» من شعراء الغدير » الشاعر الأمير أبو فراس الحمداني (المتوفى 357 هـ)

الحق مهتضم والدين مخترم * وفئ آل رسول الله مقتسم
والناس عندك لأناس فيحفظهم * سوم الرعاة ولا شاء ولا نعم
إني أبيت قليل النوم أرقني * قلب تصارع فيه الهم والهمم
وعزمة لا ينام الليل صاحبها * إلا على ظفر في طيه كرم
يصان مهري لأمر لا أبوح به * والدرع والرمح والصمصامة الحذم (1)
وكل مائرة الضبعين مسرحها * رمث الجزيرة والخذراف والعنم (2)
وفتية قلبهم قلب إذا ركبوا * وليس رأيهم رأيا إذا عزموا
يا للرجال أما لله منتصر * من الطغاة؟ أما لله منتقم
بنو علي رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدم
محلئون فأصفى شربهم وشل * عند الورود وأوفى ودهم لمم (3)
فالأرض إلا على ملاكها سعة * والمال إلا على أربابه ديم
فما السعيد بها إلا الذي ظلموا * وما الشقي بها إلا الذي ظلموا
للمتقين من الدنيا عواقبها * وإن تعجل منها الظالم الأثم
أتفخرون عليهم لا أبا لكم * حتى كأن رسول الله جدكم؟!
ولا توازن فيما بينكم شرف * ولا تساوت لكم في موطن قدم
ولا لكم مثلهم في المجد متصل * ولا لجدكم معاشر جدهم
ولا لعرقكم من عرقهم شبه * ولا نثيلتكم من أمهم أمم (4)
قام النبي بها (يوم الغدير) لهم * والله يشهد والأملاك والأمم
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * باتت تنازعها الذؤبان والرخم
وصيروا أمرهم شورى كأنهم * لا يعرفون ولاة الحق أيهم
تالله ما جهل الأقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا
ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * ولا لهم قدم فيها ولا قدم
لا يذكرون إذا ما معشر ذكروا * ولا يحكم في أمر لهم حكم
ولا رآهم أبو بكر وصاحبه * أهلا لما طلبوا منها وما زعموا
فهل هم مدعوها غير واجبة؟ * أم هل أئمتهم في أخذها ظلموا؟
أما علي فأدنى من قرابتكم * عند الولاية إن لم تكفر النعم
أينكر الحبر عبد الله نعمته؟ * أبوكم أم عبيد الله أم قثم؟!؟!
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن * أباهم العلم الهادي وأمهم
لا بيعة ردعتكم عن دمائهم * ولا يمين ولا قربى ولا ذمم
هلا صفحتم عن الأسرى بلا سبب * للصافحين ببدر عن أسيركم؟!
هلا كففتم عن الديباج سوطكم (5) * وعن بنات رسول الله شتمكم؟ (6)
ما نزهت لرسول الله مهجته * عن السياط فهلا نزه الحرم؟
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلك الجرائر إلا دون نيلكم
كم غدرة لكم في الدين واضحة * وكم دم لرسول الله عندكم
أنتم له شيعة فيما ترون وفي * أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
هيهات لا قربت قربى ولا رحم * يوما إذا أقصت الأخلاق والشيم
كانت مودة سلمان له رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم
يا جاهدا في مساويهم يكتمها * غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم؟ (7)
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا * مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكم
ذاق الزبيري غب الحنث وانكشفت * عن ابن فاطمة الأقوال والتهم (8)
باؤا بقتل الرضا من بعد بيعته * وأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا
يا عصبة شقيت من بعد ما سعدت * ومعشرا هلكوا من بعد ما سلموا
لبئسما لقيت منهم وإن بليت * بجانب الطف تلك الأعظم الرمم (9)
لاعن أبي مسلم في نصحه صفحوا * ولا الهبيري نجا الحلف والقسم (10)
ولا الأمان لأهل الموصل اعتمدوا * فيه الوفاء ولا عن غيهم حلموا (11)
أبلغ لديك بني العباس مالكة * لا يدعوا ملكها ملاكها العجم
أي المفاخر أمست في منازلكم * وغيركم آمر فيها ومحتكم؟
أنى يزيدكم في مفخر علم؟ * وفي الخلاف عليكم يخفق العلم
يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم * لمعشر بيعهم يوم الهياج دم
خلوا الفخار لعلامين إن سئلوا * يوم السؤال وعمالين إن عملوا
لا يغضبون لغير الله إن غضبوا * ولا يضيعون حكم الله إن حكموا
تنشى التلاوة في أبياتهم سحرا * وفي بيوتكم الأوتار والنغم
منكم علية أم منهم؟ وكان لكم * شيخ المغنين إبراهيم أم لهم؟ (12)
إذا تلوا سورة غنى إمامكم * قف بالطلول التي لم يعفها القدم
ما في بيوتهم للخمر معتصر * ولا بيوتكم للسوء معتصم
ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم * ولا يرى لهم قرد ولا حشم (13)
الركن والبيت والأستار منزلهم * وزمزم والصفى والحجر والحرم
وليس من قسم في الذكر نعرفه * إلا وهم غير شك ذلك القسم

