كلثوم وأم عبد الله ([24]). هذا، وعد مقاتل أبي الفرج المقتولين بالطف من ولد عبد الله بن جعفر ثلاثة " محمد وعبيد الله " من الخوصاء بنت خصفة، و " عون الأكبر " من زينب ([25]). وأما الطبري والزبيري فلم يذكرا فيهم من ولدها، بل جعل المقتول " عونا الأصغر " من جمانة بنت المسيب بن نجبة و " محمدا الأصغر " من بنت خصفة وزاد الثاني أن " عونا الأكبر " من زينب انقرض وكان أبوه يجديه وجدًا شديدًا وحزن عليه حزنا وعرف فيه حتى أبصر بعد ورجع.

 

هذا، والترجمة لزينب الكبرى من فاطمة (عليها السلام) وله (عليه السلام) زينب الصغرى من أم ولد، وفي نسب قريش الزبيري: " كانت زينب الصغرى عند محمد بن عقيل فولدت له عبد الله الذي يحدث عنه، وفيه: العقب من ولد عقيل " ([26]) وقلنا في " أم كلثوم ": أن قول الإرشاد أنها أيضا " زينب الصغرى " وهم.

 


[1] - ( ج 24 - ص 219)

[2] - الفقيه: الجزء 3، باب معرفة الكبائر، الحديث 1754.

[3] - (ج 7 - ص 137 ....)

[4] - (ج 4 ص 29)

[5] - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 7 - ص 140 - 141

[6] - في مجلة العرفان ج 1 (ص) 86

[7] - ولم أجد هذا الكلام في كتاب بلاغات النساء تأليف أحمد بن أبي طاهر المطبوع بمصر عام 1326.

[8] - كما مر في ترجمة زينب الصغرى

[9] - ( ج 12 / ص 268 – 273)

[10] - مقاتل الطالبيين: 60.

[11] - إكمال الدين: 501.

[12] - غيبة الطوسي: 138.

[13] - إثبات الوصية: 231، وفيه:....

[14] - تاريخ الطبري: 5 / 461.

[15] - إرشاد المفيد: 246.

[16] - اللهوف: 81.

[17] - اللهوف: 64 - 65.

[18] - بلاغات النساء: 23.

[19] - آل عمران: 178.

[20] - اللهوف: 78 - 81.

[21] - تاريخ الطبري: 5 / 457.

[22] - إرشاد المفيد: 244.

[23] - اللهوف: 69.

[24] - نسب قريش: 82.

[25] - مقاتل الطالبيين: 60.

[26] - نسب قريش: 85.