حوزة الهدى للدراسات الإسلامية :: ::
 شرائط الطّواف • الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج • النقصان في الطّواف • الزّيادة في الطّواف • الشكّ في عدد الأشواط • صلاة الطّواف • السّعي • أحكام السّعي • الشك في السّعي • التقصير •
• شرائط الطّواف زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي - عدد القراءات: 3267 - نشر في: 11-نوفمبر-2013

شرائط الطّواف

 

الطّواف هو الواجب الثاني في عمرة التمتّع ويفسد الحج بتركه عمداً، سواء أكان عالماً بالحكم أم كان جاهلاً به أو بالموضوع (1)

 

- - - - - - - - - -

(1) لا شبهة في أنّ الطّواف من أجزاء الحج والعمرة، بل هو ركن فيهما إجماعاً وضرورة، ولم يختلف فيه أحد من المسلمين، ويدل عليه - مضافاً إلى ما ذكر - الآية الشريفة ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً -إلى قوله تعالى- وَلْيَطَّوَّفُوْا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(1).

وأمّا الروايات فكثيرة جدّاً منها: الروايات الواردة في كيفية الحج(2).

ومنها: النصوص الدالّة على لزوم الاعادة إذا شكّ في عدد الأشواط(3) أو أحدث في الأثناء(4)، أو حاضت المرأة في الأثناء(5) وغير ذلك من الروايات.

ومن تركه عامداً بطل حجّه أو عمرته، لأ نّه لم يأت بالمأمور به وبما وجب عليه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى دليل خاص، بل نفس الجزئية تقتضي البطلان إذا لم يؤت به، من دون فرق بين كونه عالماً أو جاهلاً بالحكم أو بالموضوع - كما إذا طاف في مكان آخر بتخيل أ نّه البيت - لأنّ العمل ناقص وهو غير مأمور به وإجزاء الناقص عن التام يحتاج إلى دليل بالخصوص، فان لم يكن دليل على الاجزاء فالحكم بالبطلان على القاعدة، لعدم الاتيان بالمأمور به، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه ولا حاجة إلى الدليل على البطلان.

مضافاً إلى ذلك يدلّنا على البطلان في فرض الجهل صحيح علي بن يقطين «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة، قال: إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد وعليه بدنة» (6) ومن المعلوم أولوية العالم من الجاهل بالاعادة والفساد.

ويؤيّده خبر علي بن أبي حمزة «عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى يرجع إلى أهله، قال: إن كان على وجه الجهالة أعاد الحج وعليه بدنة» (7).

ولكن موردهما الحج ولا يشمل العمرتين، إلاّ أنّ الّذي يسهل الأمر أنّ الحكم بالبطلان على القاعدة بعد القطع بجزئية الطّواف في الحج والعمرة، فلا نحتاج إلى دليل خاص للحكم بالبطلان، من دون فرق بين ما لو تركه عالماً أو جاهلا.

وأمّا الناسي فسيأتي حكمه.

- - - - - - - - - -

 

ويتحقّق الترك بالتأخير إلى زمان لا يمكنه إدراك الرّكن من الوقوف بعرفات (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) ويتحقق ترك الطّواف بعدم إدراك الوقوف بعرفات ولو آناًما، على الخلاف المتقدم في حدّ الضيق لمن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج (8).

- - - - - - - - - -

 

ثمّ إنّه إذا بطلت العمرة بطل إحرامه أيضاً على الأظهر (1) والأحوط الأولى حينئذ العدول إلى حج الافراد، وعلى التقديرين تجب إعادة الحج في العام القابل.

 

- - - - - - - - - -

(1) فحينئذ لا حاجة إلى المحلل بعد فساد النسك بتعمد ترك الطّواف، ضرورة بطلان الاحرام الّذي هو جزء من العمرة ببطلان الطّواف وفساده، فانّ الاحرام إنّما يكون جزءاً للنسك إذا لحقه بقية الأجزاء، فالاحرام الملحوق بسائر الأعمال والأجزاء جزء للنسك، فلو انقطع ولم يأت ببقية الأعمال على وجهها ينكشف عن أنّ الجزء الأوّل لم يكن بواجب وبمأمور به أصلاً كما هو الحال في تكبيرة الاحرام، فانّ التكبيرة إنّما تكون جزءاً للصلاة إذا أتى المصلي ببقية الأجزاء اللاّحقة، فجزئية التكبيرة مشروطة باتيان الأجزاء اللاّحقة على نحو الشرط المتأخر، وكذلك المقام، إذ ليس مجرد قوله: لبيك يكون إحراماً ما لم يأت ببقية الأعمال، فاذا لبى ولم يطف ولم يذهب إلى عرفات فلم يأت بالمأمور به من الأوّل ويكشف عن أنّ الاحرام الصادر منه ملغى لا يترتّب عليه أيّ أثر، من دون فرق بين العلم والجهل، لعدم إتيانه بالمأمور به، وما أتى به مجرّداً عن الأجزاء اللاّحقة غير مأمور به.

وبما ذكرنا ظهر فساد ما نسب إلى المحقق الكركي من بقائه على إحرامه ومحرماته إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله وهو السنة الآتية (9).

على أ نّه يسأل المحقق المذكور أن هذا الشخص يحج في السنة الآتية بالاحرام الأوّل ومن دون تجديده، فهذا ينافي ما ذكروه من اعتبار وقوع العمرة والحج في سنة واحدة، وإن التزم باحرام آخر فلا معنى لبقائه على إحرامه الأوّل، فان تجديد الاحرام يكشف عن بطلان الاحرام الأوّل، ولكن مع ذلك الأحوط استحباباً أن يعدل إلى الإفراد، لعدّة من الروايات المتقدمة في تلك المسألة (10)، ولكن موردها عدم الادراك اضطراراً والترك عن غير اختيار، ولا تشمل مورد الترك الاختياري العمدي ولا وجه للتعدي، ولكن الاحتياط حسن ولو لمجرد الاحتمال وإن كان ضعيفاً، وعلى التقديرين لا يجزئ عن حجه الواجب عليه لفساده وبقائه في ذمّته، فتجب عليه إعادة الحج في العام القابل.

- - - - - - - - - -

 

ويعتبر في الطّواف اُمور:

الأوّل: النيّة، فيبطل الطّواف إذا لم يقترن بقصد القربة (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) النيّة المعتبرة تارة يراد بها قصد العمل وصدور الفعل عن اختيار، فلا ريب في اعتبار ذلك، لأنّ الفعل الصادر عن غير قصد ولا اختيار لم يتعلق به التكليف، فلو صدر منه الفعل من غير قصد ولا اختيار لم يأت بالمأمور به، وهذا من دون فرق بين كون الواجب تعبّدياً أو توصّلياً إلاّ فيما إذا علم بحصول الغرض بالفعل غير الاختياري فيجتزئ به، لا لاتيان المأمور به بل لسقوط الأمر بحصول الغرض كغسل الثوب فانّه يجتزى به ولو كان بسبب إطارة الريح ونحو ذلك، وقد ذكرنا تحقيق ذلك في بحث التعبدي والتوصلي من علم الاُصول (11).

واُخرى: يراد بها قصد القـربة، وهذا أيضاً ممّا لا ريب في اعتبارها فلو طاف لغرض آخر غير التقرب كالتمشي لا يكون مجزئاً.

ويدل على ذلك مضافاً إلى الضرورة والارتكاز، الآية الشريفة ﴿وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ﴾(12) فانّ المسـتفاد منها أنّ الحج لله تعـالى وأ نّه أمر إلهي ولا بدّ من الانتساب إليه تعالى وإضافته إليه سبحانه، وكذلك يستفاد عباديته من السنّة كالروايات الدالّة على أنّ الاسلام بُني على خمس: الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية (13)، فان ما بُني عليه الاسلام يكون أمراً إلهياً قربياً منتسباً إليه.

- - - - - - - - - -

 

الثاني: الطّهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، فلو طاف المحدث عمداً أو جهلاً أو نسياناً لم يصح طوافه (1)

 

- - - - - - - - - -

(1) لا إشكال ولا خلاف في اعتبار الطهارة من الحدثين في الطّواف الواجب ويدل عليه روايات معتبرة:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور، قال يتوضأ ويعيد طوافه» (14).

ومنها: صحيح علي بن جعفر «عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطّواف، قال: يقطع الطّواف ولا يعتد بشيء مما طاف. وسألته عن رجل طاف ثمّ ذكر أ نّه على غير وضوء، قال: يقطع طوافه ولا يعتد به» (15).

وفي جملة من روايات الباب أنّ الحكم باعتبار الطهارة خاص بالطواف الواجب وأمّا الطّواف المندوب فلا يعتبر فيه الطهارة وإنّما يتوضأ لصلاته.

وهنا رواية رواها الشيخ باسناده عن زيد الشحام عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في رجل طاف بالبيت على غير وضوء، قال: لا بأس» (16) وإطلاقها يشمل الطّواف الواجب والمندوب، ولكن لابدّ من رفع اليد عن إطلاقها وحملها على المندوب وتقييدها به، لصحيح محمّد بن مسلم وغيره.

مضافاً إلى ضعف الرواية سنداً، لأن في طريق الشيخ إلى زيد الشحام أبا جميلة وهو ضعيف.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 285: إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فللمسألة صور:

الاُولى: أن يكون ذلك قبل بلوغه النصف ففي هذه الصورة يبطل طوافه وتلزمه إعادته بعد الطهارة (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لو أحدث أثناء الطّواف فهل يبـطل طوافه أو يتوضأ ويأتي بالبـاقي أو فيه تفصيل؟

المعروف بين الأصحاب بل لا خلاف بينهم في أ نّه لو أحدث في طوافه قبل بلوغ النصف بطل طوافه، وإن كان بعده توضأ وأتى بالباقي.

وعن المدارك أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ادعى عليه الاجماع(17).

وعن الفقيه: أنّ الحائض تبني مطلقاً لصحيح ابن مسلم «عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل ثمّ رأت دماً، قال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى» (18).

ولا يخفى أن ما ذكره الصدوق (قدس سره) حكم خاص بالحيض، لأنّ القاعدة تقتضي البطلان بحدوث الحيض في الأثناء، لأن أقل الحيض ثلاثة أيّام فيتحقق الفصل الطويل بين الأشواط، وإذا دلّ دليل خاص على الصحّة وكفاية الاتيان بالباقي نقتصر على مورد النص ولا نتعدى إلى غيره. على أن مسألة حدوث الحيض أثناء الطّواف أجنبية عن المقام بالمرة، لأنّ الكلام في مانعية الحدث في نفسه مع قطع النظر عن مانع آخر كالفصل الطويل وعدم التوالي بين الأشواط.

وكيف كان، فقد يستدل للمشهور بما دلّ على اعتبار الطهارة في الطّواف، فان مقتضاه بطلانه إذا صدر الحدث أثناءه لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وأمّا الحكم بالصحّة بعد التجاوز عن النصف فلأجل دليل خاص، وإلاّ فالقاعدة الأولية تقتضي البطلان مطلقاً.

ويرد عليه: ما ذكرناه في باب الصلاة (19) من أنّ المانعية شيء والقاطعية شيء آخر، ولو كنّا نحن وأدلّة اعتبار الطهارة في الصلاة كقوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» (20) فلا يستفاد منها إلاّ اقتران أجزاء الصلاة بالطهارة، وأمّا الأكوان المتخللة فلا يعتبر فيها الطهارة، فلو صدر الحدث في الأثناء يتوضأ ويأتي بالأجزاء اللاّحقة، فان جميع الأجزاء تكون مقرونة بالطهارة وإن كانت الأجزاء السابقة بالطهور السابق والأجزاء اللاّحقة بالطهور اللاّحق، ولا دليل على وقوع جميع الأجزاء عن طهور واحد، إلاّ أ نّه في باب الصلاة دلّ دليل خاص على قاطعية الحدث وأ نّه موجب لعدم قابلية إلحاق الأجزاء اللاّحقة بالسابقة، ففي باب الصلاة إنّما نقول بالفساد لا لأجل اعتبار الطهارة في الصلاة، بل لأجل أدلّة اُخرى تدل على القاطعية كالأمر بالاعادة والاستئناف.