ما يتبع الشعر:
توجد هذه القصيدة كما رسمناها 58 بيتا في ديوانه المخطوط المشفوع بشرحه لابن خالويه النحوي المعاصر له المتوفى بحلب في خدمة بني حمدان سنة 370، و خمس منها العلامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي 54 بيتا، وذكر تخميسه في [ منن الرحمان ] ج 1 ص 143 مستهله:

يا للرجال لجرح ليس يلتئم * عمر الزمان وداء ليس ينحسم
حتى متى أيها الأقوام والأمم * الحق مهتضم.........
أودى هدى الناس حتى أن أحفظهم * للخير صار بقول السوء ألفظهم
فكيف توقظهم إن كنت موقظهم * والناس عندك.........

وهي التي شرحها أبو المكارم محمد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي المتوفى 565، وشرحها ابن أمير الحاج بشرحه المعروف المطبوع وتوجد بتمامها في (الحدائق الوردية) المخطوط، وذكرها القاضي في (مجالس المؤمنين) ص 411، والسيد ميرزا حسن الزنوزي في (رياض الجنة) في الروضة الخامسة ستين بيتا، وهي التي شطرها العلامة السيد محسن الأمين العاملي. وإليك نص البيتين الزائدين:

أمن تشاد له الألحان سايرة * عليهم ذو المعالي أم عليكم؟ (14)
صلى الإله عليهم كلما سجعت * ورق فهم للورى كهف ومعتصم (15)

وأسقط ناشر الديوان منها أبياتا وذكرها 53 بيتا وأحسب أنه التقط أبياتا ما كان يروقه مفادها ودونك الإشارة إليها:
1 - وكل مائرة الضبعين مسرحها
2 - وفتية قلبهم قلب إذا ركبوا
3 - فما السعيد بها إلا الذي ظلموا
4 - للمتقين من الدنيا عواقبها
5 - ليس الرشيد كموسى في القياس ولا
6 - يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم
7 - صلى الإله عليهم كلما سجعت
هذه القصيدة تعرف ب (الشافية) وهي من القصايد الخالدة التي تصافقت المصادر على ذكرها أو ذكر بعضها (16) أو الايعاز إليها، مطردة متداولة بين الأدباء، محفوظة عند الشيعة وقسمائهم منذ عهد نظمها ناظمها أمير السيف والقلم وإلى الآن، وستبقى خالدة مع الدهر، وذلك لما عليها من مسحة البلاغة، ورونق الجزالة، وجودة السرد، وقوة الحجة، وفخامة المعنى، وسلاسة اللفظ، ولما أنشد ناظمها (الأمير) أمر خمسمائة سيفا وقيل أكثر يشهر في المعسكر (17) نظمها لما وقف على قصيدة ابن سكرة العباسي التي أولها:

بني علي دعوا مقالتكم * لا ينقص الدر وضع من وضعه

وللأمير أبي فراس هائية يمدح بها أهل البيت وفيها ذكر (الغدير) وهي:
يوم بسفح الدار لا أنساه * أرعى له دهري الذي أولاه
يوم عمرت العمر فيه بفتية * من نورهم أخذ الزمان بهاه
فكأن أوجههم ضياء نهاره * وكأن أوجههم نجوم دجاه
ومهفهف كالغصن حسن قوامه * والظبي منه إذا رنا عيناه
نازعته كأسا كأن ضياء ها * لما تبدت في الظلام ضياه
في ليلة حسنت لنا بوصاله * فكأنما من حسنها إياه
وكأنما فيها الثريا إذ بدت * كف يشير إلى الذي يهواه
والبدر منتصف الضياء كأنه * متبسم بالكف يسترقاه
ظبي لو أن الدر مر بخده * من دون لحظة ناظر أدماه
إن لم أكن أهواه أو أهوى الردى * في العالمين لكل ما يهواه
فحرمت قرب الوصل منه مثل ما * حرم الحسين الماء وهو يراه
إذ قال: اسقوني. فعوض بالقنا * من شرب عذب الماء ما أرواه
فاجتز رأسا طالما من حجره * أدنته كفا جده ويداه
يوم بعين الله كان وإنما * يملي لظلم الظالمين الله
وكذاك لو أردى عداة نبيه * ذو العرش ما عرف النبي عداه
يوم عليه تغيرت شمس الضحى * وبكت دما مما رأته سماه
لا عذر فيه لمهجة لم تنفطر * أو ذي بكاء لم تفض عيناه
تبا لقوم تابعوا أهوائهم * فيما يسوئهم غدا عقباه
أتراهم لم يسمعوا ما خصه * منه النبي من المقال أباه؟!
إذ قال يوم (غدير خم) معلنا * من كنت مولاه فذا مولاه
هذا وصيته إليه فافهموا * يا من يقول بأن ما أوصاه
أقروا من القرآن ما في فضله * وتأملوه وافهموا فحواه
لو لم تنزل فيه إلا هل أتى * من دون كل منزل لكفاه
من كان أول من حوى القرآن من * لفظ النبي ونطقه وتلاه؟!
من كان صاحب فتح خيبر؟ من رمى * بالكف منه بابه ودحاه؟!
من عاضد المختار من دون الورى؟ * من آزر المختار من آخاه؟!؟!
من بات فوق فراشه متنكرا * لما أطل فراشه أعداه؟
من ذا أراد إلهنا بمقاله *: الصادقون القانتون سواه؟!
من خصه جبريل من رب العلى * بتحية من ربه وحباه؟!
أظننتم أن تقتلوا أولاده * ويظلكم يوم المعاد لواه؟!
أو تشربوا من حوضه بيمينه * كأسا وقد شرب الحسين دماه؟!
طوبى لمن ألقاه يوم أو أمه * فاستل يوم حياته وسقاه
قد قال قبلي في قريض قائل *: ويل لمن شفعائه خصماه
أنسيتم يوم الكساء وإنه * ممن حواه مع النبي كساه؟!
يا رب إني مهتد بهداهم * لا أهتدي يوم الهدى بسواه
أهوى الذي يهوى النبي وآله * أبدا وأشنأ كل من يشناه
وأقول قولا يستدل بأنه * مستبصر من قاله ورواه
شعرا يود السامعون لو أنه * لا ينقضي طول الزمان هداه
يغري الرواة إذا روته بحفظه * ويروق حسن رويه معناه

الشاعر:
أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن عطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب الحمداني التغلبي.

ربما يرتج القول في المترجم وأمثاله، فلا يدري القائل ماذا يصف، أيطريه عند صياغة القول؟ أو يصفه عند قيادة العسكر: وهل هو عند ذلك أبرع؟ أم عند هذا أشجع؟ وهل هو لجمل القوافي أسبك؟ أم لازمة الجيوش أملك؟ والخلاصة أن الرجل بارع في الصفتين، ومتقدم في المقامين، جمع بين هيبة الملوك، وظروف الأدباء، وضم إلى جلالة الأمراء لطف مفاكهة الشعراء، وجمع له بين السيف و القلم، فهو حين ما ينطق بفم كما هو عند ثباته على قدم، فلا الحرب تروعه، ولا القافية تعصيه، ولا الروع يهزمه، ولا روعة البيان تعدوه، فلقد كان المقدم بين شعراء عصره كما أنه كان المتقدم على أمرائه، وقد ترجم بعض أشعاره إلى اللغة الألمانية كما في دائرة المعارف الإسلامية.

قال الثعالبي في يتيمة الدهر ج 1 ص 27: كان فرد دهره، وشمس عصره، أدبا وفضلا، وكرما ونبلا، ومجدا وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة، والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة، ونقدة الكلام، وكان الصاحب يقول: (بدئ الشعر بملك وختم بملك) يعني امرؤ القيس وأبا فراس، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز، ويتحامى جانبه، فلا يتبري لمباراته، ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا، لا إغفالا وإخلالا، وكان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس، ويميزه بالإكرام عن ساير قومه، ويصطنعه لنفسه، ويصطحبه في غزواته، ويستخلفه على أعماله، وأبو فراس ينثر الدر الثمين في مكاتباته إياه، ويوافيه حق سؤدده ويجمع بين أدبي السيف والقلم في خدمته. ا هـ.

