حوزة الهدى للدراسات الإسلامية :: ::
 شرائط الطّواف • الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج • النقصان في الطّواف • الزّيادة في الطّواف • الشكّ في عدد الأشواط • صلاة الطّواف • السّعي • أحكام السّعي • الشك في السّعي • التقصير •
• الزّيادة في الطّواف - - عدد القراءات: 3077 - نشر في: 11-نوفمبر-2013

الزّيادة في الطّواف

 

للزّيادة في الطّواف خمس صور:

الاُولى: أن لا يقصد الطائف جزئية الزائد للطواف الّذي بيده أو لطواف آخر ففي هذه الصورة لا يبطل الطّواف بالزيادة (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا ريب في أنّ الزيادة إنّما تتحقق باتيان الشوط بعنوان الطّواف، وأمّا إذا استمر في مشيه من دون أن يقصد الزيادة كما إذا وجد شخصاً وأراد الاجتماع به فقصده والتقى به فيحصل له هذه الزيادة من دون قصد ونحو ذلك، فانّه لا يصدق عليه عنوان الزيادة جزماً، فان حال الطائف حينئذ حاله قبل الطّواف من إتيان الشوط مقدّمة للابتداء من الحِجر الأسود، ومعرفة كيفية الطّواف ومعرفة الأركان وحجر إسماعيل فانّ الطائف قد يمشي حول البيت قبل الوصول إلى الحِجر الأسود وقبل الشروع في الطّواف مقدمة لمعرفة الحِجر وكيفية الابتداء به، فان ذلك لا يحسب من الطّواف قطعاً وكذلك المشي بعد الطّواف لغرض من الأغراض.

وأمّا الزيادة بعنوان الطّواف فالمعروف والمشهور بطلان الطّواف بها ولو ببعض الشوط كبطلان الصلاة بالزيادة، واستدلّ على ذلك بروايتين:

الاُولى: معتبرة أبي بصير «عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض، قال: يعيد حتّى يثبته» ورواه الشيخ أيضاً إلاّ أ نّه قال «حتّى يستتمه» (1).

وناقش السيِّد في المدارك في سندها لاشـتراك أبي بصير بين الثقة والضعيف (2) ووافقه صاحب الحدائق في ذلك (3) ولكن لم يوافقه في أصل الحكم، ولكنا ذكرنا في كتاب الرجال أن أبا بصير متى اُطلق يراد به يحيى بن القاسم وهو ثقة (4)، ومع الاغماض عن ذلك فهو مردّد بينه وبين ليث المرادي فانّه أيضاً مكنّى بهذه الكنيـة وكل منهما ثقة فالترديد غير ضائر، وأمّا غيرهما وإن كان يكنى بأبي بصير ولكنّه غير معروف بها، بل لم يوجد مورد يراد بأبي بصير غيرهما.

ثمّ أشكل السيِّد في المدارك ثانياً بأنّ الدليل أخص من المدعى، لأنّ الخبر يدل على البطلان بالشوط الواحد الكامل فلو أتى ببعض الشوط فلا يشمله الخبر.

واستدلّ للمشهور أيضاً (5) بمعتبرة عبدالله بن محمّد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الاعادة وكذلك السعي» (6).

وناقش السيِّد في المدارك (7) أيضاً في هذه الرواية من حيث السند، لاشتراك عبدالله ابن محمّد بين الثقة وغيره، وصاحب الحدائق أيضاً وافقه على ما ذكره من اشتراك عبدالله بن محمّد بين الثقة وغيره ولم يقبل مناقشته في التحريم والبطلان(8).

ولكن إشكال السيِّد من حيث السند غير وارد، لأن عبدالله بن محمّد الموجود في هذه الطبقة الّذي يروي عن أبي الحسن (عليه السلام) الظاهر هو الرضا (عليه السلام) مردّد بين رجلين مشهورين كل منهما ثقة، أحدهما: عبدالله بن محمّد بن حصين الحضيني الأهوازي. ثانيهما: عبدالله بن محمّد الحجال المزخرف، فانّهما من أصحاب الرضا (عليه السلام) المشهورين ولهما كتاب.