وأمّا الطّواف الّذي هو اسم للأشواط السبعة، فالأدلّة دلّت على اشتراط الطّواف بالطهارة، فاللازم إيقاع الأشواط السبعة عن طهور، وأمّا اعتبار كون الطهارة شرطاً في الأكوان المتخللة وكون الحدث قاطعاً - كما في الصلاة - فلا دليل عليه.

وربّما يتوهّم أ نّه يدل على ذلك في باب الطّواف صحيح حمران بن أعين لقوله (عليه السلام): «وإن كان طاف طواف النِّساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشي فقد أفسد حجّه - أي طوافه - وعليه بدنة ويغتسل، ثمّ يعود فيطوف اُسبوعاً» (21) فانّه يدل على الفساد وقاطعية الحدث في الأثناء، وهو وإن كان وارداً في طواف النِّساء ولكن الحكم يجري في طواف الحج بالأولى، لأ نّه جزء للحج بخلاف طواف النِّساء فانّه واجب مستقل.

 

وفيه: أن مورد الصحيحة هو الجماع وله أحكام خاصّة في باب الحج، وكيف يمكن التعدي منه لمطلق الحدث.

وممّا ذكرنا يظهر أن ما دلّ على الصحّة أو الفساد فيما إذا حدث الحيض في الأثناء خارج عن محل الكلام، لأنّ حدوث الحيض في الأثناء يوجب الفصل الطويل ولا أقل بثلاثة أيّام، فلا يمكن الاستدلال بذلك للحدث الصادر في الأثناء، فلا دليل لمذهب المشهور إلاّ مرسل ابن أبي عمير على ما رواه الكليني، ومرسل جميل على ما رواه الشيخ عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه، قال: يخرج ويتوضأ، فان كان جاز النصف بنى على طوافه، وإن كان أقل من النصف أعاد الطّواف» (22).

والمرسلة صريحة في مذهب المشهور ولكنّها ضعيفة بالارسال، وقد ذكرنا كثيراً أ نّه لا عبرة بالمراسيل وإن كان المرسل مثل جميل أو ابن أبي عمير، فأدلّة المشهور كلّها ضعيفة، ولكن مع ذلك ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح والوجه في ذلك:

أن حدوث الحيض أثناء الطّواف وإن كان نادراً جدّاً ولكن مع ذلك كثر السؤال عنه في الروايات، وأمّا صدور الحدث خصوصاً من المريض والشيخ والضعيف كثيراً ما يتحقق في الخارج لا سيما عند الزحام، ولا سيما أنّ الطّواف يستوعب زماناً كثيراً ومع ذلك لم ينسب القول بالصحّة إلى أحد من الأصحاب، بل تسالموا على البطلان وأرسلوه إرسال المسلمات، وهذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الأئمة (عليهم السلام) ولو لم يكن الحكم به صادراً منهم (عليهم السلام) لخالف بعض العلماء ولو شاذاً، فمن تسالم الأصحاب وعدم وقوع الخلاف من أحد مع أنّ المسألة مما يكثر الابتلاء به نستكشف الحكم بالبطلان، فما هو المعروف هو الصحيح.

- - - - - - - - - -

 

الثانية: أن يكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع ومن دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه، ويتطهر ويتمه من حيث قطعه (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إذا صدر الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع ففيه صورتان:

الاُولى: أن يصدر الحدث من دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه ويتوضأ ويتمه من حيث قطعه، للتسالم من الأصحاب على الصحّة، ولمرسلة جميل المتقدمة(23) ولعدّة من الروايات الدالّة على الصحّة بطروء الحيض(24) فانّ الحدث أولى بالصحّة.

مضافاً إلى أنّ الأصل يقتضي الصحّة، لاقتران الأشواط بالطهارة ولا دليل على قاطعية الحدث كما تقدم.

الثانية: أن يصدر الحدث اختياراً، فيحتمل الحكم بالصحّة لاطلاق مرسل جميل بناءً على أن إطلاقه يشمل الحدث الاختياري أيضاً، ويحتمل البطلان لا من جهة الحدث بل من جهة الخروج من المطاف اختياراً، فان قطع الطّواف اختياراً إلاّ في موارد خاصّة منصوص عليها موجب للبطلان، فالأحوط هو الجمع بين أن يتم طوافه من حيث قطع ثمّ يعيده ويستأنف من جديد.

على أنّ شمول إطلاق مرسل جميل للحدث الاختياري بعيد جدّاً، لأن بعض أفراده يوجب التعزير وبعضه الآخر يوجب القتل فكيف يصدر ذلك من المحرم، ثمّ يسأل الإمام (عليه السلام) عن حكمه، إلاّ إذا اُريد منه النوم أو مجرّد الريح.

وكيف كان فالحكم بالصحّة بعيد جدّاً، وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى البطلان في هذه الصورة لاستلزامها قطع الطّواف اختياراً، فالقول بالبطلان أرجح ولا أقل من الاحتياط.

 

نعم، يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والاتمام ويكون الزائد لغواً في فرض ما إذا كان الباقي هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل.

- - - - - - - - - -

 

الثالثة: أن يكون الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع، أو يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار. والأحوط في هذين الفرضين أن يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع ثمّ يعيده، ويجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والاتمام، ومعنى ذلك: أن يقصد الاتيان بما تعلق في ذمّته، سواء أكان هو مجموع الطّواف، أم هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل، ويكون الزائد لغواً (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) أمّا إذا صدر الحدث بعد تمام الشوط الرابع مع الاختيار فقد ذكرنا حكمه في الصورة الثانية، والكلام فعلاً فيما لو صدر الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع والمحتمل في هذه الصورة أمران:

أحدهما: الحكم بالصحّة، فيبني على طوافه ويتطهر ويأتي بالباقي.

ثانيهما: الحكم بالفساد ولزوم الاستئناف.

ومنشأ الاحتمالين أنّ المراد بالنصف في المرسلين المتقدِّمين(25) وكلام الأصحاب هل هو النصف الصحيح أو النصف الكسري؟ فانّ النصف إنّما هو باعتبار الأشواط، ومن المعلوم أنّ السبعة ليس لها نصف صحيح إلاّ النصف الكسري أي ثلاثة ونصف.

فان اُريد به النصف الصحيح فلا محالة يراد بالتجاوز عن النصف في المرسل وكلام الأصحاب بعد الشوط الرابع وإتمامه، وإن اُريد به النصف الحقيقي الكسري أي ثلاثة ونصف فيبعّده أنّ التعبير بالوصول إلى الركن الثالث كان أسهل وأولى، فانّ النصف الحقيقي الكسري هو الوصول إلى الركن الثالث سواء أكانت المسافة بينه وبين الكعبة قليلة أو كثيرة، فانّ الطّواف حول الكعبة على نحو الدائرة والوصول إلى الركن الثالث هو النصف على كل تقدير.

فعلى الاحتمال الأوّل لا بدّ من الاعادة والاستئناف لعدم اتمام الشوط الرابع، وعلى الاحتمال الثاني لا حاجة إلى الاعادة بل يبني على طوافه، فمقتضى الاحتمالين وعدم ترجيح أحدهما على الآخر هو الجمع بين الأمرين بأن يتم طوافه من حيث قطع بعد الطهارة ثمّ يأتي بطواف آخر. ويجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والاتمام، فان كان المطلوب هو التمام فقد أتى به ولا عبرة بما تقدم منه، وإن كان المطلوب هو الاتمام فقد حصل ويكون الزائد لغواً.

وممّا يؤيِّد أنّ العبرة في النصف بالنصف الصحيح خبر إبراهيم بن إسحاق عمن سأل أبا عبدالله (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت، قال: تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامّة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة، لأ نّها زادت على النصف وقد قضت متعتها، فلتستأنف بعد الحج، وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» الحديث (26) فقد جعل الثلاثة مقابل الأربعة لا الثلاثة والنصف، فيعلم أنّ النصف لوحظ باعتبار العدد الصحيح وهو الأربعة.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 286: إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف أو في أثنائه، فان علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة وكان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتن بالشك وإلاّ وجبت عليه الطهارة والطّواف أو استئنافه بعدها (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) من شكّ في الطهارة فقد يفرض أ نّه مسبوق بالطهارة فلا ريب أ نّه محكوم بالطهارة لاستصحابها، لصحيح زرارة المعروف الدال على استصحاب الطهارة(27) سواء كان الشك في الأثناء أو بعده أو قبله، وقد يفرض أ نّه مسبوق بالحدث فاستصحاب الحدث يجري على كل تقدير، وقد يفرض أ نّه من باب توارد الحالتين ويشك في السابق واللاّحق وهذا على صور:

أحدها: أن يشك بعد الفراغ من الطّواف ففي مثله يحكم بالصحّة لقاعدة الفراغ لجريانها في جميع الموارد ولا خصوصية لها بالصلاة.

ونقل في الجواهر (28) عن كاشف اللثام (29) الحكم بالبطلان، ولا وجه له أصلاً وهو أعرف بما قال.

ثانيها: أن يشك قبل الطّواف فحينئذ لا بدّ من الطهارة لعدم إحرازها في العمل المشترط بها، سواء قلنا بجريان استصحابي الطهارة والحدث وتساقطهما أو قلنا بعدم جريانهما أصلاً كما عن المحقق صاحب الكفاية (30).

ثالثها: أن يشك في الأثناء، المعروف هو البطلان لعدم إحراز الطهارة وهو الصحيح، واحتمل في الجواهر الصحّة بالنسبة إلى الأشواط السابقة ويتطهّر لما بقي من أشواطه نظير الشك في الطهارة بين صلاتي الظهر والعصر فانّه يحكم بصحّة الظهر وعدم الالتفات إلى الشك ويجب الوضوء للعصر مع أنّ العصر مترتب على الظهر، وقال (قدس سره) ولكن لم أجد من احتمله في المقام (31).

ويرد عليه بالفرق بين صلاتي الظهر والعصر وبين الطّواف، ولا يمكن إجراء قاعدة الفراغ في المقام، ولا يقاس بباب الظهر والعصر، والوجه أن صحّة العصر لا تتوقف على صحّة الظهر واقعاً فانّ الترتيب بينهما ذكري، فلو كان الظهر فاسداً واقعاً صحّ عصره فلا مانع من بطلان ظهره واقعاً وصحّة عصره واقعاً.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 287: إذا شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف لم يعتن بالشك (1) وإن كانت الاعادة أحوط، ولكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف (2).

 

- - - - - - - - - -

(1) لقاعدة الفراغ، وقد عرفت عدم اختصاصها بالصلاة، ولكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار احراز الطهارة فيها.

(2) قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا: أ نّه إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف، فان علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة فهو محكوم بالطهارة لاستصحابها، وإن علم أنّ الحالة السابقة هي الحدث فهو محكوم بالحدث لاستصحابه وتجب عليه الطهارة، وإن كان المورد من باب توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللاّحق تجب عليه الطهارة أيضاً، وإن شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف يحكم له بصحّة الطّواف على جميع التقادير لقاعدة الفراغ.

هذا كلّه بالنسبة إلى الطّواف، وأمّا بالنسبة إلى صلاة الطّواف فلا يمكن الحكم بصحّتها بجريان قاعدة الفراغ في الطّواف، وتفصيل ذلك: أنّه إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة فلا حاجة إلى طهارة جديدة بل يستصحبها ويصلّي صلاة الطّواف وإن كانت الحالة السابقة هي الحدث أو كان المورد من توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللاّحق فلا بدّ له من الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار الطهارة فيها ولا بدّ من إحرازها، وقاعدة الفراغ الجارية في الطّواف إنّما تثبت صحّة العمل السابق الّذي مضى، وأمّا العمل اللاّحق فلا بدّ من إحراز شرائطه.

