فصول في السيرة النبوية

 

1- كانت ولادة النبي الكريم (ص) في مكة الشريفة في عام الفيل في شهر ربيع الأول في السابع عشر منه وقيل في الثاني عشر، وذلك بعد ميلاد المسيح (ع) بـ 570 سنة، وقد تولّد عن أبويين عربيين قرشيين هما عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب بن عبد مناف. هذا وقد توفى والده وهو حمل، وحين ولد بقي مع أمه شهوراً أربعة أو تزيد وبعدها بعثه جده إلى حي بني سعد مع حليمة السعدية لترضعه وتحتضنه.

 

2- بقي (ص) في حي بني سعد أربع أو خمس سنوات ثم عاد إلى أمه وجده وفي عام عودته استسقى به جده فأُمطرت مكة.

 

3- توفيت أمه وهو في السادسة من عمره الشريف وبقي مع جده سنتين ثم توفي عنه وهو في الثامنة من عمره الشريف فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب بوصية من جده عبد المطلب وبقي مع عمه إلى أن تزوج.

 

4- سافر مع عمه إلى الشام وعمره آنذاك 12 سن، وهناك رآه بحيرا الراهب فقال لأبي طالب "إنَّه كان لابن أخيك شأن عظيم نجده في كتبنا... هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين... احذر عليه اليهود...".

 

5- في العشرين من عمره الشريف شارك في تأسيس حلفٍ سمي بحلف الفضول وكان الغرض من تشكيله هو الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين والضغط على الأقوياء لإلزامهم بإنصاف ذوي الحقوق كما تعاهدوا على التآسي في المعاش.

6- وحينما تجاوز العشرين من عمره الشريف طلبت منه السيدة خديجة أن يتاجر بأموالها في الشام وذكرت أن منشأ اختيارها له هو ما تعارف عنه من حسن الخلق وصدق الحديث وأداء الأمانة فقبل أن يسافر بأموالها مضارباً وليس أجيراً.

 

7- وفي الخامسة والعشرين من عمره الشريف تزوج من السيدة خديجة (ع) وأنجب منها القاسم وعبد الله وماتا في حياته ثم ولدت له فاطمة (ع) وقيل أن له من البنات غير فاطمة وهن رقية ثم زينب ثم أم كلثوم، وقيل أنهن لم يكن بناته.

 

8- في الثلاثين من عمره الشريف ولد علي في جوف الكعبة وتولى رسول الله شئون تربيته وبقي عنده إلى أن زوجه في المدينة بفاطمة (ع).

 

9- في الخامسة والثلاثين من عمره الشريف قام بدور التحكيم في مسألة وضع الحجر الأسود بعد أن بنت قريش الكعبة وتنازعت فيمن يضع الحجر في موضعه.

 

10- في الأربعين من عمره الشريف بُعث بالرسالة، وكان ذلك في السابع والعشرين من رجب كما هو رأي الإمامية، نعم لا يبعد انَّ في أول نزول القرآن عليه كانت في ليلة القدر في شهر رمضان.

 

11- بدأت البعثة النبوية وكان التخطيط الإلهي أن تكون على مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: هي التي عبر عنها المؤرخون بالمرحلة السرية وقد استمرت ثلاث سنوات مارس فيها رسول الله دور الدعوة السرية التامة حيث لم يدع للإسلام إلا من يثق بقبوله وكان أول من دخل الإسلام هو علي بن أبي طالب ومن النساء خديجة وبلغ عدد الداخلين في هذه المرحلة أربعون رجلاً.

 

المرحلة الثانية: هي إعلان الدعوة لأقرباء رسول الله وعشيرته وبدأت هذه المرحلة حين نزلت الآية "وانذر عشيرتك الأقربين" وحينها جمع رسول الله عشيرته وعرفت هذه الحادثة في التاريخ ب"يوم الدار" وفيها بلَّغ رسول الله الدعوة لعشيرته ثم نصَّب علياً وزيراً له وخليفة من بعده بعد أن لم يُعلن غيره مؤازرة رسول الله في الدعوة.