نعم، في طبقتهما عبدالله بن محمّد الأهوازي الّذي له مسائل من موسى بن جعفر (عليهما السلام) وكذلك عبدالله بن محمّد بن علي بن العباس الّذي له نسخة عن الرضا (عليه السلام) وهما ممن لم يوثقا، ولكنهما غير مشهورين ولا ينصرف عبدالله بن محمّد إليهما، بل لم توجد لهما رواية واحدة في الكتب الأربعة فكيف ينصرف عبدالله بن محمّد إليهما بلا قرينة، فالرواية معتبرة سنداً ويتم ما ذكره المشهور من الحكم بالبطلان بمطلق الزيادة.

ثمّ إن صاحب الحدائق أيّد القول بالبطلان بالأخبار الدالّة على وجوب الاعادة بالشك في عدد الطّواف المفروض، فلو لم تكن الزيادة مبطلة لكان المناسب البناء على الأقل دون الاعادة من رأس(9).

وبعبارة اُخرى: لا وجه للبطلان في مورد الشك في عدد الطّواف، لأ نّه عند ما يأتي بالشوط، فهو إمّا جزء أو زائد يلغى، لأ نّه إمّا شوط سابع أو شوط ثامن زائد فيكشف الحكم بالبطلان في مورد الأخير(10) الشك عن البطلان بالزيادة نظير الزيادة في الصلاة، وإنّما جعل ذلك مؤيّداً لا دليلاً لاحتمال أنّ المضي مع الشك غير جائز، كما هو الحال في الصلاة فانّه لو أتى بالمشكوك يحصل له العلم باتيان سبعة أشواط جزماً ولكن مضى فيه مع الشك، ولعله غير جائز كما لا يجوز ذلك في الصلاة. وكيف كان ففي الروايتين غنى وكفاية.

وأمّا ما أشكله السيِّد في المدارك من حيث الدلالة في رواية أبي بصير بأ نّها أخص من المدعى، لأ نّها تدل على البطلان باتيان شوط كامل ولا تشمل الزيادة ببعض الشوط الّذي هو محل الكلام، فانّما يتم بالنسبة إلى رواية أبي بصير، وأمّا معتبرة عبدالله بن محمّد مطلقة من حيث الشوط الكامل والناقص، لأنّ الموضوع فيها عنوان الزيادة وهو صادق على الشوط الكامل وبعضه.

- - - - - - - - - -

 

الثانية: أن يقصد حين شروعه في الطّواف أو في أثنائه الاتيان بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الّذي بيده، ولا إشكال في بطلان طوافه حينئذ ولزوم إعادته (1).

 

الثالثة: أن يأتي بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الّذي فرغ منه، بمعنى أن يكون قصد الجزئية بعد فراغه من الطّواف، والأظهر في هذه الصورة أيضاً البطلان (2).

 

- - - - - - - - - -

(1) هذه الصورة هي القدر المتيقن من الحكم بالبطلان بالزيادة، وهذا مما لا كلام فيه.

(2) قد يقال بعدم البطلان، لأنّ الزيادة بعد الأشواط السبعة نظير إتيان ركعة زائدة بعد السلام، فانّ الصلاة لا تبطل بذلك جزماً لعدم صدق الزيادة في الصلاة بذلك.

ولكن لا يقاس الطّواف بالصلاة، بل يقاس الزائد في الطّواف بزيادة الركعة قبل السلام فان ذلك مبطل قطعاً، لأنّ الصلاة لها مخرج شرعي وهو السلام، والزيادة بعده نظير إتيان المنافيات والمبطلات بعده، فان ذلك جائز قطعاً.

وأمّا الطّواف فليس له مخرج وإنّما مخرجه هو الفراغ منه، وبما أنّ الطّواف اُخذ فيه

- - - - - - - - - -

 

الرابعة: أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ويتم الطّواف الثاني، والزيادة في هذه الصورة وإن لم تكن متحققة حقيقة إلاّ أنّ الأحوط بل الأظهر فيها البطلان، وذلك من جهة القران بين الطوافين في الفريضة (1).

 

- - - - - - - - - -

بشرط لا عن الزائد، إذ ليس الواجب هو إتيان سبعة أشواط على النحو اللاّ بشرط أي ليس المأمور به هو إتيان طبيعي السبعة ولو في ضمن أعداد كثيرة، بل اُخذ في الطّواف أن لا يزيد على أشواطه السبعة شوطاً واحداً، فاذا زاد على السبعة شوطاً واحداً يشمله النص الدال على الاعادة كصحيحة أبي بصير ومعتبرة عبدالله بن محمّد المتقدمتين(11).