وتبعه في إطرائه والثناء عليه ابن عساكر في تاريخه ج 2 ص 440. وابن شهر آشوب في معالم العلماء. ابن الأثير في الكامل ج 8 ص 194. ابن خلكان في تاريخه ج 1 ص 138. أبو الفدا في تاريخه ج 2 114. اليافعي في مرآة الجنان ج 2 ص 369. و مؤلفي شذرات الذهب ج 3 ص 24. مجالس المؤمنين ص 411. رياض العلماء. أمل الآمل ص 266. منتهى المقال ص 349. رياض الجنة في الروضة الخامسة. دائرة المعارف للبستاني ج 2 ص 300. دائرة المعارف لفريد وجدي ج 7 ص 150. روضات الجنات ص 206. قاموس الأعلام للزركلي ج 1 ص 202. كشف الظنون ج 1 ص 502. تاريخ آداب اللغة ج 2 ص 241. الشيعة وفنون الاسلام 107. معجم المطبوعات. دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 387. وجمع شتات ترجمته وأوعى سيدنا المحسن الأمين في 260 صحيفة في أعيان الشيعة في الجزء الثامن عشر ص 29 298.

كان المترجم يسكن منبج، وينتقل في بلاد الشام في دولة ابن عمه أبي الحسن سيف الدولة، واشتهر في عدة معارك معه، حارب بها الروم، أسر مرتين فالمرة الأولى بـ (مغارة الكحل) سنة 348 وما تعدوا به (خرشنة) وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنه ركب فرسه وركضه برجله فأهوى به من أعلا الحصن إلى الفرات والله أعلم.

والمرة الثانية: أسرته الروم على منبج، وكان متقلدا بها في شوال سنة 351، أسر وهو جريح وقد أصابه سهم بقي نصله في فخذه وحصل مثخنا بخرشنة ثم بقسطنطينة وأقام في الأسر أربع سنين، لتعذر المفاداة واستفكه من الأسر سيف الدولة سنة 355، وقد كانت تصدر أشعاره في الأسر والمرض، واستزادة سيف الدولة وفرط الحنين إلى أهله وإخوانه وأحبائه والتبرم بحاله ومكانه، عن صدر حرج، وقلب شج، تزداد رقة ولطافة، تبكي سامعها، وتعلق بالحفظ لسلاستها، تسمى بالروميات.

قال ابن خالويه: قال أبو فراس: لما حصلت بالقسطنطينة أكرمني ملك الروم إكراما لم يكرمه أسيرا قبلي، وذلك أن من رسومهم أن لا يركب أسير في مدينة ملكهم دابة قبل لقاء الملك، وأن يمشي في ملعب لهم يعرف بالبطوم مكشوف الرأس ويسجد فيه ثلاث سجدات أو نحوها، ويدوس الملك رقبته في مجمع لهم يعرف بالتوري، فأعفاني من جميع ذلك ونقلني لوقتي إلى دار وجعل لي [ برطسان ] يخدمني، و أمر بإكرامي ونقل من أردته من أسارى المسلمين إلي، وبذل لي المفاداة مفردا، وأبيت بعد ما وهب الله لي من الكرامة ورزقته من العافية والجاه أن أختار نفسي على المسلمين، وشرعت مع ملك الروم بالفداء ولم يكن الأمير سيف الدولة يستبقي أسارى الروم، فكان في أيديهم فضل ثلاثة آلاف أسير ممن أخذ من الأعمال والعساكر فابتعتهم بمأتي ألف دينار رومية على أن يوقع الفداء واشتري هذه الفضيلة وضمنت المال والمسلمين وخرجت بهم من القسطنطينة وتقدمت بوجوههم إلى (خرشنة) ولم يعقد قط فداء مع أسير ولا هدنة فقلت في ذلك شعرا:

ولله عندي في الاسئار وغيره * مواهب لم يخصص بها أحد قبلي
حللت عقودا أعجز الناس حلها * وما زال عقدي لا يذم ولا حلي
إذا عاينتني الروم كبر صيدها * كأنهم أسرى لدي وفي كبلي
وأوسع أياما حللت كرامة * كأني من أهلي نقلت إلى أهلي
فقل لبني عمي وأبلغ بني أبي: * بأني في نعماء يشكرها مثلي
وما شاء ربي غير نشر محاسني * وأن يعرفوا ما قد عرفتم من الفضل
وقال يفتخر وقد بلغه أن الروم قالت: ما أسرنا أحدا لم نسلب ثيابه غير أبي فراس.
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر * أما للهوى نهي لديك ولا أمر؟
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة * ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذ الليل أضواني بسطت يد الهوى * وأذللت دمعا من خلائقه الكبر
تكاد تضئ النار بين جوانحي * إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

