في رحاب اُصول العقيدة ومباحث الكلام

 

كان الإمام (ع) في زمانه وحيد عصره في الإجابة على الأسئلة العقائدية المعقّدة ولا سيّما ما تعرضت له الاُمّة الإسلامية من تيارات فكرية مستوردة أو دخيلة تحاول زعزعة كيان العقيدة الخالصة كمباحث القضاء والقدر والجبر والإختيار التي ظهرت بوادرها في حياة الإمام أمير المؤمنين (ع) وأخذت بالنمو والانتشار بحيث شكّلت ظاهرة فكرية تستدعي الانتباه وتتطلّب العلاج.

وبرز الإمام عليّ بن الحسين (ع) على الصعيد العلمي بروزاً جعله مناراً يشار إليه، وآمن به المسلمون جميعاً حتى قال الزهري عنه: ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين ولا أفقه منه.

وقد اعترف بهذه الحقيقة حكّام عصر الإمام من خلفاء بني اُميّة ـ وهم لا يعترفون بالفضل لمن يطاولهم في الخلافة والسلطان ـ حتى قال عبد الملك ابن مروان للإمام زين العابدين (ع): ولقد اُوتيت من العلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك قبلك إلاّ من مضى من سلفك. ووصفه عمر بن عبد العزيز بأنّه سراج الدنيا وجمال الإسلام.

وممّا ورد عنه في القضاء والقدر أنّ رجلاً سأله: جعلني الله فداك، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟
فأجابه (ع): (إنّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير جسد لا تحسّ، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق، وكان القدر شيئاً لا يحسّ، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر; لم يمض ولم يتمّ ولكنهما باجتماعهما، ولله فيه العون لعباده الصالحين) ثم قال (ع):

 (ألا إنّ من أَجور الناس من رأى جوره عدلاً وعدل المهتدي جوراً، ألا إنّ للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمر آخرته، وعينان يبصر بهما أمر دنياه، فإذا أراد الله عزوجل بعبد خيراً; فتح له العينين اللّتين في قلبه فأبصر بهما العيب، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه) ثمّ التفت إلى السائل عن القدر فقال: (هذا منه، هذا منه)(1).
وقال (ع) في بيان استحالة أن يوصف الله تعالى بالمحدودية التي هي من صفات الممكن:
(لا يوصف الله تعالى بالمحدودية عظم الله ربّنا عن الصفة، وكيف يوصف بمحدودية من لا يُحَدّ، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)(2) ؟
الإمام زين العابدين (ع) ينصّ على الأئمّة من بعده ويبشّر بالمهدي (ع):
1 ـ روى (ع) عن جابر بن عبدالله الأنصاري حديثاً طويلاً جاء فيه: أنّ رسول الله (ص) أشار إلى سبطه الحسين قائلاً لجابر: (ومن ذرّيّة هذا رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً...)(3).
2 ـ وقال (ع) عن المهدىّ (ع): (إنّ الإسلام قد يُظهِرهُ الله على جميع الأديان عند قيام القائم)(4).
3 ـ وقال (ع): (إذا قام القائم; أذهب الله عن كلّ مؤمن العاهة وردّ اليه قُوَّتَه)(5).
4 ـ وذكر (ع) أنّ سنن الأنبياء تجري في القائم من آل محمد (ص): فمن آدم ونوح طول العمر، ومن إبراهيم خفاء الولادة واعتزال الناس، ومن موسى الخوف والغَيْبة، ومن عيسى (ع) اختلاف الناس فيه، ومن أيّوب الفَرَج بَعد البلوى، ومن محمّد (ص) الخروج بالسيف(6).
5 ـ وقال عن خفاء ولادته على الناس: (القائم منّا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا لم يولَد بَعد ليخرجَ حينَ يخرج وليس لأحد في عنقهِ بيعة)(7).
6 ـ وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي(8) قال:
دخلت على سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) فقلت له: يابن رسول الله! أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودّتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله (ص).
فقال لي: (يا أبا كنكر! إنّ اُولي الأمر الذين جعلهم الله أئمّة الناس وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا)، ثم سكت.
فقلت له: يا سيّدي! روي لنا عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: (لا تخلو الأرض من حجّة لله على عباده) فمن الحجّة والإمام بعدك ؟
قال: (ابني (محمّد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقراً، هو الحجّة والإمام بعدي، ومن بعد محمّد ابنه (جعفر) اسمه عند أهل السماء (الصادق)).
فقلت له: يا سيّدي فكيف صار اسمه: (الصادق)، وكلّكم صادقون ؟
فقال: (حدّثني أبي عن أبيه أنّ رسول الله قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فسموه الصادق، فإنّ الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه، فهو عند الله (جعفر الكذّاب) المفتري على الله، المدّعي لما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يكشف سرّ الله عند غيبة وليّ الله).
ثم بكى عليّ بن الحسين بكاءاً شديداً، ثمّ قال:
(كأنـّي بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ الله، والمغيّب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه بولادته، وحرصاً على قتله إن ظفر به، طمعاً في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقّه).
قال أبو خالد: فقلت له: يابن رسول الله وإنّ ذلك لكائن ؟
فقال: (أي وربّي إنّه المكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (ص)).
قال أبو خالد: فقلت: ياابن رسول الله ثمّ يكون ماذا ؟
قال: (ثمّ تمتد الغيبة بوليّ الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة بعده، يا أبا خالد! إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، اُولئك المخلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً). وقال (ع): (انتظار الفرج من أعظم الفرج)(9).

المصدر: أعلام الهداية (الإمام علي بن الحسين) / المجمع العالمي لأهل البيت.



1- التوحيد للشيخ الصدوق: 366 ـ 367 منشورات جامعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، الطبعة السادسة.
2- حياة الإمام زين العابدين: 304.
3- معجم أحاديث الإمام المهدي (عج): 3 / 190.
4- المصدر السابق: 3 / 191.
5- المصدر السابق: 3 / 193.
6- معجم أحاديث الإمام المهدي (عج): 3 / 194.
7- المصدر السابق.
8- في الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: 1 / 60 قال: (قال الفضل بن شاذان: ولم يكن في زمن عليّ بن الحسين (ع) في أول أمره إلاّ خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيّب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن اُم الطويل، أبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر. ثم قال: وفي خبر الحواريّين أنّه من حواري عليّ بن الحسين (ع) وقد شاهد كثيراً من دلائل الأئمة (عليهم السلام).
9- الاحتجاج: 2 / 48 ـ 50 احتجاجات الإمام عليّ بن الحسين (ع).