ومع الاغماض عما ذكرنا يكفينا في الحكم بالبطلان إطلاق صحيح أبي بصير المتقدم(12)، إذ لم يسأل الإمام (عليه السلام) عن أن قصد الزيادة متى حصل، فيشمل حكمه (عليه السلام) بالبطلان صورتي ما إذا قصد الزيادة بعد الطّواف أو قبله.

(1) إذا أتى بالزائد بعد إكمال الطّواف الأوّل من دون أن يقصد جزئيته للطواف السابق، بل أتى به بعنوان جزئيته للطواف الثاني ويتمه، فانّه لا يبطل الطّواف الأوّل من جهة الزيادة لعدم تحقق عنوان الزيادة حقيقة، وإنّما يحكم عليه بالبطلان من جهة القران بين الطوافين في الفريضة، فانّ الطّواف مشروط بأن لا يسبقه طواف آخر ولا يلحقه طواف آخر إلاّ بعد الفصل بالصلاة كما عليه المشهور، وذهب بعضهم إلى الكراهة، وتفصيل الكلام أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف:

الاُولى: ما دلّ على عدم جواز القِران مطلقاً سواء في الفريضة أو في النافلة والعمدة إنّما هي روايتان لابن أبي نصر:

إحداهما: عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: «سأل رجل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يطوف الأسباع جميعاً فيقرن؟ فقال: لا، إلاّ الاسبوع وركعتان وإنّما قرن أبو الحسن (عليه السلام) لأنّه كان يطوف مع محمّد بن إبراهيم لحال التقيّة» (13) وصاحب الحدائق رواها عن صفوان عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر (14)، وهو اشتباه منه إذ ليس في السند صفوان.

ثانيتهما: ما عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر قالا: «سألناه عن قران الطّواف السبوعين والثلاثة، قال: لا، إنّما هو سبوع وركعتان، وقال: كان أبي يطوف مع محمّد بن إبراهيم فيقرن، وإنّما كان ذلك منه لحال التقية» (15) وفي السند علي ابن أحمد بن أشيم وهو ممن لم يوثق في الرجال، ولكنّه من رجال كامل الزيارات فالرواية معتبرة.

ويؤيّدهما ما رواه ابن إدريس من كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «ولا قران بين أسبوعين في فريضة ونافلة»(16) ولكنّها ضعيفة سنداً، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز.

وذكر صاحب الحدائق أنّ المراد من رواية السرائر: أ نّه لا يجوز أن يقرن طواف النافلة بطواف الفريضة بل يجب أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة ثمّ يطوف النافلة وليس المراد منها عدم جواز القران بين الفريضتين أو النافلتين (17).

وفيه: ما لا يخفى، إذ لو كان المراد ما ذكره لكان المناسب أن يقول: لا قران بين الفريضة والنافلة، لا ما قاله «في فريضة ونافلة».

الطائفة الثانية: وهي بازاء الاُولى، فمنها: صحيحة زرارة قال: «ربما طفت مع أبي جعفر (عليه السلام) وهو ممسك بيدي الطوافين والثلاثة ثمّ ينصرف ويصلّي الركعات ستّاً»(18) وكلمة «ربما» ظاهرة في أ نّه قد يتفق القران، فتكون الطائفة الاُولى محمولة على المرجوحية، ولكن الإمام (عليه السلام) ربما يأتي بالأمر المرجوح لحال التقية أو لغرض آخر لا علم لنا به. وكيف كان تحمل هذه الرواية على النافلة.

ومنها: صحيحة اُخرى لزرارة قال: «طفت مع أبي جعفر (عليه السلام) ثلاثة عشر أسبوعاً قرنها جميعاً وهو آخذ بيدي ثمّ خرج فتنحى ناحية فصلّى ستّاً وعشرين ركعة وصلّيت معه»(19).

والنتيجة أنّ القِران بين الطوافين في الفريضة غير مشروع إلاّ لعارض كالتقية أو لأمر آخر.

الطائفة الثالثة: الروايات المفصِّلة بين الفريضة والنافلة كصحيحة زرارة قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام): إنّما يكره أن يجمع الرجل بين الاُسبوعين والطوافين في الفريضة وأمّا في النافلة فلا بأس» (20).