وقال لما أسر:

ما للعبيد من الذي * يقضي به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرائس * ثم تفرسني الضباع

قال ابن خالويه: تأخرت كتب سيف الدولة عن أبي فراس في أيام أسره، فذلك أنه بلغه أن بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير كاتبنا فيه صاحب خراسان وغيره من الملوك وخففت علينا الأسر، وذكر أنهم فرروا مع الروم إطلاق أسراء المسلمين بما يحملونه، فاتهم سيف الدولة أبا فراس بهذا القول، لضمانه المال للروم وقال: من أين تعرفه أهل خراسان؟ فقال أبو فراس هذ القصيدة وأنفذها إلى سيف الدولة.

قال الثعالبي: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة: مفاداتي إن تعذرت عليك فأذن لي في مكاتبة أهل خراسان ومراسلتهم ليفادوني وينوبوا عنك في أمري فأجابه سيف الدولة: من يعرفك بخراسان؟ فكتب إليه أبو فراس:

أسيف الهدى وقريع العرب * إلام الجفاء وفيم الغضب؟
وما بال كتبك قد أصبحت * تنكبني مع هذي النكب؟
وأنت الكريم وأنت الحليم * وأنت العطوف وأنت الحدب
وما زلت تسبقني بالجميل * وتنزلني بالمكان الخصب
وإنك للجبل المشمخر * إلي بل لقومك بل للعرب
وتدفع عن حوزتي الخطوب * وتكشف عن ناظري الكرب
علا يستفاد وعاف يعاد * وعز يشاد ونعمى ترب
وما غض مني هذا الأسار * ولكن خلصت خلوص الذهب
ففيم يعرضني بالخمول * مولى به نلت أعلى الرتب
وكان عتيدا لدي الجواب * ولكن لهيبته لم أجب
أتنكر أني شكوت الزمان * وأني عتبتك فيمن عتب؟!
وإلا رجعت فاعتبتني * وصيرت لي ولقومي الغلب
فلا تنسبن إلي الخمول * أقمت عليك فلم اغترب
وأصبحت منك فإن كان فضل * وإن كان نقص فأنت السبب
وإن خراسان إن أنكرت * علاي فقد عرفتها حلب
ومن أين ينكرني الأبعدون * أمن نقص جد أمن نقص أب؟!؟!
ألست وإياك من أسرة * وبيني وبينك عرق النسب؟!
ودار تناسب فيها الكرام * وتربية ومحل أشب
ونفس تكبر إلا عليك * وترغب إلاك عمن رغب
فلا تعدلن فداك ابن عمك * لا بل غلامك عما يجب
وأنصف فتاك فإنصافه * من الفضل والشرف المكتسب
أكنت الحبيب وكنت القريب * ليالي أدعوك من عن كثب؟!
فلما بعدت بدت جفوة * ولاح من الأمر ما لا أحب
فلو لم أكن بك ذا خبرة * لقلت صديقك من لم يغب

ميلاده ومقتله:
ولد المترجم سنة 320 وقيل 321 ويعين الأول ما حكاه ابن خالويه عن أبي فراس أنه قال له: إن في سنة 339 كان سني 19 سنة، وقتل يوم الأربعاء لثمان من ربيع الآخر (18) وعن الصابي في تاريخه (19) يوم السبت لليلتين خلتا من جمادي الأولى سنة 357 (20) وذلك أنه لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص وتطلع إليها وكان مقيما بها فاتصل خبره إلى ابن أخته أبي المعالي ابن سيف الدولة وغلام أبيه قرعويه (21) وجرت بذلك بين أبي فراس وبين أبي المعالي وحشة، فطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فاس إلى [ صدد ] وهي قرية في طريق البرية عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم وسيرهم في طلبه مع قرعويه، فأدركه ب [ صدد ] فكبسوه فاستأمن أصحابه واختلط هو بمن استأمن معهم، فقال قرعويه لغلام له: اقتله. فقتله وأخذ رأسه وتركت جثته في البرية حتى دفنها بعض الأعراب.