وبعبارة اُخرى: قاعـدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان عن طهارة، وإنّما تثبت صحّة الطّواف والعمل السابق ولا تتكفل صحّة العمل اللاّحق.

ثمّ إنّه قد يفرض أنّ المكلّف كان محدثاً بالحدث الأصغر ويشك في أ نّه توضأ أم لا، ففي مثل ذلك تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف، ويجب عليه الوضوء للصلاة لاشتراطها بالطهارة.

 

وقد يفرض أنّ الحالة السابقة كانت هي الحدث الأكبر كالجنابة وطاف ثمّ بعد الطّواف يشك في أ نّه اغتسل أوّلاً وطاف أم لم يغتسل، ففي ذلك قد يفرض أ نّه لم يحدث بالحدث الأصغر وإنّما الصادر منه الحدث الأكبر فقط، فهنا لا شك في جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف ويغتسل لصلاة الطّواف بمقتضى استصحاب الجنابة مثلاً، وقد عرفت أن قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان مع الغسل وإنّما تثبت صحّة الطّواف فقط.

وقد يفرض أ نّه أحدث بالحدث الأصغر بعد الطّواف، ففي مثل ذلك لايمكن جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف ولا يمكن الحكم بصحّة طوافه، بل لا بدّ له من إعادة الطّواف، وكذا يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لصلاة الطّواف، والوجه في ذلك:

أنّه يعلم إجمالاً إمّا بعدم صحّة جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الحدث الأكبر وإمّا بعدم جريان قاعدة الفراغ، لأنّ المفروض أ نّه أحدث بالحدث الأصغر فمقتضى جريان الاستصحاب أ نّه بالفعل مجنب ولا بدّ له من الغسل ولا أمر له بالوضوء، إلاّ أنّ المفروض أ نّه أحدث بالحدث الأصغر، فان كان في الواقع جنباً بالفعل فطوافه باطل لأ نّه وقع حال الجنابة، وإن لم يكن جنباً بالفعل فوظيفته الوضوء لا الغسل فليس له أن يغتسل ويصلّي صلاة الطّواف فاذا اغتسل وصلّى يعلم إجمالاً إمّا ببطلان الطّواف أو ببطلان الصلاة، لأ نّه على تقدير صحّة طوافه واقعاً فهو مأمور بالوضوء للصلاة فعلاً، لأنّه قد أحدث بالحدث الأصغر، فالجمع بين جريان الاستصحاب والاغتسال لصلاة الطّواف وبين الحكم بصحّة الطّواف السابق غير ممكن، فان أحدهما خلاف الواقع يقيناً، يعني لو اغتسل وصلّى يعلم إمّا ببطلان الصلاة أو الطّواف، لأ نّه إذا كان مغتسلاً سابقاً فصلاته باطلة، لأنّ وظيفته الوضوء لا الغسل، وإن كانت الجنابة باقية ولم يكن مغتسلاً قبلاً فالطواف باطل فهو عالم جزماً ببطلان أحد العملين إمّا يجب عليه الوضوء للصلاة أو يجب عليه إعادة الطّواف لبطلانه، فالجمع بين استصحاب بقاء الجنابة والاغتسال للصلاة وبين الحكم بصحّة الطّواف السابق ممّا لا يمكن، فقاعدة الفراغ تسقط للمعارضة، فاذا سقطت القاعدة تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال، لأ نّه يشك في الامتثال، كما أ نّه يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لإحراز الطهارة لعدم العلم بحاله وأ نّه جنب أو غير جنب، فيعلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين، ومن جهة لزوم إحراز الطهارة لا بدّ من الجمع بينهما، فالشك بعد الفراغ محكوم بعدم الاعتناء في غير هذا المورد الّذي يكون معه علم إجمالي ببطلان العمل السابق أو اللاّحق، فانّه إذا فرضنا أنّ الجنب أحدث بالأصغر بعد الطّواف ليس له الاكتفاء بالغسل اعتماداً على استصحاب الجنابة، ويأتي بصلاة الطّواف عن غسل، لأ نّه مستلزم للعلم بالمخالفة، فتدبر فان هذه نكتة لم أر من تنبّه إليها.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 288: إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء يتيمم (1) وأتى بالطواف، وإذا لم يتمكّن من التيمم أيضاً جرى عليه حكم من لم يتمكّن من أصل الطّواف. فاذا حصل له اليأس من التمكّن لزمته الاستنابة للطواف، والأحوط الأولى أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة.

 

- - - - - - - - - -

(1) لأنّ التراب أحد الطهورين وهو بمنزلة الوضوء، والمعتبر في الطّواف هو الطهارة، والواجد للماء طهارته الوضوء والفاقد له طهارته التيمم، وإذا لم يتمكن من التيمم أيضاً فهو فاقد الطهورين فهو في الحقيقة غير متمكن من الطّواف، لأن عدم التمكن من الشرط موجب لعدم التمكن من المشروط فتصل النوبة إلى الاستنابة، لما سيأتي(32) أنّ الطّواف تجب فيه المباشرة وإلاّ فيستنب.

وبتعبير آخر: أنّ العمل بعهدة المكلف ولكن يقوم به تارة بالمباشرة واُخرى بالتسبيب بحمله وإطافته، وإن لم يتمكن من ذلك أيضاً يطاف عنه، فهذه مراتب الطّواف كما في صحيحة معاوية بن عمار(33)، ولكن في المقام لا مجال للإطافة به، لأنّ المفروض أ نّه قادر على إتيان نفس العمل ولكن لا يتمكن من إتيانه مع الطهارة فينتهي الأمر إلى الاستنابة.

 

ويحتمل بعيداً سقوط الطهارة في الطّواف كما احتمل في الصلاة بأن يصلّي بلا طهور وهكذا المقام يطوف بلا طهارة. وهذا الاحتمال ساقط جدّاً، لأن ظاهر الأدلّة هو الاشتراط على الاطلاق للقادر والعاجز.

نعم، لا بأس بالاحتياط بأن يطوف بلا طهارة ويستنيب فيما إذا كان الحدث حدثاً أصغر.

وحكى في الجواهر عن الفخر عن والده (قدس سره) أنّه لا يرى إجزاء التيمم فيه بدلاً عن الغسل، لعدم مشروعية التيمم للجنب من أجل الدخول في المسجدين ولا اللّبث في سائر المساجد، ومقتضى ذلك عدم مشروعيته للطواف لاستلزامه الدخول واللّبث في المسجد (34).

ويندفع بأنّ التيمم للطواف نفسه لا للدخول في المسجد نظير التيمم للصلاة فيكون متطهراً فيجوز له الدخول في المسجد للصلاة.

هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في باب التيمم(35) من قيام الطهارة الترابية مقام المائية فانّ الطهارة الترابية لها نفس الخصوصية المائية الثابتة لها فلا موجب للاستنابة، نعم هو أحوط.

وإن لم يتمكن من التيمم يتعين عليه الاستنابة لحرمة دخول الجنب في المسجد والاحتياط بالطواف من غير طهارة غير جار في المقام.

فظهر أنّ المكلف إذا كان محدثاً بالحدث الأصغر ولم يتمكن من الوضوء يتيمم ويأتي بالطواف، وإن لم يتمكن من التيمم أيضاً يستنيب، والأحوط استحباباً أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة، وأمّا إذا كان محدثاً بالحدث الأكبر فيتعيّن عليه الاستنابة ولا يجوز له الدخول في المسجد ولا يحتاط بالطواف بنفسه. وهكذا الحال في الحائض والنفساء إذا تعذر الاغتسال.

الاُولى: ما إذا طرأ الحيض قبل الطّواف، سواء حاضت حال الاحرام أو بعده وفرضنا سعة الوقت لأداء أعمالها، فلا ريب في أ نّه يجب عليها الصبر إلى أن تطهر وتغتسل وتأتي بأعمالها.

وأمّا إذا لم يسع الوقت فالمعروف والمشهور أ نّها تعدل إلى حج الإفراد. وقيل بالتخيير بين العدول إلى الافراد وبين ترك الطّواف والاتيان بالسعي، ثمّ الاتيان بأعمال الحج وقضاء طواف العمرة بعد ذلك.

وهنا أقوال اُخر ذكرناها في شرح كتاب العروة في المسألة الرابعة من فصل صورة حجّ التمتّع(36) والقول المشهور هو الصحيح في بعض الفروض فانّ الحائض على قسمين:

أحدهما: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم.

ثانيهما: ما إذا طرأ الحيض بعد الاحرام.

أمّا الأوّل: فوظيفتها ما ذكره المشهور من انقلاب حجّها إلى الافراد وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة.

وأمّا الثاني: فهي مخيّرة بين العدول إلى الافراد وتأتي بعمرة مفردة، وبين أن تترك الطّواف وتبقى على عمرتها وتسعى وتقصر ثمّ تحرم للحج، وبعد أداء المناسك تقضي طواف العمرة ثمّ تأتي بطواف الحج، والوجه في هذا التفصيل ما ذكرناه مبسوطاً في شرح كتاب العروة (37) وملخّصه: أنّ الروايات الواردة في المقام على أقسام:

فمنها: ما دلّ على العدول إلى الافراد من دون تفصيل بين حدوث الحيض عند الاحرام أو طروئه بعد الاحرام، وهي صحيحة جميل «عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثمّ تقيم حتّى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتجعلها عمرة» (38).

 

ومنها: ما دلّ على أن وظيفتها حجّ الافراد ولكن موردها حدوث الحيض من أوّل الاحرام، وهي صحيحة زرارة ومعاوية بن عمار الواردتان في قضية نفاس أسماء بنت عميس حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة (39).

وهاتان الطائفتان لا معارض لهما، فيتعيّن عليها العدول في هذا الفرض، أي ما إذا كان الحيض قبل الاحرام.

وأمّا إذا طرأ الحيض بعد الاحرام وقبل الطّواف فالروايات مختلفة، ففي مصححة إسحاق «عن المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتّى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجّة مفردة، قلت: عليها شيء؟ قال: دم تهريقه وهي اُضحيتها»(40).

وبإزائها روايات تدل على بقائها على عمرتها وقضاء الطّواف والصلاة بعد أداء المناسك، منها صحيحة العلاء وعجلان(41) فهاتان الطائفتان متنافيتان ولا بدّ من العلاج بينهما، فان بنينا في أمثال هذه الموارد - ممّا اُمر المكلّف بشيئين وعلمنا من الخارج بأنّ الواجب عليه أحدهما كالأمر بالقصر والتمام في مورد واحد - على التعارض فاللاّزم إعمال قواعد التعارض. وإن قلنا بعدم التعارض وأن لهما جمعاً عرفياً فلا بدّ من العمل بهما.

والظاهر إمكان الجمع بينهما وهو قاض بالتخيير، لأن أصل الوجوب مستفاد من النص ولا يمكن رفع اليد عن وجوب كل منهما، وأمّا وجوب كل منهما على سبيل التعيين فيستفاد من إطلاق كل من الخبرين، فنرفع اليد عن إطلاق كل منهما بنص الآخر، ونتيجة ذلك هي التخيير فيعمل بكل من الخبرين.

ولو قلنا بالتعارض فيسقطان معاً فيرجع إلى صحيح جميل الدال على العدول مطلقاً، فليس لها الاكتفاء باتيان بعض أعمال العمرة وتأخير الطّواف.