والكراهة محمولة على المبغوضية، وليس المراد منها الكراهة المصطلحة، وقد شاع استعمال لفظ الكراهة في الأخبار على المبغوضية، ومع الاغماض أن قوله: «لا بأس» في مورد النافلة يدل على مجرّد الترخيص لا الاباحة المطلقة الّتي لا مرجوحية فيها أصلاً، فيكون قرينة على أنّ المراد بالكراهة هو المبغوضية.

فالمتحصل من الرواية: أنّ القِران في الفريضة مبغوض ولكن في النافلة غير مبغوض وإن كان مرجوحاً.

وممّا يدل على حرمة القِران ومبغوضيته: صحيحة عمر بن يزيد قال: «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إنّما يكره القران في الفريضة فأمّا النافلة فلا والله ما به بأس»(21) وقد عبّر عنها صاحب الحدائق بالرواية(22) ولم يعبّر عنها بالمعتبرة، وذلك مشعر بضعف الرواية سنداً إلاّ أ نّها لا خدشة في سندها، فان محمّد بن أحمد النهدي الواقع في السند ثقة كما صرّح الكشي بذلك ونقل عن أبي النضر محمّد بن مسعود أ نّه فقيه ثقة خير (23) ومن رجال كامل الزيارات.

وأمّا قول النجاشي في حقّه أ نّه مضطرب (24)، فلا يدل على ضعفه بشخصه، وإنّما يدل على أ نّه كان متساهلاً في نقل الروايات ونقل عن كل أحد.

وأمّا محمّد بن الوليد شباب الضعيف (25) فهو الخزاز البجلي وليس هو الشبابالصيرفي، فالرواية معتبرة وفي صحيحة زرارة المتقدمة غنى وكفاية.

فالمتحصل من الروايات: أنّ القِران في طواف الفريضة غير جائز وأمّا في النافلة فمرجوح.

ثمّ إنّه يلزم التنبيه على أمر وهو: أنّ التقية الواردة في الروايات إنّما تجري في طواف النافلة، وأمّا في الفريضة فلا تتحقق التقية، لأنّ الطائف غير ملزم بطوافين حتّى يضم أحدهما بالآخر ويقرن بينهما، بل له تأخير الطّواف الآخر إلى وقت آخر، وأمّا في النافلة فربما يرغب المكلف باتيان الطّواف فيصح له التقية، وأمّا في الفريضة فلا اضطرار إلى التعجيل بل له التأخير، ولو فرض تحقق الاضطرار فغير ملزم بقصد الطّواف، بل يمكن له التمشي حول البيت ولا يقصد الطّواف فيزعم المخالف أ نّه يطوف ويتحقق بذلك دفع شرّه.

- - - - - - - - - -

 

الخامسة: أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ولا يتم الطّواف الثاني من باب الاتفاق، فلا زيادة ولا قران إلاّ أ نّه قد يبطل الطّواف فيها لعدم تأتي قصد القربة، وذلك فيما إذا قصد المكلف للزيادة عند ابتدائه بالطواف أو في أثنائه مع علمه بحرمة القران وبطلان الطّواف به، فانّه لا يتحقق قصد القربة حينئذ وإن لم يتحقق القران خارجاً من باب الاتفاق (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إذا أتى بالزائد بعد الفراغ من السبعة ولم يأت بطواف آخر من باب الاتفاق فحينئذ لا موجب للبطلان، لعدم تحقق القران وعدم صدق عنوان الزيادة على ما أتى به، لأ نّه نظير ما لو مشى حول البيت بعد الطّواف، لأنّ المفروض أ نّه قصد الزيادة بعد الفراغ من السبعة.