 

المرحلة الثالثة: كانت مرحلة الإعلان العام للدعوة وعرضها على الوفود والقبائل.

 

12- تضاعف ضغط قريش على الذين دخلوا في الإسلام فأمرهم رسول الله (ص) بالهجرة إلى الحبشة وذلك في السنة الخامسة من البعثة النبوية وقد أستضافهم ملك الحبشة أحسن استضافة ورغم محاولة قريش لإستراجاعهم إلا أنه أبى إلا أن يحميهم.

 

 13- في السنة السابعة اتفقت قريش على محاصرة النبي وجميع بني هاشم في شعب أبي طالب وأستمر الحصار حتى السنة العاشرة من البعثة.

 

 14- وحينما انفك الحصار عن رسول الله وعن بني هاشم بجهودمن بعض الرجالات توفي أبو طالب والسيدة خديجة فكان ذلك العام – وهو العام العاشر من البعثة – عام الحزن.

 

 15- في السنة نفسها التي انفك فيها الحصار وقعت حادثة الإسراء والمعراج وقيل وقعت بعد ذلك وقيل قبل ذلك، وحين رجع الرسول من معراجه فرضت الصلاة على المسلمين، ومن قبل لم تكن مفروضة.

 

 16- بعد وفاة عمه وزوجته قرَّر أن يوسع نطاق دعوته فسافر إلى الطائف مع علي أبن أبي طالب وزيد بن حارثة وفي السنة نفسها كثف من دعوته إلى القبائل الوافدة إلى مكة وكان قد التقى في الحادي عشر من البعثة بأهل يثرب فقبلوا منه الدعوة.

 

17- في الثاني عشر من البعثة وقعت بيعة العقبة الأولى مع اثني عشر رجلاً من رجالات يثرب وكانت النواة الأولى لانتشار الإسلام في يثرب وبذلك مهَّد الرسول (ص) للهجرة إلى المدينة.

 

 18- في موسم الحج في ليلة الثالث عشر وبعد بيعة العقبة الأولى وقعت بيعة العقبة الثانية في غسق الليل وبعد أن نام الناس، وقد حضر المسلمون إلى موضع البيعة متسللين وحضر من أهل يثرب ثلاث وسبعون، منهم امرأتان، وقد تعرفت قريش على هذه البيعة بعد أن وقعت فأحدثت فيهم هلعاً وحاولوا تفادي أثرها إلا أنهم لم يفلحوا.

 

19- في شهر ربيع سنة 13 من البعثة قررت قريش اغتيال رسول الله (ص) فقرر رسول الله (ص) الهجرة وخلَّف علياً على فراشه وأمره برد الودائع ثم الهجرة إليه وحمل الفواطم معه.

 

 20- وبهذا انتهى العهد المكي وقد نزلت فيه كما قيل اثنتان وثمانون سورة. 21-وصلَّ رسول الله (ص) (قبا) في 12 من ربيع الأول وأمر بجعل مبدأ هجرته مبدأ للتاريخ.

 

 21- ظلَّ رسول الله في حي (قبا) ولم يدخل يثرب وذلك انتظاراً لعلي بن أبي طالب وقال " لست اُريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله (عزل وجل) وأحبُّ أهل بيتي إليَّ فقد وقاني بنفسه من المشركين ".

 

22- أما علي ابن أبي طالب فقد اعترضته قريش حينما أراد الهجرة بالفواطم، فقال عليٌ (ع) " فإني منطلقٌ إلى ابن عمي رسول الله (ص) فمن سرَّه أن أفري لحمه وأُريق دمه فليتبعني وليدنُ مني " فتركه القوم.

 

23- بادر رسول الله (ص) بعد الهجرة إلى بناء الدولة الإسلامية في يثرب بعد أن أطلق عليها أسم المدينة وذلك عبر مجموعة من الوسائل:

1- بناء المسجد.

 

2- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

 

3- كتابة الصحيفة المعروفة والتي تمثل دستوراً للدولة الإسلامية.

