فصول من السيرة العلوية (1)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

 

1- الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وهو الإمام الأول من أئمة أهل البيت (ع) كما نص على ذلك القرآن الكريم والسنة الشريفة.

 

2- وُلد (ع) في اليوم الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة وكانت ولادته في مكة المكرمة في البيت الحرام وسط الكعبة الشريفة، وهي منقبةٌ لم تكن لأحد قبله ولم تتفق لأحدٍ بعده، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف فهو هاشميُّ الأب والأم وكان أول من وُلد من هاشميين.

 

3- تولَّى رسول الله (ص) تربيته بنفسه كما نص على ذلك التاريخ والروايات المتواترة وكان عليه السلام يفتخر بذلك، وأفاد في بعض المواطن " وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويُمُّسني جسده ويُشمني عرفه وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل. ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علمًا ويأمرني بالإقتداء به. ولم يجمع بيت واحد يؤمئذٍ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشمُّ ريح النبوة ".

 

4- بعث رسول الله (ص) بالنبوة بعد عام الفيل بأربعين سنة وآمن به علي من فوره وصلّى معه ولذلك كان رسول الله (ص) يقول: " أنت أول من آمن بي وأنت أول من يصافحني يوم القيامة وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل ".

 

وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (ص): " لقد صلَّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين وذلك أنه لم يصلَّ معي رجل غيره " والروايات في ذلك تفوق حد الاستفاضة من الفريقين.

 

5- لما أنّ كلف الله رسوله (ص) إنذار عشيرته الأقربين كان علي معه وكان هو أول من أعلن المؤازرة لرسول الله (ص) فكان حديث الدار المشهور بين الفريقين. حيثُ أفاد حينذاك رسول الله (ص) " فأيكم يؤازرني على هذه الأمر على أن يكون أخي ووصيِّ وخليفتي من بعدي " فحين أعلن عليٌّ عن استعداده لمؤازرته قال رسول الله (ص) " إن هذا أخي ووصيِّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ".

 

6- ظلَّ علي (ع) يؤازر رسول الله (ص) ويُساهم في حياطته من أذى قريش وكان ملازمًا له في كل موقع من مواقع الدعوة وكان يذهب معه إلى غار حراء، وحين يخلد رسول الله (ص) للراحة كان علي (ع) معه في داره.

 

7- وحين حُوصر رسول الله (ص) في شعب أبي طالب ومنعوا عنه وعن عشيرته الماء والطعام ثلاث سنين كان علي (ع) معه، وكان أبو طالب يأمر عليًا أن ينام على فراش رسول الله (ص) إيهامًا لقريش لئلا يطيش سهم منهم فيصيب رسول الله (ص).

 

8- وحين تُوفيت خديجة وأبو طالب عليهما السلام هاجر رسول الله (ص) إلى الطائف وكان عليٌ (ع) برفقته يحضر معه مجالس العرب ويتكبَّد معه عناء القسوة والسخرية وصنوف الإهانة والإيذاء من قبل عرب الطائف.

 

9- بعدئذٍ كان الإسلام قد بدأ في الانتشار واسقط في أيدي قريش حيث لم يتمكنوا من وأده أو محاصرته فكان رسول الله (ص) يلتقي وفود العرب ويدعوهم إلى الإسلام ويتلو عليهم القرآن، وفي تلك المرحلة وقعت بيعة العقبة الأولى والثانية وكان عليٌّ والحمزة وجمع من بني هاشم يحولون دون وصول قريش ويؤكدون على عرب يثرب العهود والمواثيق بأن ينصروا رسول الله (ص) ويعزِّروه ويوقِّروه.

 

10- وحين ذاع أمرُ رسول الله ودعوته في يثرب واقتضى رأي قريش تصفية رسول الله (ص) هاجر إلى يثرب وحينها عهد إلى علي أن يبيت على فراشه إيهامًا لقريش وأخبره أن ذلك بأمرِ من الله عز وجل فقال علي (ع) " أوتسلمنَّ بمبيتي هناك يا نبي الله قال نعم فتبسم عليٌّ ضاحكًا وأهوى إلى الأرض ساجدًا ثم قال (ع): امضي فداك سمعي وبصري وسويدا قلبي ومرني بما شئت " فقال رسول الله (ص) وما صبرك على ذلك فقال (ع) أن ذاك ليس من مواطن الصبر وإنما هو من مواطن البُشرى. ثم ضمه النبي (ص) إلى صدره وبكى وجدًا عليه وحينئذٍ باهى الله عز وجلَّ بعليٍ ملائكته، فما عرف التاريخ إيثارًا بحجم هذا الإيثار. ونزل جبرئيل على قلب رسول الله (ص) بهذه الآية ?وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ?([1]).