قال الثعالبي: دلت قصيدة قرأتها لأبي إسحاق الصابي في مرثية أبي فراس على أنه قتل في وقعة كانت بينه وبين موالي أسرته.

وقال ابن خالويه: بلغني أن أبا فراس أصبح يوم مقتله حزينا كئيبا وكان قد قلق في تلك الليلة قلقا عظيما فرأته ابنته امرأة أبي العشائر كذلك فأحزنها حزنا شديدا ثم بكت وهو على تلك فأنشأ يقول كالذي ينعي نفسه وإن لم يقصد، وهذا آخر ما قاله من الشعر:

أبنيتي لا تحزني * كل الأنام إلى ذهاب
أبنيتي صبرا جميلا * للجليل من المصاب
نوحي علي بحسرة * من خلف سترك والحجاب
قولي إذا ناديتني * فعييت عن رد الجواب
: زين الشباب أبو فراس * ما تمتع بالشباب

وفي غير واحد من المعاجم: إنه لما بلغ أخته أم أبي المعالي وفاته قلعت عينها، وقيل: بل لطمت وجهها فقلعت عينها، وقيل: قتله غلام سيف الدولة ولم يعلم أبو المعالي فلما بلغه الخبر شق عليه.

المصدر: من شعراء الغدير / سماحة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني.



1- الحذم من السيوف بالحاء المهملة: القاطع.
2- مار: تحرك. الضبع: العضد. كناية عن السمن. الرمث بكسر المهملة: خشب يضم بعضه إلى بعض ويسمى: الطوف. الخذراف بكسر الخاء ثم الدال المعجمتين: نبات إذا أحس بالصيف يبس. العنم بفتح المهملة. نبات له ثمرة حمراء يشبه به البنان المخضوب.

3- حلاء عن الماء: طرده. الوشل الماء القليل. لم: أي غب.
4- نثيله هي أم العباس بن عبد المطلب. الأمم: القرب.

5- الديباج هو محمد بن عبد الله العثماني أخو بني حسن لأمهم فاطمة بنت الحسين السبط ضربه المنصور مأتين وخمسين سوطا.

6- لعله أشار إلى قول منصور لمحمد الديباج: يا بن اللخناء. فقال محمد. أي أمهاتي تعيرني؟ أبفاطمة بنت الحسين؟ أم بفاطمة الزهراء؟ أم برقية؟.
7- أشار إلى غدر الرشيد بيحيى بن عبد الله بن الحسن الخارج ببلاد الديلم؟؟ سنة 176 فإنه أمنه ثم غدره وحبسه ومات في حبسه.

8- الزبيري هو عبد الله بن مصعب بن الزبير باهله يحيى بن عبد الله بن حسن فتفرقا فما وصل الزبيري إلى داره حتى جعل يصيح؟؟: بطني بطني. ومات.

9- أشار إلى ما فعله المتوكل بقبر الإمام الشهيد.

10- أبو مسلم هو الخراساني مؤسس دولة بني العباس قتله المنصور والهبيري: هو يزيد بن عمر بن هبيرة أحد ولاة بني أمية حاربه بنو العباس أيام السفاح ثم أمنوه فخرج إلى المنصور بعد المواثيق والأيمان فغدروا به وقتلوه سنة 132.

11- استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل فآمنهم ونادى: من دخل الجامع فهو آمن. وأقام الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا قيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم، وخلقا كثيرا ممن ليس له خاتم، وأمر بقتل النساء والصبيان ثلاثة أيام وذلك في سنة 132.
12- علية: بنت المهدي بن المنصور كانت عوادة. وإبراهيم أخوها كان مغنيا وعوادا.

13- الخنثى: هو عبادة، نديم المتوكل. والقرد كان لزبيدة.

14- بعد البيت ال 53.
15- مختتم القصيدة.

16- ذكر سراج الدين السيد محمد الرفاعي المتوفى 885 في (صحاح الأخبار) ص 26 من القصيدة ثمانية بيتا وقال: القصيدة طويلة ليس هذا محل ذكرها.

17- كما ذكره الفتوني في كشكوله، وأبو علي في رجاله ص 349.
18- كامل ابن الأثير. تاريخ أبي الفدا.

19- حكاه عنه ابن خلكان في تاريخه، وصاحب شذرات الذهب.

20- أرخه ابن عساكر في تاريخه بسنة خمسين وثلثمائة وهو ليس في محله.

21- في كامل ابن الأثير: قرغويه. وفى الشذرات: فرغويه: وفي تاريخ ابن عساكر: ابن قرعونه.