 

4- المعاهدة مع اليهود على أن يكونوا رعايا في الدولة الإسلامية بشروط، ثم عبأ رجالاً لحماية المقدرات الإسلامية فكانت أول سرية بعثها بقيادة الحمزة في الشهر السابع من الهجرة وما انتهى العام الأول حتى كانت له ثلاث سرايا. وفي نفس العام نزلت آيات كثيرة من سورة البقرة تفضح المنافقين ومخططات اليهود وتبين مجموعة من الأحكام والتشريعات.

 

24- العام الثاني من الهجرة كان حافلاً بالأحداث حيث لم تدخر قريش جهداً من أجل الكيد لرسول الله (ص) وكذلك اليهود فلذلك وقعت فيها ثمان غزوات وسريتان وكان أبرزها غزوة بدر في 17 رمضان وقد حقق فيها المسلمون انتصاراً ساحقاً على قريش وفي نفس هذا العام أجلى رسول الله (ص) أول قبيلة لليهود من المدينة وفي هذا العام فرض الصوم وتزوج علي من فاطمة (ع) وحولت القبلة إلى الكعبة.

 

25- ظلت قريش تبحث عن وسيلة لهزيمة المسلمين وكذلك كان اليهود , فلذلك وقعت مجموعة من الحروب بدءً بغزوة أحد ثم بني النضير ثم الأحزاب ثم بني قريضة وبعدها غزوة بني المصطلق وذلك في السنة الثالثة والرابعة والخامسة، وكانت السنة الخامسة أشدَّ السنين على المسلمين ورغم ذلك باءت كلُّ محاولات الكفار بالفشل.

 

26- في السنة السادسة كان صلح الحديبية وبذلك استقرت الدولة الإسلامية واستراح النبي (ص) من قريش فاغتنم فرصة هذا الإستقرار لينفتح على العالم فبعث الرسائل والرسل إلى الملوك وزعماء القبائل فكانت أكثر من 185 رسالة وكتاب.

 

27- الكثير استجاب والبعض أحجم والبعض الآخر أعلن العداء، فبعث رسول الله (ص) جيشاً لمواجهة الرومان بعد أن أعلنوا العداء وراموا الحرب والمواجهة ثم لما انهزم الجيش الذي بعثه رسول الله (ص) وهيئ جيشاً قوامه 30 الفاً فكانت غزوة تبوك في التاسع من الهجرة.

 

28- بعد صلح الحديبية قام رسول الله (ص) بمجموعة من التصفيات منها فتح قلعة خيبر التي هي بؤرة الخطر لليهود، وبذلك تلاشى خطر اليهود على يد علي (ع) وبقيت قضية قريش معلقة بعد أن تضاءل خطرها.

 

29- في الثامن من الهجرة نقضت قريش بعض بنود الصلح وبذلك قرر رسول الله (ص) الحرب عليهم ووقعت غزوة فتح مكة وبعدها وقعت غزوة حنين مع قبيلة هوزان وثقيف وانتصر المسلمون بعد معركة قاسية تبيَّن المخلص فيها من غير المخلص ثم فُتحت الطائف وبذلك انبسطت الدعوة الإسلامية في كل ربوع الجزيرة العربية ولم تبق سوى اليمن تولى شأنها علي أبن أبي طالب قبل حجة الوداع وبذلك انكفأ خطر الامبراطورية الفارسية لانهيار ذراعها القوي في الجزيرة العربية.

 

30- في السنة التاسعة من الهجرة وبعد أن قضى رسول الله على جميع مناوئيه في الجزيرة العربية توافدت عليه القبائل العربية لتعلن عن إسلامها، وفي نفس العام جاء وفد نصارى نجران فعرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا فعرض عليهم المباهلة فقبلوا ثم تراجعوا ففرض رسول الله (ص) عليهم الجزية، وسُمِّى هذا العام بعام الوفود، وفي نفس العام بلَّغ علي بن أبي طالب سورة براءة في موسم الحج ليلغي بذلك بقايا مظاهر الشرك والوثنية في مكة المكرمة.