هذا كلّه إذا تمكّنت من إتيان بقية أعمال العمرة من السعي والتقصير، وأمّا إذا فرضنا أ نّها لا تتمكّن من ذلك لعدم سعة الوقت للسعي وعدم صبر الرفقة فيفوت منها الوقوف، فوظيفتها العدول إلى الافراد كما في صحيح مرازم(42) وغيره، فان مقتضى الجمع بين الروايات أنّ المناط في العدول وعدمه درك الوقوف الاختياري لعرفة وعدمه، وهذا من دون فرق بين الحائض وغيرها من ذوي الأعذار.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 289: يجب على الحائض والنفساء بعد انقضاء أيّامهما وعلى المجنب الاغتسال للطواف، ومع تعذر الاغتسال واليأس من التمكن منه يجب الطّواف مع التيمم والأحوط الاُولى حينئذ الاستنابة أيضاً، ومع تعذر التيمم تتعين عليه الاستنابة (43).

مسألة 290: إذا حاضت المرأة في عمرة التمتّع حال الاحرام أو بعده وقد وسع الوقت لاداء أعمالها صبرت إلى أن تطهر فتغتسل وتأتي بأعمالها، وإن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان:

الاُولى: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الافراد، وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكّنت منها.

الثانية: أن يكون حيضها بعد الاحرام، ففي هذه الصورة تتخير بين الاتيان بحج الافراد كما في الصورة الاُولى، وبين أن تأتي بأعمال عمرة التمتّع من دون طواف، فتسعى وتقصّر ثمّ تحرم للحج، وبعد ما ترجع إلى مكّة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج، وفيما إذا تيقنت ببقاء حيضها وعدم تمكّنها من الطّواف حتّى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها ثمّ أتت بالسعي بنفسها. ثمّ إنّ اليوم الّذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم أيّام الحيض فيجري عليها حكمها (44).

 

مسألة 291: إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها فالمشهور على أن طروء الحيض إذا كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها، وإذا كان بعده صحّ ما أتت به ووجب عليها إتمامه بعد الطّهر والاغتسال، والأحوط في كلّتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام والاتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت، وإلاّ سعت وقصّرت وأحرمت للحج، ولزمها الاتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى وقبل طواف الحج على النحو الّذي ذكرناه (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذه الصورة الثانية: وهي ما إذا طرأ الحيض أثناء الطّواف، فقد ذهب المشهور إلى بطلان طوافها إذا طرأ الحيض قبل إتمام الشوط الرابع، ويجب عليها الاستئناف. وذهب الصدوق إلى أ نّها تعتد بما مضى وبعد الطّهر تأتي ببقية الأشواط(45) وهذه الصورة لها أقسام يظهر حكمها في ضمن مسائل:

المسألة الاُولى: ما إذا حاضت المرأة قبل إتمام الشوط الرابع وتتمكن من الاتمام أو الاستئناف.

الثانية: نفس الصورة ولكن المفروض أ نّها لا تتمكن من الاستئناف أو الاتمام.

الثالثة: ما إذا حاضت بعد الأربعة.

أمّا المسألة الاُولى: كما إذا فرضنا أ نّها حاضت في أوّل ذي الحجة وعادتها خمسة أيّام أو ستّة، فقد ذهب المشهور إلى البطلان في هذا القسم وأن عليها الاستئناف خلافاً للصدوق (قدس سره)(46)، فانّه ذهب إلى الصحّة وأ نّها تعتد بالأشواط السابقة وعليها الاتمام بعد الطهر، بل ذهب إلى الصحّة حتّى إذا طرأ الحيض قبل الشوط الرابع، ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات، فقد استدلّ للمشهور بعدّة روايات:

منها: ما رواه الصدوق عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبدالله (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت، قال: تتم طوافها - إلى أن قال - وإن هي لم تطف إلاّ ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» (47).

رواه الشيخ باختلاف يسير عن إبراهيم بن أبي إسحاق عن سعيد الأعرج كما في التهذيب (48). وعن إبراهيم عن أبي إسحاق عمّن سأل أبا عبدالله (عليه السلام) كما في الاستبصار(49)، فانّها تدل على فساد الأشواط الثلاثة وعدم جواز إتمامها بالأشواط الأربعة بعد الطهر، كما أنّ التعليل بقوله: «لأ نّها زادت على النصف» تدل على البطلان قبل التجاوز من النصف.

والرواية ضعيفة على كلا الطريقين بإبراهيم الواقع في السند، فانّه إن كان هو النهاوندي الأحمري فهو ضعيف، وإن كان غيره فهو مجهول، مضافاً إلى الإرسال في طريق الصدوق، وإلى وقوع محمّد بن سنان في طريق الشيخ.

ومنها: ما رواه الشيخ عن أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ قال «حدثني من سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: في المـرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعـة أشواط ثمّ حاضت فمتعتها تامّة وتقضي ما فاتها من الطّواف» (50) ورواه الكيني بطريق آخر عن إسحاق بيّاع اللؤلؤ (51).

 

والرواية بمفهومها تدل على فساد متعتها إذا كان الطّواف أقل من الأربعة. ولكنّها ضعيفة بالارسال وباسحاق أو بأبي إسحاق صاحب أو بيّاع اللؤلؤ.

على أن مورد الرواية ما إذا لم تتمكن الحائض من استئناف الطّواف قبل الحج وكلامنا في من تمكنت من الاستئناف.

ومنها: ما رواه الكليني عن أحمد بن محمّد عمن ذكره عن أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلت قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطّواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (52).

ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة وهي في الطّواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع، فاذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الّذي علمته، فان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (53).

وهما وإن كانتا واضحتي الدلالة على فساد الطّواف إذا طرأ الحيض قبل الأربعة أشواط وقبل التجاوز من النصف، وليس موردها عدم التمكن من الاستئناف، ولكنهما ضعيفتان سنداً، أمّا الاُولى فبالارسال والثانية بسلمة بن الخطاب. فاذن لا مدرك للمشهور.

وأمّا الصدوق فلم يذكر إلاّ مرسلة إبراهيم بن إسحاق المتقدمة وصحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً، فقال: تحفظ مكانها، فاذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى» (54) ثمّ قال (قدس سره): وبهذا الحديث اُفتي لأ نّه رخصة ورحمة وإسناده متصل، وأمّا الحديث الأوّل أي مرسل إبراهيم بن إسحاق فاسناده منقطع (55).

فمذهب الصدوق هو الصحّة سواء حاضت المرأة بعد النصف أو قبله اعتماداً على صحيح ابن مسلم.

وقد ذكر الشيخ هذه الصحيحة وقال إنّها محمولة على النافلة (56) لما تقدّم منه(57)، أن طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استئنافه من أوّله ويجوز له في النافلة البناء عليه.

وتوضيح ما ذكره الشيخ: انّه قد تقدّم(58) انّه متى نقص طواف الفريضة عن النصف وأحدث الطائف وخرج ليتوضأ بطل طوافه.

وإذا كان بعد النصف اعتد بما مضى وبنى عليه والمسألة غير خلافية.

وذكرنا أنّ ذلك كثير الابتلاء والتحقق في الخارج فإذا بطل الطّواف بالحدث الأصغر يبطل بالحيض بالأولوية القطعية فانّه لا يقصر عن النوم أو الريح، على أنّ الفصل بالحيض لا يخلو من سائر الأحداث.

مضافاً إلى ذلك أ نّه يكفي في البطلان عدم التوالي والفصل الكثير بين الأشواط لأنّ الحيض أقلّه ثلاثة أيّام، فالروايات الدالّة على بطلان الطّواف بالحدث تكون قرينة على حمل هذه الصحيحة على طواف النافلة، فما ذكره الشيخ من الحكم بالبطلان هو الصحيح.

المسألة الثانية: نفس المسألة السـابقة مع عدم سعة الوقت لإتمام الطّواف أو استئنافه وهذه المسألة تدخل في المسألة الّتي تقدّمت وهي ما إذا حاضت المرأة قبل الاحرام ولا تتمكّن من الطّواف إلى أن يبلغ زمان الحج، وظاهر كلام الصـدوق هو الصحّة والاعتداد بما مضى حتّى في هذه الصورة، فانّ الظاهر من ذكره صحيح ابن مسلم والافتاء بمضمونه وعدم العمل بمرسلة إسحاق هو الحكم بالاتمام والاعتداد في كلتا الصورتين، كانت متمكنة من الاتمام أم لا.

ولكن لا يخفى أ نّه لا يمكن الالتزام بما ذكره أصلاً حتّى لو فرضنا ورود صحيح ابن مسلم في طواف الفريضة، فان غاية ما يستفاد من الصحيحة عدم مانعية الحيض وعدم اعتبار التوالي بين الأشواط، وأمّا جواز الاتمام حتّى بعد أعمال الحج فلا يستفاد منها، بل ذلك يحتاج إلى دليل آخر.

وبعبارة اُخرى كلامنا في مقامين: أحدهما: في مانعية الحيض. ثانيهما: في جواز التبعيض وعدم التوالي، ولا يستفاد الثاني من صحيح ابن مسلم، بل تدخل المسألة في مسألة عدم تمكّن الحائض من الطّواف برأسه، فلو وافقنا الصدوق في الصورة الاُولى وهي تمكن الحائض من الاتمام لا نوافقه في هذه الصورة وهي عدم تمكنها من الاتمام.

المسألة الثالثة: ما إذا طرأ الحيض بعد أربعة أشواط.

المعروف بينهم أن عمرتها تامّة، لأنّ الحيض حدث بعد تجاوز النصف فتأتي بالبقيّة بعد الطّهر، واستدلّوا بالروايات المتقدمة (59) كرواية إبراهيم بن إسحاق وأحمد بن عمر الحلال، ولكن قد عرفت أنّ الروايات كلّها ضعيفة، فان قلنا بالانجـبار فهو، وإلاّ فتدخل المسألة في المسألة المتقدمة، وهي ما إذا حاضت المرأة قبل الطّواف، فنقول: إنّ الوقت إذا كان واسعاً كما لو فرضنا أنّ المرأة حاضت في شهر ذي القعدة، فالأحوط لها أن تجمع بين الاستئناف لحصول الفصل وعدم التوالي وبين الاتمام، ولها أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام والإتمام، ولا تصل النوبة إلى العدول إلى الإفراد.

وأمّا إذا ضاق الوقت فالمشهور أيضاً الصحّة، فتتم طوافها بعد أعمال الحج والرجوع إلى مكّة، ولكنّ الأظهر هو البطلان وتدخل المسألة أيضاً في المسألة السابقة، وهي ما إذا حاضت بعد الاحرام ولم تتمكّن من الاتيان بالعمرة قبل الحج.

والمختار عندنا فيها هو التخيير بين أن تعدل إلى الإفراد وبين أن تسعى وتقصّر وتقضي الطّواف بعد أداء مناسك الحج، والأحوط لها هو الاتمام والاستئناف على النحو الّذي مرّ.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 292: إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطّواف وقبل الاتيان بصلاة الطّواف صحّ طوافها وأتت بالصلاة بعد طهرها واغتسالها، وإن ضاق الوقت سعت وقصّرت وقضت الصلاة قبل طواف الحج (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذه هي الصورة الثالثة، وهي طروء الحيض بعد الفراغ من الطّواف، وقد حكم فيها بالصحّة، إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللاّحق، فانّه بعد ما قيل بأن حدوث الحيض بعد أربعة أشواط لا يوجب البطلان وتكمل بقية الأشواط بعد أعمال الحج، فجواز تأخيرها الصلاة أولى، لأن كلاّ منهما عمل مستقل، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا فمقتضى القاعدة أيضاً عدم البطلان، إذ لا مقتضي لبطلانه بالحيض الطارئ بعده.

نعم، يتحقق الفصل بين الطّواف والصلاة، ولا مانع إذا كان بأمر غير اختياري، كما إذا عجز من الصلاة كالمريض والكسير فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض، وإن لم يسع الوقت فتسعى وتقصّر وتأتي بالصلاة بعد أعمال الحج كما هو الحال في قضاء الطّواف.

وأمّا احتمال العدول إلى الإفراد فساقط جزماً، لأنّ أدلّة العدول وردت في من لا يتمكّن من الطّواف لا الصلاة.