نعم، لو كان قاصداً للزيادة من الأوّل أو قصد الزيادة في أثناء الطّواف، ففي مثل ذلك يحكم بالبطلان - وإن لم يتم الطّواف الثاني من باب الاتفاق - لا للزيادة ولا للقران، بل للإخلال بقصد القربة، فانّ المفروض أنّ القِران بين الاُسبوعين غير مشروع، فاذا قصد القِران من الأوّل أو في أثنائه فقد قصد أمراً غير مشروع فيبطل من هذه الناحية، نظير ما لو قصد في الصلاة خمس ركعات، فانّ الصلاة تبطل بذلك وإن لم يأت بالركعة الخامسة من باب الاتفاق، فان مجرد عدم الاتيان بتمام الطّواف لا يجدي في الحكم بالصحّة بعد الحكم ببطلانه لأجل الاخلال في النيّة.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 314: إذا زاد في طوافه سهواً، فان كان الزائد أقل من شوط قطعه وصحّ طوافه، وإن كان شوطاً واحداً أو أكثر فالأحوط أن يتم الزائد ويجعله طوافاً كاملاً بقصد القربة المطلقة(1).

 

- - - - - - - - - -

(1) من زاد في طوافه سهواً، فقد يفرض أن ما أتى به أقل من شوط، وقد يكون شوطاً أو أكثر.

أمّا الثاني فستعرف الحال فيه قريباً إن شاء الله تعالى.

وأمّا الأوّل فيقطع ما بيده ويلغيه ويصح طوافه، لأنّ الأصل في مثل هذه الصورة يقتضي الصحّة وعدم كونه مضرّاً، إذ لا دليل على البطلان بهذا المقدار إذا كان عن سهو.

نعم، في صحيح ابن سنان ما يظهر منه أ نّه لا فرق في البطلان بين كونه شوطاً واحداً أو أقل منه، لأنّ الموضوع فيه الدخول في الشوط الثامن وهو يصدق على نصف الشوط أو ثلثه أو ربعه، قال: «سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطاً، ثمّ ليصل ركعتين» (26).

ولكنّه معارض بروايات اُخر دلّت بمفهومها على إتمام الطّواف الثاني فيما إذا أتى بشوط كامل، فلا عبرة ببعض الشوط، والشرطية إنّما ذكرت في كلام الإمام (عليه السلام) لا في كلام السائل، وقوله «إذا طاف» وإن كان لا مفهوم له، لأن مفهومه على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، وهو من لم يطف ومن لم يسهو، لكن إذا ذكر مع القيود فيتحقق له المفهوم، فمفهوم قوله: «إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية، أضاف إليها ستّاً» (27) من لم يطف ثمانية أشواط ومن لم يكمل الشوط الثامن، فالحكم بالتتميم وإتيان الستّة الباقية يختص بمن أتى ثمانية أشواط كاملة، ولا يشمل من أتى ببعض الشوط كنصف الشوط أو ربعه ونحوهما.

على أنّ التقييد بالثمانية في كلام الإمام (عليه السلام) لا بدّ وأن يكون له خصوصية ودخل في الحكم، وإلاّ لو كان الحكم سارياً في جميع الأفراد حتّى بعض الشوط لكان التقييد بالثمانية لغواً، فيحمل الدخول في الثامن على الدخول الكامل فيتحقق الاتفاق بين الخبرين.

ولو تنزّلنا والتزمنا بالتعارض فالمرجع بعده هو الأصل المقتضي للصحّة.

ويؤيّد برواية أبي كهمس، قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط، قال: إن ذكر قبل أن يبلغ الركن فليقطعه» (28) فانّه صريح في المطلوب.

وأمّا الزيادة بشوط كامل أو أكثر فالروايات فيها مختلفة، والمشهور ذهبوا إلى أ نّه يتمّ الطّواف الثاني، يعني يأتي بأشواط ستّة إذا أتى ثمانية أشواط كاملة.

وعن الصدوق البطلان وعليه الاعادة، قال: «وروي أ نّه يتمّه ويأتي بالست» (29)

 

فمقتضى كلامه (قدس سره) هو التخيير بين الأمرين لأ نّه يعمل بجميع رواياته.

وإذن فلا بدّ من ذكر الروايات الواردة في المقام وهي على طوائف:

الطائفة الاُولى: ما دلّ على البطلان بمقتضى الاطلاق كصحيحة أبي بصير المتقدمة (30) «عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض، قال: يعيد حتّى يثبته» فانّ الأمر بالاعادة يشمل صورتي الزيادة العمدية والسهوية.

الطائفة الثانية: وهي بازاء الاُولى وهي صحاح:

منها: صحيحة رفاعة قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: إذا طاف ثمانية فليتم أربعة عشر» (31).

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية أشواط قال: يضيف إليها ستّة» (32).