 

31- في السنة العاشرة من الهجرة كانت حجة الوداع وفيها علَّم رسول الله المسلمين مناسك الحج وقد خرج معه من المسلمين الذين كانوا في المدينة عشرة آلاف وتوافدت القبائل من أنحاء الجزيرة لتحج بحج رسول الله (ص).

 

32- بعد رجوع المسلمين من حجة الوداع نزل الوحي على رسول الله (ص) يأمره بإعلان الولاية لعلي (ع) في يوم الثامن عشر من ذي الحجة في منطقة يقال لها غدير خم.

 

33- في نفس العام ظهر بعض المتنبئين في اليمامة واليمن ففي اليمامة كان مسيلمة الكذاب وفي اليمن كان أبو الأسود العنسي وقد تم القضاء على الثاني بُعيد وفاة رسول الله (ص) بيوم واحد.

 

34- في بداية السنة الحادية عشرة من الهجرة عَّبأ رسول الله (ص) جيشاً لمواجهة الروم وأمَّر عليه أسامة بن زيد وضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وأمر بإنفاذ جيش اسامه سريعاً، ولعن كلَّ من تخلَّف عن جيش اسامة إلا أن بعضهم تثاقل وطعن في إمارة أسامة فغضب لذلك رسول الله (ص)، ولم يتم انفاذ جيش اسامة إلى أن توفي الرسول (ص).

 

35- في هذه الفترة مرض رسول الله (ص) المرض الذي مات فيه وكان يلحُّ في مرضه على تنفيذ جيش اسامه وخروج شيوخ المهاجرين والأنصار معه.

 

36- تخّلف جمع من شيوخ المهاجرين فحضروا مجلس رسول الله (ص) فوبخهم فاعتذروا بمعاذير واهية.

 

37- في يوم الخميس قبل وفاة رسول الله (ص) بخمسة أيام اجتمع شيوخ المهاجرين والأنصار في مجلس رسول الله (ص) فقال لهم رسول الله (ص) (آتوني بدواة وصحيفة اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) فقال: (عمر انَّ النبي ليهجر وغلبه الوجع، حسبنا كتاب الله). وتنازع الحاضرون فأمرهم رسول الله (ص) بالخروج من مجلسه ولم يُكتب الكتاب لأنَّ عمر ومن كان معه قد أسقطوا مصداقية الكتاب قبل أن يُكتب.

 

 38- روى ابن حجر العسقلاني أن رسول الله (ص) قال في مرضه عندما امتلأت الحجرة بأصحابه (أيها الناس يوشك أن أقبض سريعاً فينطلق بي وقد قدمت لكم القول معذرة إليكم، ألا أني مخلف فيكم كتاب الله ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي). ثم أخذ بيد علي (ع) فقال (هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي خليفتنان نصيران لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض).

 

 39- في منتصف الاثنين في الثامن والعشرين من صفر سنة 11 هـ ودَّع رسول الله الدنيا بعد أن تحدَّث مع فاطمة سراً وبعد أن تحدث مع علي (ع) طويلاً ثم أسنده علي (ع) إلى صدره فوضع رأسه على منكبه فقال الرسول الله (ص): الصلاة الصلاة.

 

40- آخر كلمة قالها رسول الله بعد قوله الصلاة الصلاة (لا، إلى الرفيق الأعلى). ثم أسلم الروح.

 

41- لما انسلَّ علي (ع) من رسول الله (ص) وسجَّاه وغطَّاه سُئل عن أي شيء كان يُحدِّثه ويناجيه قال (ع):علَّمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب).

 

42- تولىّ علي (ع) شأن تغسيله وتكفينه وكان أول من صلَّى عليه ثم أنزله بيده في قبره الشريف. وبرحيله انقطع وحي السماء فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

والحمد لله رب العالمين

 

 سماحة الشيخ محمد صنقور

 26 صفر1425هـ