المـقـالات

خطبة الإمام الصادق (ع) عند استلامه مهمّة الإمامة

 

لمّا أفضى أمر الله تعالى إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، جمع الشيعة وقام فيها خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وذكّرهم بأيّام الله، ثمّ قال (عليه السلام):

 

(إِنّ الله تعالى أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله) واجب حقّ إِمامه، وجد طعم حلاوة إِيمانه، وعلم فضل طلاوة إِسلامه ؛ لأنّ الله تعالى نصب الإمام علَماً لخلقه، وجعله حجّة على أهل مواده وعالمه، وألبسه تعالى تاج الوقار، وغشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده، ولا ينال ما عند الله إِلاّ بجهة أسبابه.

 

ولا يقبل الله أعمال العباد إِلاّ بمعرفته، فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل الله تعالى مختارهم لخلقه، من ولد الحسين (عليه السلام) من عقب كلّ إِمام إِماماً، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلّما مضى منهم إِمام نصب لخلقه من عقبه إِماماً، عَلماً بيّناً، وهادياً نيّراً، وإِماماً قيّماً، وحجّة عالماً، أئمّة من الله يهدون بالحقّ وبه يعدلون، حجج الله ودعاته، ورعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد، وتستهلّ بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد.

 

جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها، فالإمام هو المنتجب المرتضى، والهادي المنتجى، والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك، واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، وفي البرية حين برأه، ظلاً قبل خلق الخلق نسمة عن يمين عرشه، محبواً بالحكمة في عالم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره.

 

بقيّة من آدم (عليه السلام)، وخيرة من ذرّية نوح، ومصطفى من آل إِبراهيم، وسلالة من إِسماعيل، وصفوة من عترة محمّد (صلى الله عليه وآله)، لم يزل مرعيّاً بعين الله يحفظه ويكلأه بستره، مطروداً عنه حبائل إِبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق، ونفوث كلّ فاسق، مصروفاً عنه قوارف السوء، مبرأً من العاهات، معصوماً من الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبرّ في يفاعه، منسوباً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً إليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته، فإذا انقضت مدّة والده إلى أن انتهت به مقادير الله إلى مشيّته، وجاءت الإرادة من الله فيه إلى محبّة، وبلغ منتهى مدّة والده (صلى الله عليه وآله)، فمضى وصار أمر الله إليه من بعده، وقلّده دينه، وجعله الحجّة على عباده، وقيّمه في بلاده، وأيّده بروحه، وآتاه علمه، وأنبأه فصل بيانه، ونصبه عَلماً لخلقه، وجعله حجّةً على أهل عالمه، وضياءً لأهل دينه، والقيّم على عباده، رضي الله به إِماماً لهم، استودعه سرّه، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله، وفرائضه وحدوده.

 

فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه (عليهم السلام)، فليس يجهل حقّ هذا العالم إِلاّ شقي، ولا يجحده إِلاّ غوي، ولا يصدّ عنه إِلاّ جريء على الله تعالى).

 

المصدر: غاية المرام وحجة الخصام / السيد هاشم البحراني.