ويكفينا في الحكم المزبور صحيح زرارة قال: «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلِّي الركعتين، فقال: ليس عليها إذا طهرت إلاّ الركعتين وقد قضت الطّواف»(60).

ونحوها صحيح معاوية بن عمار(61) فان مورده وإن كان حدوث الحيض قبل السعي ولكن إطلاقه يشمل قبل الصلاة وبعدها.

ويؤيّدهما رواية أبي الصباح الكناني(62) والمستفاد منها أنّ الحيض غير ضائر بالاتصال ولا يوجب البطلان، وقوله: «ليس عليها إلاّ الركعتين» ظاهر في أنّ الطّواف طواف الفريضة.

بقي الكلام في أمرين:

أحدهما: أ نّه لا فرق بين كون الحيض ظاهراً وبين كونه واقعياً مخفياً كأيّام الاستظهار، فانّ المرأة محكومة بالحيض في أيّام الاستظهار.

ثانيهما: ما ذكرناه للحائض من انقلاب حجتها إلى الإفراد أو تأخير الطّواف إلى ما بعد أعمال الحج وأداء المناسك مشروط بعدم تيقن المرأة ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة، وأمّا إذا علمت ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة، كما إذا حاضت في السابع من ذي الحجة وكانت عادتها عشرة أيّام وتعلم بأنّ القافلة لا تنتظرها هذا المقدار من الزمان، فلا ريب في أ نّها غير مشمولة للروايات الدالّة على تأخير الطّواف وقضائه بعد أعمال الحج أو على الانقلاب إلى الإفراد، فان موردها التمكن من قضاء الطّواف بعد الحج، أو التمكن من إتيان العمرة المفردة والخروج إلى التنعيم، فاذا علمت ببقاء الحيض إلى زمان لا يتمكّن من الطّواف ولا من الخروج إلى التنعيم للعمرة المفردة فاللاّزم عليها الاستنابة، وتدخل المرأة حينئذ في عنوان من لا يتمكّن من الطّواف برأسه كالمريض والكسير ونحوهما، فتستنيب لجميع الطوافات الثلاثة.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 293: إذا طافت المرأة وصلّت ثمّ شعرت بالحيض ولم تدر أ نّه كان قبل الطّواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أ نّه حدث بعد الصلاة، بنت على صحّة الطّواف والصلاة (1) وإذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة وضاق الوقت، سعت وقصّرت وأخّرت الصلاة إلى أن تطهر وقد تمّت عمرتها.

 

- - - - - - - - - -

(1) لقاعدة الفراغ، لأ نّها تشك في صحّة العمل السابق وعدمها، ولو فرضنا أنّها كانت غافلة حين العمل فالقاعدة لا تجري، ولكن يجري استصحاب عدم الحيض.

وربّما يتوهّم معارضة استصحاب عدم الحيض باستصحاب عدم وقوع الطّواف أو الصلاة إلى زمان الحيض.

وفيه: أ نّا قد ذكرنا في محله(63) أ نّه لا مجال لهذا الاستصحاب، لأن استصحاب عدم وقوع الطّواف إلى زمان الحيض لا يثبت وقوع الطّواف حال الحيض إلاّ بالمثبت فلا أثر لهذا الاستصحاب، فالاستصحاب الأوّل وهو استصحاب عدم الحيض جار بلا معارض ونحكم بالصحّة بضمّ الوجدان إلى الأصل، فانّ الطّواف متحقق في الخارج وجداناً والحيض مرتفع بالأصل.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 294: إذا دخلت المرأة مكّة وكانت متمكنة من أعمال العمرة ولكنّها أخّرتها إلى أن حاضت حتّى ضاق الوقت مع العلم والعمد، فالظاهر فساد عمرتها والأحوط أن تعدل إلى حجّ الافراد ولا بدّ لها من إعادة الحج في السنة القادمة (1).

مسألة 295: الطّواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة (2) فيصح بغير طهارة، ولكن صلاته لا تصح إلاّ عن طهارة.

 

- - - - - - - - - -

(1) الظاهر فساد عمرتها في هذه الصورة، وكذا كل من أخّر الطّواف عالماً عامداً حتّى ضاق الوقت، وقد تقدّم(64) أن أدلّة الانقلاب وأدلّة جواز تأخير الطّواف لا تشمل التأخير العمـدي، وإنّما تختص بالتأخير العذري، فعليه الحج من قابل، والأحوط العدول إلى الافراد وإعادة الحج في السنة القادمة كما في المتن.

(2) للروايات المستفيضة منها: صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور، قال: يتوضأ ويعيد طوافه، وإن كان تطوّعاً توضأ وصلّى ركعتين» (65) إذ لا صلاة إلاّ بطهور، ولم يرد في الطّواف ذلك، بل يجوز للمجنب والحائض الطّواف فيما إذا كان دخولهما في المسجد أو اللبث فيه جائزاً لهما كموارد الضرورة والخوف من الخروج، وإنّما لا يصح لهما الطّواف لحرمة الدخول عليهما، ولو لم يكن الدخول أو اللبث محرماً لا دليل على مانعية الجنابة والحيض في الطّواف المندوب.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 296: المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور والمسلوس، أمّا المبطون فالأحوط أن يجمع مع التمكّن بين الطّواف بنفسه والاستنابة، وأمّا المستحاضة فالأحوط لها أن تتوضأ لكل من الطّواف وصلاته إن كانت الاستحاضة قليلة وأن تغتسل غسلاً واحداً لهما وتتوضأ لكل منهما إن كانت الاستحاضة متوسطة وأمّا الكثيرة فتغتسل لكل منهما من دون حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر، وإلاّ فالأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) الطهارة المعتبرة في الطّواف كالطهارة المعتبرة في الصلاة تشمل الطهارة الترابية والمائية بجميع مراتبها، كالوضوء أو الغسل الاختياري منهما أو الجبيري مثل الكسير ونحوه.

نعم، في خصوص المبطون كلام فقد ذكروا أ نّه يستنيب في الطّواف وقال في الجواهر ولعل الفارق النص، وإلاّ فالقاعدة تقتضي جواز الاكتفاء بالطهارة الاضطرارية كسائر ذوي الأعذار (66)، ففي روايات عديدة عمدتها صحيحة معاوية بن عمار أنّ المبطون يرمي ويطاف عنه، ويصلّى عنه(67) ولا ريب أنّ الأحـوط له أن يطوف بنفسـه مع الطهارة الاضطرارية، وأن يستنيب.

ولكن الظاهر كفاية طوافه بنفسه، لأنّ الظاهر من النصوص هو المبطون غير القادر على الطّواف بنفسه كالمريض العاجز عن الطّواف بالمرة، وذلك بقرينة عطف المبطون على الكسير في النص أوّلاً، فانّ المراد بالكسير هنا الّذي يطاف عنه، من عجز عن الطّواف بالمرة، ولا نحتمل أن يكون المراد به مطلق الكسير حتّى الّذي يتمكّن من الطّواف كمن كسرت يده، وبقرينة عطف الرمي على الطّواف ثانياً - مع أ نّه لا يعتبر الطهارة في الرمي - يعلم أنّ المراد بذلك من يعجز عن إتيان العمل، بل ومن عطف الصلاة على الطّواف ثالثاً حيث يظهر أنّ المراد هو العاجز عن أداء الأعمال، وإلاّ فمطلق المبطون غير عاجز عن الصلاة.

ثمّ إن شيخنا الاُستاذ في مناسكه عطف المسلوس على المبطون (68)، ولم يظهر لنا وجهه، فانّ المذكور في الروايات هو المبطون، فالواجب على المسلوس أن يعمل بوظيفته المقررة له وطهارته العذرية كافية.

وأمّا المستحاضة فلا شك في أ نّه يجب عليها الطّواف، إذ لا مانع لها من الدخول في المسجد بعد أن تعمل بوظيفتها المقرّرة لها، وأمّا بالنسبة إلى اعتبار الطهارة في طوافها فقد ورد في صحيح عبدالرّحمن بن أبي عبدالله قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ - إلى أن قال - وكل شيء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت»(69) فانّ المستفاد منه أنّ الطهارة المعتبرة في الطّواف بعينها هي الطهارة المعتبرة في الصلاة، وأن ما يستحل به الصلاة يستحل به الطّواف، وأنّ الطّواف كالصلاة في الحاجة إلى الطهارة، فلا يجوز لها الاتيان بالطواف بلا طهارة من الوضوء أو الغسل، وحيث إنّ المستحاضة على أقسام وكيفية طهارتها مختلفة، فاللاّزم عليها إتيان ما عليها من الوظائف المقررة لها في كل قسم لأجل الطّواف وصلاته، فان كانت قليلة فتتوضأ لكل من الطّواف والصلاة.

وأمّا المتوسطة فتغتسل غسلاً واحداً لهما وتتوضأ لكل منهما، وإن كانت كثيرة فتغتسل لكل من الطّواف والصلاة ولا حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر وإلاّ فتتوضأ أيضاً بناءً على المشهور، ولكن على المختار عندنا فلا حاجة إلى الوضوء لاغناء كل غسل عن الوضوء، وإن كان الأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل، فحال الطّواف حال الصلاة، بل لو فرضنا أن هذه الرواية الصحيحة لم تكن فالأمر كما بيّنا.

بيان ذلك: أن ابتلاء النِّساء بالاستحاضة كثير، ولا ريب أنّ الاستحاضة حدث والطّواف غير ساقط عنها ويعتبر فيه الطهارة، ولم يذكر كيفية طهارة المستحاضة وطوافها في نصوص المقام مع كثرة الابتلاء بها، ولا يمكن إهمالها كما لم يهملوا كيفية طواف الحائض، فيعلم من هذه الاُمور والقرائن بعد ضم بعضها إلى بعض، أن حكم المستحاضة ما ذكرنا، وأن حال الطّواف حال الصلاة فتدبّر في المقام.

- - - - - - - - - -

 

الثالث من الاُمور المعتبرة في الطّواف: الطهارة من الخبث، فلا يصح الطّواف مع نجاسة البدن أو اللباس، والنجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم لا تكون معفواً عنها في الطّواف على الأحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) المعروف بين الفقهاء اعتبار الطهارة من الخبث في البدن واللباس، وعن ابن الجنيد كراهة الطّواف في ثوب أصابه الدم (70) وعن ابن حمزة كراهته مع النجاسة في ثوبه أو بدنه (71) ومال إليه في المدارك تضعيفاً للرواية الدالّة على ذلك (72).

أقول: النصوص الواردة في المقام ثلاثة:

أحدها: ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطّواف، قال: ينظر الموضع الذي رأي فيه الدم فيعرفه ثمّ يخرج ويغسله ثمّ يعود فيتم طوافه»(73) والدلالة واضحة ولكن السند ضعيف بمحسن بن أحمد الواقع في السند، فانّه ممن لم يوثق.

ثانيها: ما رواه الصدوق باسناده عن يونس بن يعقوب قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف، قال: فاعرف الموضع ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عد فابن على طوافك»(74) ودلالته تامّة، وأمّا السـند فمعتبر عندنا استشكل في الحكم المزبور لأنّ الحكم ابن مسكين الواقع في طريق الصدوق إلى يونس وإن لم يوثق في الرجال ولكنّه من رجال كامل الزيارات فيكون ثقة فتكون الرواية معتبرة، ولكن السيِّد صاحب المدارك حيث لا يرى وثاقته فيكون الخبر ضعيفاً عنده، ولذا (75).

ثالثها: مرسل البزنطي عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله، فطاف في ثوبه، فقال: أجزأه الطّواف ثمّ ينزعه ويصلّي في ثوب طاهر» (76) وهو دال على عدم مانعية النجاسة وعدم اعتبار الطهارة ولكنّه غير قابل للمعارضة لضعفه بالارسال، فالمعتمد إنّما هو موثق يونس على طريق الصدوق.