 

11- ثم أن عليًا ذهب خلسة إلى غار ثور في الليلة الثانية ومعه ضرار بن أبي هاله، وحين اطمئن عليه وزوده بالطعام والشراب عاد إلى مكة ليرد ودائع رسول الله (ص) إلى الناس.

 

12- وحين أنفذ عليٌ (ع) وصايا رسول الله وردَّ ودائعه أّزمع الرحيل وحمل معه الفواطم (فاطمة بن رسول الله (ص)، فاطمة بن أسد، فاطمة بن الزبير) ولحق به بعض المستضعفين من المؤمنين، وحين أدركه بعض رجالات قريش وحاولوا منعه من الرحيل قال عليه السلام لهم بعد مناوشاتٍ كانت بينه وبينهم " من سرَّه أن أفري لحمه وأُهريق دمه فليتبعني أو فليدن مني ".

 

13- روى الكافي أن رسول الله (ص) بلغ المدنية لاثني عشر خلون من شهر ربيع الأول فنزل بقُبا وأقام هناك بضعهَ عشر يومًا ينتظر عليًا وقد استحثه المسلون وأبو بكر على النزول إلى المدنية إلا انه كان يأبى عليهم ويقول " ولست أُريم حتى يقدم ابنُ عمي وأخي في الله عز وجل وأحب أهل بيتي إليَّ فقد وقاني بنفسه من المشركين ". فانطلق أبو بكر وحده إلى المدنية وبقي رسول الله (ص) بأرض "قُبا" منتظرًا لعلي (ع) وحين وصل علي (ع) ومعه الفواطم رحل معه إلى المدينة وبنى هناك مسجده الشريف.

 

14- بعد أن بنى رسول الله (ص) مسجده الشريف ومضى زمن يقرب من الخسمة أشهر أو السبعة أشهر آخى بين أصحابه واصطفى من بين أصحابه عليًا فجعله أخًا له وقد تواترت الأخبار في ذلك، منها ما رواه أبو هريرة أن رسول الله (ص) أخذ بيد علي (ع) وقال: " هذا أخي " وفي خبر آخر قال أنت أخي في الدنيا والآخرة، فكان رسول الله (ص) وعلي أخوين.

 

15- زوّج رسول الله (ص) عليًا من فاطمة (ع) في أوائل الهجرة واختلف المؤرخون في تحديد ذلك الزمن فبين من يقول أن ذلك وقع بعد شهرين من الهجرة، وذكر الكليني أن ذلك وقع بعد سنة من الهجرة وبعضهم ذكر زمنًا آخر، هذا وقد كان قد تقدم لخطبة فاطمة (ع) جمع من الصحابة إلا أن رسول الله (ص) كان يأبى عليهم ثم لمَّا زوجها علي (ع) عاتبوه فأجاب (ص) " ما أنا زوجتها ولكنَّ الله تعالى زوجه ".

 

وقد روى انس بن مالك أن النبي (ص) قال لعلي (ع) هذا جبرئيل أخبرني أنَّ الله زوّجك فاطمة وأشهد على تزوجيها أربعين ألف ملك " رواه السيوطي في تذكرة الخواص.

 

وقعت غزوة بدر الصغرى بعد ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة وكان علي بن أبي طالب يحمل لواء رسول الله (ص)، وبعدها وقعت غزوة ذي العشيرة ولم يكن فيها قتال وفي هذه الواقعة لقّب رسول الله (ص) عليًا بأبي تراب حين وجده وعمارًا نائمين على ترابٍ لين وقد تتَّربا به فجاءهما رسول الله (ص) وقال لعلي " مالك يا أبا تراب ".

 

ثم قال (ص): "إلا أحدثكما بأشقى الناس رجلين"، قلنا: "بلى يا رسول الله"، ثم قال (ص): "أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه ووضع يده على مقِّدم رأسه حتى يبلَّ منها هذه وأشار إلى لحيته".

 

سماحة الشيخ محمد صنقور

18 من شهر رمضان 1425

 



[1]- البقرة/207.