قبسات من حياة الإمام الباقر (ع)

هو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت، ولد بالمدينة سنة 57 ه‍، وأمه فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، قال الإمام الصادق: كانت صديقة لم يدرك في آل الحسن مثلها - ولقب بالباقر، لأنه بقر العلم بقرا، أي أظهر مخبآته وأسراره، ورث علم النبوة عن آبائه وأجداده، وكان مقصد العلماء من كل البلاد الإسلامية، سواء منهم الشيعة والسنة، وكان ممن يقصده سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة محدث مكة، وأبو حنيفة(1).

أولاده: كان له سبعة أولاد، الإمام الصادق، وعبد الله وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإبراهيم، وعبيد الله، وأمهما أم حكيم بنت أسد الثقفية، وعلي، وزينب، وأمهما أم ولد، وأم سلمة، وأمهما أم ولد.

قال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري: قال لي رسول الله (ص): يوشك أن تبقى حيا، إلى أن تلقي ولدا لي من الحسين، يقال له محمد يبقر العلم، فإذا لقيته فاقرئه مني السلام، فبقيت حيا، حتى لقيت الإمام الباقر، كما قال رسول الله، فقبلت يد الإمام، وأبلغته الرسالة، فقال: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته.

وفي ذات يوم كان الإمام الباقر في بيته، وعنده جماعة من أصحابه، وإذا بشيخ وقف على الباب، وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته.

وبعد أن رد الإمام عليه السلام، قال الشيخ: جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، والله إني لأحبكم، وأحب من يحبكم لله لا للدنيا، وإني لأبغض عدوكم وأبرأ منه لا لشئ بيني وبينه، وإني لأحلل حلالكم، وأحرم حرامكم، وانتظر أمركم، فهل ترجو لي الخير جعلني الله فداك ؟.

قال الإمام: أتى أبي رجل، وسأله مثل الذي سألت، فقال له: إن تمت ترد على رسول الله، وعلي، والحسن والحسين، ويثلج قلبك وتقر عينك، وتستقبل بالروح والريحان. وإنك معنا في السنام الأعلى.

فقال الشيخ: الله أكبر. أنا معكم في السنام الأعلى، وبكى فرحا، وأخذ يد الإمام، وقبلها، ثم وضعها على عينيه، ومسح بها وجهه وصدره، ثم قام وودع وخرج، فقال الإمام: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.

هذا هو التحديد الصحيح لشيعة أهل البيت (ع)، يحللون حلالهم، ويحرمون حرامهم، ويحبون من يحبهم، ويبغضون عدوهم في الله، ولله. أما من يحلل اليوم ما حرمه بالأمس، تبعا لشهواته وميوله، أما من يزعم أنه من الشيعة الموالين، وفي الوقت نفسه ينصب العداء للمحبين، ويكيد لهم فليس من الإسلام ولا التشيع في شئ، بل هو عدو الله ورسوله وأهل بيته.

قال الإمام الرضا (ع): من عادى شيعتنا فقد عادانا، ومن والاهم فقد والانا، لأنهم خلقوا من طينتنا، من أحبهم فهو منا، ومن أبغضهم فليس منا. ومحال أن نفهم هذا الكلام، ونعمل به ما لم نتجرد عن الأنانية وحب الذات.

إن الشرط الأول للتشيع أن نحب الموالي، ونخلص له، ونضحي من أجله، لا لشئ إلا لأنه محب للرسول وآله، وإذا محصنا الشيعة على هذا الأساس لا يبقى واحد من كل مائة، بخاصة المعممين الذين أصبح التحاسد بينهم من العلامات الفارقة والمميزة لهم عن سائر الفئات والهيئات.

وبالتالي، فإن التشيع لا ينفك أبدا عن الألفة والأخوة، لأنه من أمهات الفضائل وأعظمها، كما أن التحاسد من أمهات الرذائل وأقبحها.

توفي الإمام الباقر بالمدينة سنة 114، عاش مع جده الحسين 4 سنين، ومع أبيه 39، وبعده 18 سنة.

المصدر: الشيعة في الميزان/محمد جواد مغنية.



1- الشيخ أبو زهرة " الإمام الصادق " ص 22 طبعة أولى.