وأمّا ما استدلّ للحكم المذكور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (77) ففيه أنّ النبوي لم يثبت من طرقنا.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 297: لا بأس بدم القروح والجروح فيما يشق الاجتناب عنه، ولا تجب إزالته عن الثوب والبدن في الطّواف، كما لابأس بالمحمول المتنجس، وكذلك نجاسة مالا تتم الصلاة فيه(1).

مسألة 298: إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ علم بها بعد الفراغ من الطّواف صحّ طوافه، فلا حاجة إلى إعادته، وكذلك تصح صلاة الطّواف إذا لم يعلم بالنجاسة إلى أن فرغ منها (2).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذه المسألة تشتمل على أمرين:

أحدهما: لا فرق في النجاسة بين النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم وبين غير المعفو عنها، إذ لا دليل على الاستثناء في الطّواف، ومقتضى إطلاق الموثق عدم الفرق بين الأقل من الدرهم والأكثر منه، كما أ نّه لا دليل على استثناء دم القروح والجروح إلاّ إذا كان بحيث يشق الاجتناب عنه ويشق على المكلف إزالته فانّه يصحّ الطّواف معه لنفي الحرج، وكذا لا مانع من المحمول المتنجس حتّى على القول بمنعه في الصلاة، لأنّ الدليل منع عن الطّواف في الثوب النجس ولا يشمل الثوب المحمول فانّ الظاهر من قوله: رأيت في ثوبي، الثوب الملبوس لا المحمول.

ثانيهما: هل يختص المنع بالثوب الّذي تتم فيه الصلاة كالقميص والجبّة والقباء ونحوها، أم يعمّ الثوب الّذي لا تتم فيه الصلاة كالتكة والجورب والقلنسوة؟ وجهان.

الظاهر هو الأوّل، وذلك لعدم صدق الثوب بصيغة المفرد المذكور في النص على مثل التكة والقلنسوة والجورب ونحوها وإن صدق عليها الثِّياب، فانّ الثوب ينصرف إلى مثل القباء والجبّة والقميص ونحو ذلك ولا يصدق على الجورب والتكة والقلنسوة جزماً، ولا أقلّ من الشك فيرجع إلى الأصل المقتضي لعدم الاعتبار.

(2) لا يخفى أن اعتبـار الطهـارة مشروطة بالعـلم، وأمّا إذا طاف وصلّى ثمّ علم بالنجاسة صحّ طوافه وصلاته، أمّا الصلاة فواضحة، لأنّ النجاسة إنّما تكون مانعة في الصلاة مع العلم، لحديث لا تعاد (78) ولروايات خاصّة فارقة بين الجهل والنسيان (79).

وأمّا الطّواف فلأنّ المستفاد من موثق يونس(80) أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة ولذا أمر بالبناء على طوافه والاعتداد بما مضى فيما إذا علم بالنجاسة في الأثناء، ولا نحتمل الفرق بين الأشواط السابقة واللاّحقة.

على أ نّه يكفينا عدم الدليل على الاعتبار على الاطلاق، لأن مقتضى النص مانعية النجاسة بشرط العلم بها، وأمّا لو لم يعلم بها فلا مانع.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 299: إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ تذكرها بعد طوافه صحّ طوافه على الأظهر، وإن كانت إعادته أحوط، وإن تذكرها بعد صلاة الطّواف أعادها (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) ومما ذكرنا في المسألة السابقة يظهر الحال في النسيان، فانّ الظاهر من النص مانعية النجاسة في صورة العلم بها لا المانعية مطلقاً، فما نسب إلى جماعة منهم الشهيد في الدروس من البطلان في صورة النسيان (81) كالصلاة ضعيف، وحمل الطّواف على الصلاة في النجاسة المنسية لا وجه له كما عرفت.

بل لا يبعد دعوي إطلاق الموثق باعتبار ترك الاستفصال للجهل والنسيان، بخلاف الصلاة فانّه إنّما نقول ببطلانها في النجاسة المنسية لأدلّة خاصّة في مورد النسيان.

فإذن لا فرق في الحكم بالصحّة بين الجهل والنسيان.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 300: إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه وعلم بها أثناء الطّواف، أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطّواف، فان كان معه ثوب طاهر مكانه طرح الثوب النجس وأتم طوافه في ثوب طاهر، وإن لم يكن معـه ثوب طاهر فان كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطّواف قطع طوافه ولزمه الاتيان بما بقي منه بعد إزالة النجاسة، وإن كان العلم بالنجاسة أو طروئها عليه قبل إكمال الشوط الرابع، قطع طوافه وأزال النجاسة، ويأتي بطواف كامل بقصد الأعم من التمام والاتمام على الأحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لو تذكر بالنجاسة وهو في أثناء الطّواف، فان تمكن من الإتمام في الطاهر طرح الثوب النجس وأتم طوافه في الثوب الطاهر ولا حاجة إلى الاعادة، لما عرفت من أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة، والطهارة إنّما هي شرط ذكري، والمانع إنّما هو النجاسة المعلومة حين الطّواف، هذا مما لا إشكال فيه.

إنّما الاشكال فيما إذا لم يكن له ثوب آخر وأ نّه لا يتمكن من التبديل، فقد نسب إلى جماعة منهم الشهيد(82) وتبعهم الاُستاذ النائيني(83) (قدس سره) التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه، ففي الأوّل يزيلها ويبني، وفي الثاني يستأنف كما هو الحال في صدور الحدث في الأثناء، إلاّ أ نّه لا دليل على هذا التفصيل في النجاسة الخبثية، والروايات إنّما وردت في الحدث والحيض، وفي بعضها ورد التعليل بأ نّها زادت على النصف، وقد عرفت فيما تقدم أن روايات الحيض المفصّلة ضعيفة، وأمّا في الحدث فالتفصيل صحيح للنصوص، ولكن قياس الخبث عليه بلا موجب.

بل موثق يونس المتقدم(84) مطلق من حيث التجاوز عن النصف وعدمه، ولكن مع ذلك الأحوط إعادة الطّواف قاصداً بها التمام والإتمام حتّى نخرج من الخلاف.

- - - - - - - - - -

 

الرابع: الختان للرجال، والأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي المميز أيضاً إذا أحرم بنفسه، وأمّا إذا كان الصبي غير مميز أو كان إحرامه من وليه فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر، وإن كان الاعتبار أحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) يشترط في صحّة الطّواف واجباً كان أو مندوباً أن يكون الرجل مختوناً بلا خلاف بين الأصحاب، ويدل عليه عدّة من الروايات، وفي بعضها التفصيل بين الرّجل والنِّساء.

فمنها: معتبرة ابن سدير «عن نصراني أسلم وحضر الحج ولم يكن اختتن أيحج قبل أن يختتن؟ قال: لا، ولكن يبدأ بالسنة» (85).

ومنها: معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «الأغلف لا يطوف بالبيت، ولا بأس أن تطوف المرأة» (86).

ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تطوف المراة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلاّ وهو مختتن» (87).

ومنها: رواية إبراهيم بن ميمون «في الرجل يسلم فيريد أن يحج وقد حضر الحج أيحج أم يختتن؟ قال: لا يحج حتّى يختتن» (88).

وهل يعتبر الختان في الصبي أم لا؟ فيه كلام وخلاف، والظاهر هو التفصيل بين الصبي المميز الّذي يطوف بنفسه وبين الصبي غير المميز الّذي يطاف به فيعتبر في الأوّل دون الثاني.

وذلك لأنّ الظاهر من المقابلة بين الرجل والمرأة المذكورة في الروايات وإن كان ثبوت الحكم لمطلق الذكر لا خصوص البالغين، ويكفينا في ذلك صحيح معاوية بن عمار فانّ المذكور فيه الأغلف وهو أعم من البالغ والصبي، ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بالتعميم والالتزام باعتباره في الصبي غير المميز، لأن موضوع النهي في الروايات هو الشخص الّذي يطوف بنفسه ويكون مأموراً بالطواف بنفسه، وأمّا الّذي يطاف به ولا يطوف بنفسه فلا أمر له بالطواف، إذ المفروض أنّ التكليف بالطواف متوجه إلى الولي الّذي يطاف به، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 301: إذا طاف المحرم غير مختون بالغاً كان أو صبياً مميزاً فلا يجتزئ بطوافه (1) فان لم يعده مختوناً فهو كتارك الطّواف يجري فيه ماله من الأحكام الآتية.

مسألة 302: إذا استطاع المكلّف وهو غير مختون، فان أمكنه الختان والحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك، وإلاّ أخّر الحج إلى السنة القادمة، فان لم يمكنه الختان أصلاً لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللاّزم عليه الحج، لكن الأحوط أن يطوف بنفسه في عمرته وحجّه ويستنيب أيضاً من يطوف عنه ويصلّي هو صلاة الطّواف بعد طواف النائب (2).

 

- - - - - - - - - -

(1) لفساده، لفقدان المشروط بفقدان الشرط فكأ نّه لم يطف.

(2) إذا استطاع الأغلف يجب عليه الختان في نفس سنة الاستطاعة إن أمكن لوجوب مقدّمة الواجب عقلاً كسائر مقدمات الواجب، وإن لم يتمكن من ذلك لضيق الوقت ونحوه يؤخّر الحج إلى السنة القادمة، وذلك لعدم تمكنه من الحج في هذه السنة، لأنّ الحج يجب فيه الطّواف والطّواف مشروط بالختان فهو غير متمكن منه ولا دليل على الاستنابة في خصوص هذا الفرض، لأنّ الاستنابة إنّما تجب في فرض الاستطاعة، والمفروض أن هذا الشخص غير مستطيع لعدم تمكنه من مباشرة الأعمال في هذه السنة.

ويستفاد ما ذكرناه من معتبرة حنان بن سدير المتقدمة (89) فانّ المتفاهم منها أنّ الأمر دائر بين الحج والخروج مع الرفقة وبين أن يختتن، ولكن لو اختتن لا يتمكّن من الحج في هذه السنة، فحكم (عليه السلام) بأ نّه لا يحج ويبدأ بالسُنّة أي بالختان المؤيدة برواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (90).

هذا فيما إذا كان متمكناً من الختان ولو في السنين القادمة، وأمّا إذا لم يكن متمكناً من الختان أصلاً للحرج والضرر ونحوهما، فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الحج عنه بالمرة لعدم كونه مستطيعاً.

وفيه: أ نّه لاوجه لسقوط الحج، فانّ الاستطاعة المالية كافية في وجوب الاستنابة نظير المريض الّذي لا يرجو زوال مرضه، فلا وجه لسقوط الحج عنه، فيدور الأمر بين وجوب الحج عليه والطّواف بغير اختتان لسقوط الشرط حينئذ، وبين أن يستنيب للطواف فيدخل هذا في المرتبة الثالثة للطواف من الطّواف بنفسه أو إطافته أو الطّواف عنه، ومن المعلوم أنّ الاطافة به أيضاً طواف صادر منه فيتعين الثالث، لأن مقتضى الاطلاق اعتبار الختان في الطّواف فهو غير مأمور بالطواف بنفسه، فيدخل تحت عنوان من لا يستطيع الطّواف، والأحوط أن يطوف بنفسه غير مختون ويطاف عنه أيضاً.

- - - - - - - - - -

 

الخامس: ستر العورة حال الطّواف على الأحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) المعروف وجوب ستر العورة في الطّواف، وناقش فيه بعضهم وذهب إلى العدم.

واستدلّ للمشهور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (91) ولكنّه غير ثابت من طرقنا، ولم يعلم استناد المشهور إليه حتّى يقال بالانجبار.

والعمدة في المقام الروايات الناهية عن الطّواف عرياناً (92) وهي مروية بطرق كثيرة منّا ومن العامّة (93)، ولكنها جميعاً ضعيفة السند إلاّ أ نّها كثيرة متظافرة لا يمكن رد جميعها، بل عن كشف اللِّثام أ نّها تقرب من التواتر من طريقنا وطريق بقيّة المذاهب(94).

