حلمه وعفوه

لقد عُرف الإمام الحسن المجتبى (ع) بعظيم حلمه، وأدلّ دليل على ذلك هو تحمّله لتوابع صلحه مع معاوية الذي نازع علياً حقّه وتسلّق من خلال ذلك إلى منصب الحكم بالباطل، وتحمّل (ع) بعد الصلح أشد أنواع التأنيب من خيرة أصحابه، فكان يواجههم بعفوه وأناته، ويتحمّل منهم أنواع الجفاء في ذات الله صابراً محتسباً.

وروي أنّ مروان بن الحكم خطب يوماً فذكر علي بن أبي طالب (ع)، فنال منه والحسن بن علي (عليهما السلام) جالس، فبلغ ذلك الحسين (ع) فجاء إلى مروان فقال: يا ابن الزرقاء! أنت الواقع في عليّ؟!، ثم دخل على الحسن (ع) فقال: تسمع هذا يسبّ أباك ولا تقول له شيئاً؟!، فقال: وما عسيتُ أن أقول لرجل مسلّط يقول ما شاء ويفعل ما يشاء.

وذُكر أنّ مروان بن الحكم شتم الحسن بن علي (ع)، فلمّا فرغ قال الحسن: إنّي والله لا أمحو عنك شيئاً، ولكن مهّدك الله، فلئن كنت صادقاً فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذباً فجزاك الله بكذبك، والله أشدّ نقمةً منِّي.

وروي أنّ غلاماً له (ع) جنى جنايةً توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال: يا مولاي (والعافين عن الناس)، قال: عفوت عنك، قال: يا مولاي «والله يحب المحسنين)، قال: أنت حرٌ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك(1).

وروى المبرّد وابن عائشة: أنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن (ع) فسلّم عليه وضحك، فقال: (أيها الشيخ! أظنّك غريباً؟ ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسَوْناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً).

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ...(2).

المصدر: أعلام الهداية (الإمام الحسن الزكي) / المجمع العالمي لأهل البيت (ع).



1- بحار الأنوار: 43 / 352.
2- العوالم (الإمام الحسن): 121 نقلاً عن المناقب: 3 / 184.