ولكن لا يمكن الاستدلال بها لوجوب ستر العورة في الطّواف، لأنّ النسبة بين العِراء وستر العورة عموم من وجه، لأنّ المراد بالعريان من لم يكن لابساً للثوب ويمكن أن يكون الشخص غير عار ولابساً للثوب وعورته مكشوفة، كما إذا كان في ثوبه ثقب تظهر عورته منه، كما يمكن أن يكون الشخص مستور العورة وهو عار، كما إذا ستر عورته بيده أو بحشيش أو طين ونحو ذلك، وقد اعتبروا في الطّواف ستر العورة لا اللباس، فيظهر الفرق بين الستر في باب الصلاة وفي الطّواف، فانّ المعتبر في الصلاة هو الستر باللباس ولا يكفي مجرد ستر العورة، والمعتبر في الطّواف هو ستر العورة بأيّ نحو كان ولو بيده أو بالحشيش ولا يعتبر اللباس قطعاً، للاجماع على صحّة طواف الرجل عارياً مع ستر عورته، وهذه الروايات لو فرض صحّة أسانيدها لا بدّ من حملها على الاستحباب.

وبالجملة: لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف، وما دلّ عليه هذه الروايات الكثيرة وهو اللبس في الطّواف فهو غير واجب. وما ذهب إليه المشهور من وجوب ستر العورة لا تدل عليه هذه الروايات.

فما ذهب إليه بعضهم من عدم وجوب ستر العورة في الطّواف هو الصحيح، وإن كان الأحوط الستر كما في المتن.

- - - - - - - - - -

 

ويعتبر في الساتر الاباحة، والأحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي فيه (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) قد عرفت أ نّه لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف، ولكن بناءً على اعتباره لا بدّ أن يكون الساتر مباحاً وإلاّ بطل طوافه، لأنّ الستر المأمور به لا يمكن أن يكون بالمحرّم، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب، فاذا كان الساتر محرّماً ومغصوباً يخرج عن كونه مأموراً به.

وأمّا إذا كان غير الساتر مغصوباً ومحرّماً أو لم نعتبر الستر فهل يبطل طوافه أم لا باعتبار تصرفه فيه؟

يبتني ذلك على ما ذكرنا في الاُصول في بحث اجتماع الأمر والنهي(95) وهو أن مورد الأمر والنهي إن كان متحداً في الوجود فلا يمكن التقرب به لعدم إمكان التقرب بالحرام، وإن كان متعدداً وإن اقترنا في الوجود الخارجي فلا تسري حرمة أحدهما إلى الآخر، كالصلاة وغصبية اللباس فانّ الصلاة عبارة عن الأذكار وأفعال خاصّة، وحرمة شيء خارجي وإن كان مقارناً للصلاة لا تسري إلى الأذكار والأفعال، لعدم اتحادهما وجوداً وإن اقترنا خارجاً، ولذا لم نستشكل في صحّة الصلاة إذا كان غير الساتر مغصوباً.

وربما يقال بحرمة الطّواف، لأ نّه مقدمة للتصرف في الثوب المغصوب، لأ نّه يتحرك بتحرك الشخص وبطوافه حول البيت.

ولكن قد ذكرنا في المباحث الاُصولية أنّ الأفعال قد تكون توليدية كالقتل والتطهير والتنجيس ونحو ذلك، فانّ الصادر من الشخص إنّما هو الذبح ونحوه أو الغسل بالماء وإلاّ فنفس القتل وزهاق الروح لا يصدر من الفاعل، وكذلك الطهارة لا تحصل من الفاعل وإنّما المقدمات تصدر منه، والقتل يترتب على الذبح ويتولد منه، فاذا نهينا عن القتل فبالمتفاهم العرفي يكون إيجاد المقدمات كالذبح محرماً.

وأمّا إذا لم يكن الأفعال توليدياً، بل كانت من باب العلة والمعلول كحركة الثوب بحركة البدن، فإن كلاًّ منهما يتحرك بالحركة الدورية حول الكعبة المعبّر عنها بالطواف فان جسم الانسان يتحرك بدوران البدن حول البيت، وكذلك الثوب يتحرك بحركة البدن والطّواف حوله، فالعلة لحركة الثوب والتصرف فيه إنّما هي حركة البدن حول البيت والطّواف به، والمحرّم إنّما هو حركة الثوب والتصرف فيه، ولا مقتضي لحرمة حركة البدن والطّواف حول البيت، لعدم حرمة المقدمة بحرمة ذي المقدمة كما حقق في الاُصول(96)، فالحكم بالبطلان يختص بما إذا كان الساتر مغصوباً كما عرفت.

ثمّ إن بقية شرائط الصلاة وموانعها لا تكون معتبرة في الطّواف، وذلك لأن بعضها لا يكون معتبراً قطعاً كالتكلم والضحك والطمأنينة، والبعض الآخر لا دليل على اعتباره كلبس غير المأكول وحمل الميتة أو لبسها ولبس الذهب وهكذا، إذ لا دليل على اعتبار ذلك سوى النبوي المعروف الّذي عرفت ضعفه(97)، وإن كان الأحوط رعاية مثل هذه الشروط.

- - - - - - - - - -

 

تعتبر في الطّواف اُمور سبعة:

الأوّل: الابتداء من الحجر الأسود، والأحوط الأولى أن يمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر، ويكفي في الاحتياط أن يقف دون الحجر بقليل فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق فيه المحاذاة واقعاً على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا ريب في وجوب البدأة بالحجر الأسود والختم به، ولم يقع فيه خلاف بين المسلمين قاطبة، وجرت عليه السيرة القطعية المتصلة إلى زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام).

ولو كان البدأة أو الانتهاء بغيره جائزاً لظهر وبان ولنقل من الأئمة (عليهم السلام) فالحكم مقطوع به ولا نقاش فيه أبداً.

ويدل عليه مضافاً إلى ما تقدم: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من اختصر في الحجر الطّواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود»(98) فانّه صريح الدلالة على اعتبار البدأة والختم بالحجر الأسود.

ثمّ إنّ المستفاد من النص والسيرة وطواف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راكباً هو الابتداء والانتهاء به بمقدار الصدق العرفي، ولا يعتبر مرور جميع أجزاء بدنه بالحجر، بأن يحاذي أقدم عضو من أعضائه للحجر كما توهّم، ولذا اختلفوا في تعيين أوّل جزء وأقدم عضو من البدن، وأ نّه هل هو الأنف أو البطن أو إبهام الرجل، وربما اختلف الأشخاص بالنسبة إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك أصلاً، بل المعتبر صدق المحاذاة والبدأة بالحجر والختم به عرفاً، وأن يمرّ أوّل جزء من بدنه عليه في الطّواف فلو بدأ بالطواف من الحجر الأسود ولم يكن أوّل عضو من أعضائه من مقاديم بدنه محاذياً للحجر بحيث لم يمرّ جميع أجزائه وأعضاء بدنه بالحجر صحّ طوافه، لصدق البدأة أو الختم بالحجر بذلك عرفاً.

نعم، الأحوط الأولى أن يمرّ بجميع أعضاء بدنه على جميع الحجر، بأن يقف دون الحجر بقليل من باب المقدّمة العلمية فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق المحاذاة واقعاً ويكون الزائد لغواً.

- - - - - - - - - -

 

الثاني: الانتهـاء في كل شوط بالحجر الأسود ويحتاط في الشوط الأخير بتجاوزه عن الحجر بقليل، على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) قد ظهر حال هذا الشرط مما تقدم في بيان الشرط الأوّل فلا موجب للاعادة.

- - - - - - - - - -

 

الثالث: جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطّواف، فاذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الأركان أو لغيره، أو ألجأه الزحام إلى استقبال الكعبة أو استدبارها، أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من الطّواف، والظاهر أنّ العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي كما يظهر ذلك من طواف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راكباً، والأولى المداقّة في ذلك ولا سيما عند فتحي حجر إسماعيل وعند الأركان (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذا الاشتراط وإن لم يصرح به في الروايات ولكنّه لا خلاف فيه بين المسلمين كافّة، وقد قامت عليه السيرة القطعية تأسياً بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة المعصـومين (عليهم السلام) بحيث يكون خلافه أمراً منكراً عند المسلمين، ولو كان جائزاً لظهر وشاع، ولوقع من أحدهم ولو مرّة واحدة، ويؤكّده عدّة من الروايات:

منها: صحيح معاوية بن عمار «إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخّر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت - إلى أن قال - ثمّ ائت الحجر الأسود» (99).

وفي صحيحة اُخرى له «ثمّ تطوف بالبيت سبعة أشواط - إلى أن قال - فاذا انتهيت إلى مؤخّر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الأرض والصق خدك وبطنك بالبيت - إلى أن قال - ثمّ استقبل الركن اليماني والركن الّذي فيه الحجر الأسوط واختتم به»(100) وغيرهما من الروايات، فانّ المفروض فيها جعل الكعبة على اليسار، فانّ الترتيب المزبور في الروايات يستدعي أن يطوف على يساره دون يمينه كما هو واضح.

- - - - - - - - - -

 

الرّابع: إدخال حجر إسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول الحجر من دون أن يدخل فيه(1).

الخامس: خروج الطائف عن الكعبة وعن الصفة الّتي في أطرافها المسماة بشاذَروان (2).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذا أيضاً أمر متسالم عليه عند المسلمين والنصوص فيه مستفيضة (101).

نعم، وقع الكلام في أمر آخر وهو بطلان أصل الطّواف أو شرطه لو اختصر في الطّواف ودخل في الحجر، وذلك لاختلاف الروايات، وسنتعرض إلى ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى.

(2) لا ريب ولا شك في لزوم كون الطّواف حول البيت، فلا بدّ أن يكون البيت الشريف بتمامه مطافاً، فاللاّزم أن يجعل الشاذَروان(102) داخلاً في المطاف، لأنّ الشاذَروان أساس البيت وقاعـدته، فلا يصح الطّواف داخل الكعبة، وكذا لو طاف من فوق الشاذَروان.

وبعبارة اُخرى: لا بدّ أن يكون الطائف خارجاً من البيت ومن الشاذَروان، فلو طاف داخل البيت أو من فوق الشاذَروان بطل طوافه برأسه، والحكم بالنسـبة إلى البيت واضح.

وأمّا بالنسبة إلى الشاذَروان فالمعروف أ نّه من أساس البيت وقاعدته ومن نفس جدار الكعبة كما جاءت بذلك الآثار التاريخية، وهو القدر الباقي من أساس الحائط بعد عمارته أخيرا.

ولو شكّ في دخول الشاذروان في البيت وعدمه فالأصل أيضاً يقتضي جعله مطافاً وإجراء حكم البيت عليه، وذلك لأ نّه لو أخرجه عن المطاف ولم يطف حوله لم يحرز كون الطّواف طوافاً بالبيت، بعكس ما لو أدخله في المطاف. إذن فلا بدّ من إدخاله في البيت ليحرز كون الطّواف بالبيت من باب المقدمة العلمية لحصول الطّواف بالبيت ولذا لو فرضنا أنّ الكعبة الشريفة خربت بتمامها (لا سمح الله) يجب إدخال ما شك فيه من البيت في المطاف، ولا بدّ من الطّواف في مكان يحرز كونه خارج البيت.

ودعوى كون الشاذروان من البيت وعدمه من قبيل الشك بين الأقل والأكثر والأصل يقتضي عدم دخوله في البيت، ضعيفة بأن أصالة عدم دخول الشاذروان في البيت لا تحقق كون الطّواف طوافاً بالبيت ولا توجب إحراز ذلك.

نعم، وقع الكلام في البطلان وعدمه فيما لو طاف من فوق الشاذروان، وأمّا أصل الحكم وهو جعل الشاذروان مطافاً فمما لا خلاف فيه أصلا.

- - - - - - - - - -

 

السادس: أن يطوف بالبيت سبع مرات (1) متواليات عرفاً ولا يجزئ الأقل من السبع، ويبطل الطّواف بالزيادة على السبع عمداً كما سيأتي.

 

- - - - - - - - - -

(1) بلا خلاف في ذلك بين المسلمين والحكم به مقطوع به عند الأصحاب، ويمكن استفادته من عدّة من الروايات الموجودة في أبواب متفرقة والّتي لايبعد دعوى تواترها.

منها: الأخبار البيانية لكيفية الحج (103).

ومنها: الروايات الواردة في من شكّ في عدد أشواط الطّواف بين السبعة والستّة(104).

ومنها: الروايات الآمرة بالاعادة إذا زاد شوطاً على سبعة أشواط (105).

ومنها: الروايات الواردة في القران بين اُسبوعين(106) وغير ذلك من الروايات الكثيرة.

وأمّا اعتبار التوالي بين الأشواط، فلأنّ الطّواف عمل واحد مركب من أشواط سبعة، وليس كل شوط عملاً مستقلاًّ، فحاله حال سائر الأعمال، والعمل الواحد المركب من أجزاء غير متماثلة كالصلاة، أو المركب من أجزاء متماثلة كالطواف المركب من الأشواط إذا اُمر به يفهم العرف إتيانه متوالياً من دون فصل بين الأجزاء، وإلاّ فلا يصدق العمل الواحد المأمور به على ما أتى به، كما إذا أتى بشوط من الطّواف ثمّ بعد عشر ساعات أتى بشوط آخر، كما هو الحال في الصلاة والأذان والاقامة، بل حتّى العقود وغير ذلك من الأعمال المركبة، ومما ذكرنا ظهر اعتبار التوالي في نفس الشوط الواحد وإلاّ فلا يصح الطّواف.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 303: اعتبر المشهور في الطّواف أن يكون بين الكعبة ومقام إبراهيم (عليه السلام) ويقدّر هذا الفاصل بستّة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع، وبما أن حجر إسماعيل داخل في المطاف فمحل الطّواف من الحجر لا يتجـاوز ستّة أذرع ونصف ذراع، ولكن الظاهر كفاية الطّواف في الزائد على هذا المقدار أيضاً، ولا سيما لمن لايقدر على الطّواف في الحد المذكور، أو أ نّه حرج عليه، ورعاية الاحتياط مع التمكّن أولى (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب وجوب كون الطّواف بين الكعبة وبين المقام مراعياً ذلك القدر من البعد في جميع أطراف البيت حتّى جهة حجر إسماعيل، ولذا يضيق المطاف حينئذ من تلك الجهة ويكون قريباً من ستّة أذرع ونصف ذراع، ويقرب في سائر الجوانب بستّة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع.

ويدل على مذهب المشهور ما رواه الكليني عن محمّد بن مسلم قال: «سألته عن حدّ الطّواف بالبيت الّذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت، قال: كان الناس على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحد موضع المقام، فمن جازه فليس بطائف، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف

- - - - - - - - - -

 

فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأ نّه طاف في غير حد ولا طواف له»(107) والرواية صريحة في مذهب المشهور ولكنّها ضعيفة سنداً، لأن في طريقها ياسين الضرير وهو غير موثق، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الانجبار مما لا أساس له عندنا.

ونسب إلى ابن الجنيد أ نّه جوّز الطّواف خارج المقام ومن خلفه عند الضرورة(108)، وعن الصدوق الجواز مطلقاً ولو اختيارا (109).

ويظهر الميل إليه من المختلف(110) والتذكرة(111) والمنتهى(112) كما يظهر الميل من صاحب المدارك(113)، وهو الصحيح.

ويدل عليه صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الطّواف خلف المقام، قال: ما اُحب ذلك وما أرى به بأساً فلا تفعله إلاّ أن لا تجد بدّاً»(114) وصريح الرواية الجواز على المرجوحية الّتي ترتفع عند الاضطرار، فلا بأس بالعمل بها كما عن الصدوق الإفتاء بمضمونها.

فالمتحصل: أنّ الطّواف بالنسبة إلى البُعْد والقُرْب إلى الكعبة غير محدّد بحد، بل العبرة بصدق الطّواف حول البيت عرفاً وإن كان خلف المقام.

نعم، لو طاف خارج المسجد كالشوارع المحيطة بالمسجد أو نفس المسجد ولكن في مكان بعيد جدّاً عن الكعبة بحيث لا يصدق عليه الطّواف حول البيت لا يجتزأ به قطعاً.

- - - - - - - - - -

 
 


1- الحجّ 22 : 27 - 29.

2- الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

3- الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33.

4- الوسائل 13 : 378 / أبواب الطّواف ب 40.

5- الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85.

6- الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 1، 2.

7- الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 1، 2.

8- راجع شرح العروة 27 : 228 المسألة 3210.

9- لاحظ جامع المقاصد 3 : 201.

10- راجع شرح العروة 27 : 229 ذيل المسألة 3210.

11- محاضرات في اُصول الفقه 2 : 139.

12- آل عمران 3 : 97.

13- الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات ب 1.

14- الوسائل 13 : 374 / أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

15- الوسائل 13 : 375 / أبواب الطّواف ب 38 ح 4.

16- الوسائل 13 : 377 / أبواب الطّواف ب 38 ح 10.

17- المدارك 8 : 156.

18- الفقيه 2 : 241 / 1154، الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

19- لم نجد تصريحاً بذلك في كتاب الصّلاة.

20- الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

21- الوسائل 13 : 126 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 11 ح 1.

22- الوسائل 13 : 378 / أبواب الطّواف ب 40 ح 1، الكافي 4 : 414 / 2، التهذيب 5: 118 / 384.

23- في الصفحة السابقة.

24- الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85.

25- في ص 8.

26- الوسائل 13 : 455 / أبواب الطّواف ب 85 ح 4.

27- الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 وغيره.

28- الجواهر 19 : 273.

29- كشف اللثام 5 : 411.

30- كفاية الاُصول : 421.

31- الجواهر 19 : 273.

32- في الصفحة 97 ذيل المسألة 326.

33- الوسائل 13 : 390 / أبواب الطّواف ب 47 ح 4، 6.

34- الجواهر 19 : 270.

35- في المسألة 1148.

36- شرح العروة 27 : 242 المسألة 3211.

37- المصدر السابق.

38- الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 2.

39- الوسائل 13 : 462 / أبواب الطّواف ب 91 ح 1 والوسائل 12 : 401 / أبواب الاحرام ب 49 ح 1.

40- الوسائل 11 : 299 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 13.

41- الوسائل 13 : 448 / أبواب الطّواف ب 84 ح 1، 2.

42- الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 14، والوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21.

43- قد ذكرنا حكم هذه المسألة في ضمن بيان حكم المسألة السابقة.

44- يطرأ الحيض تارة قبل الطّواف واُخرى في أثنائه وثالثة بعده.

ثمّ إنّه قد يفرض أ نّها متمكّنة من إتيان الطّواف مع الاغتسال كما إذا حاضت المرأة في سعة الوقت، وقد يفرض أ نّها غير متمكّنة من الطّواف مع الطهـارة كما إذا ضاق الوقت عن إتيان الطّواف متطهرة فهذه صور تذكر في ضمن مسائل.

45- الفقيه 2 : 241.

46- تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

47- الوسائل 13 : 455 / أبواب الطّواف ب 85 ح 4، الفقيه 2 : 241 / 1155.

48- التهذيب 5 : 393 / 1371.

49- الاستبصار 2 : 313 / 1112.

50- الوسائل 13 : 456 / أبواب الطّواف ب 86 ح 2، التهذيب 5 : 393 / 1370.

51- الكافي 4 : 449 / 4.

52- الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 2، الكافي 4 : 449 / 3.

53- الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85 ح 1.

54- الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

55- الفقيه 2 : 241.

56- التهذيب 5 : 397 / 1380.

57- في التهذيب 5 : 117 بَعد الحديث 383.

58- في ص 6.

59- في ص 21، 22.

60- الوسائل 13 : 458 / أبواب الطّواف ب 88 ح 1.

61- الوسائل 13 : 459 / أبواب الطّواف ب 89 ح 1.

62- الوسائل 13 : 458 / أبواب الطّواف ب 88 ح 2.

63- راجع مصباح الاُصول 3 : 150 التنبيه الثامن : الأصل المثبت.

64- في ص 3.

65- الوسائل 13 : 374 / أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

66- الجواهر 90 : 271.

67- الوسائل 13 : 394 / أبواب الطّواف ب 49 ح 6.

68- دليل الناسك (المتن) : 243.

69- الوسائل 13 : 462 / أبواب الطّواف ب 91 ح 3.

70- حكاه عنه في المختلف 4 : 213.

71- الوسيلة : 173.

72- المدارك 8 : 117.

73- الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 2، 1، التهذيب 5 : 126 / 415، الفقيه 2 : 246 / 1183.

74- الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 2، 1، التهذيب 5 : 126 / 415، الفقيه 2 : 246 / 1183.

75- المدارك 8 : 117.

76- الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 3.

77- سنن الدارمي 2 : 44، سنن النِّسائي 5 : 222.

78- الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1.

79- الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40، و ص 479 ب 42.

80- المتقدِّم في ص 30.

81- الدروس 1 : 404.

82- الدروس 1 : 405.

83- دليل الناسك (المتن) : 246.

84- في ص 30.

85- الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 4، 1، 3.

86- الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 4، 1، 3.

87- الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 4، 1، 3.

88- الوسائل 13 : 270 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 2.

89- في ص 35.

90- في ص 35.

91- سنن الدارمي 2 : 44، سنن النِّسائي 5 : 222.

92- الوسائل 13 : 400 / أبواب الطّواف ب 53.

93- سنن الترمذي 5 : 276، مستدرك الحاكم 2 : 331.

94- كشف اللّثام 5 : 408.

95- راجع محاضرات في اُصول الفقه 4 : 165 وبعدها.

96- في محاضرات في اُصول الفقه 2 : 439.

97- في ص 38.

98- الوسائل 13 : 357 / أبواب الطّواف ب 31 ح 3.

99- الوسائل 13 : 345، 347 / أبواب الطّواف ب 26 ح 4، 9.

100- الوسائل 13 : 345، 347 / أبواب الطّواف ب 26 ح 4، 9.

101- الوسائل 13 : 353، 356 / أبواب الطّواف ب 30، 31.

102- الشاذَروان - بفتح الذال - من جدار البيت الحرام، وهو الّذي ترك من عرض الأساس خارجاً ويسمّى تأزيراً لأ نّه كازار للبيت. مجمع البحرين 3 : 183والكلمة فارسية، شادروان - بالدال المهملة - زير كنگرهاى عمارتها را گويند. برهان قاطع 3: 1223.

103- الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحجّ ب 2.

104- الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33.

105- الوسائل 13 : 363 / أبواب الطّواف ب 34.

106- الوسائل 13 : 369 / أبواب الطّواف ب 36.

107- الوسائل 13 : 350 / أبواب الطّواف ب 28 ح 1، الكافي 4 : 413 / 1.

108- حكاه عنه في المختلف 4 : 200 مسألة 154.

109- الفقيه 2 : 249 / 1200.

110- المختلف 4 : 200 مسألة 154.

111- التذكرة 8 : 93.

112- المنتهى 2 : 691 السطر 12.

113- المدارك 8 : 131.

114- الوسائل 13 : 351 / أبواب الطواف ب 28 ح 2.



صفـحـــــة الـبــدايـــــــة رئيـســـيــــة الحــــــوزة الــحــج فــي الــقــــرآن

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

صلاة الفجـــــر 04:18
شروق الشمس 05:28
صلاة الظهرين 11:29
غروب الشمس 05:29
صلاة العشائين 05:44
27سبتمبر2017م

مواقع تابعة

تقويم الشهر

برنامج الحج التعليمي

مجلة الحج


عداد الزوار
15360411