ومنها: صحيحة أبي أيّوب «رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة قال: فليضم إليها ستّاً» (33).

والتعارض بين الطائفتين بالتباين، لأن كلاّ منهما باطلاقهما يشمل الزيادة العمدية والسهوية، وفي الطائفة الاُولى حكم بالفساد ولزوم الاعادة، وفي الثانية حكم بالصحّة وتتميمها بستّة.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على البطلان في صورة العمد كمعتبرة عبدالله بن محمّد المتقدمة (34) «الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الاعادة»(35) فانّ الظاهر منها الزيادة العمدية، لتشبيه الزيادة في الطّواف بالزيادة في الصلاة، ومن المعلوم أنّ الزيادة العمدية في الصلاة توجب البطلان غالباً، ونسبة هذه المعتبرة إلى الطائفة الثانية الدالّة على الصحّة نسبة الخاص والعام، فيخرج العامد من الطائفة الثانية فتكون الطائفة الثانية بعد ورود التخصيص عليها مقيدة للطائفة الاُولى الدالّة على البطلان على الاطلاق، لانقلاب النسبة بعد ورود التخصيص على أحدهما، فتنقلب النسبة من التباين إلى الخاص والعام، فالعام المخصص المستفاد من الطائفة الثانية يخصص العام الأوّل، فتكون النتيجة أنّ الزيادة العمدية بشوط كامل مبطلة، وأمّا إذا كانت عن سهو فلا توجب البطلان، نعم، لا بدّ من تكميلها وتتميمها بست.

هذا، ولكن في رواية واحدة ورد الأمر بالاعادة وحكم بالبطلان إذا زاد شوطاً واحداً سهواً، وهي معتبرة أبي بصير - في حديث - قال: «قلت له: فانّه طاف وهو متطوع ثماني مرّات وهو ناس، قال: فليتمه طوافين ثمّ يصلّي أربع ركعات، فأمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط» (36) وهي صريحة في الاعادة في صورة النسيان فاذن يقع التعارض بينها وبين الروايات الآمرة بالتتميم ستّاً.

إنّما الكلام في سند هذه الرواية لوقوع إسماعيل بن مرار في سندها فانّه لم يوثق في الرجال، فالرواية ضعيفة على مسلك المشهور، ولكن لوقوعه في إسناد تفسير علي ابن إبراهيم يكون ثقة، فالرواية معتبرة والدلالة واضحة، فمقتضى الصحاح المتقدمة كصحيحة رفاعة وأبي أيّوب هو التكميل بالست، وذكرنا في محله أنّ الواجب إذا كان أمراً واحداً وورد عليه أمران مختلفان تقتضي القاعدة التخيير بين الأمرين، فحينئذ ما ذكره الصدوق من التخيير هو الصحيح.

هذا ما تقتضيه الصناعة، ولكن حيث إنّ الأمر يدور بين التعيين والتخيير فالاحتياط يقتضي أن يتمّ الزائد ويجعله طوافاً كاملاً بقصد القربة المطلقة كما في المتن.

فتحصل: أن مقتضى الجمع بين الروايات هو التخيير بين أن يقطع الطّواف ويعيده من رأس، وبين أن يكمله بستّة أشواط ويجعله طوافين.

ثمّ إنّه على تقدير الاتيان بالتمام وإتيان أربعة عشر شوطاً فلا شك في أنّ الطوافين معاً غير واجبين، فهل الواجب هو السبعة الاُولى أو الثانية؟.

نسب إلى العلاّمة في المنتهى أنّ الطّواف الأوّل هو فريضة (37)، ونقل عن ابن الجنيد (38) وابن بابويه (39) أنّ الفريضة هو الثاني، وصرّح في الفقيه بأنّ الفريضة هي الطّواف الثاني (40).

والّذي ينبغي أن يقال: إنّه لا ريب في أنّ الأمر بالتتميم والتكميل باتيان ستّة أشواط ليس أمراً تكليفياً وجوبياً جزماً، والوجه في ذلك: أنّ الطّواف ليس كالصلاة في وجوب المضي والاتمام وحرمة القطع كما ادعي عليه الاجماع في خصوص الصلاة، ولا كنفس أصل الحج والعمرة في وجوب الاتمام، بل الطّواف واجب كسائر الواجبات يجوز قطعه اختياراً والاتيان به في أيّ وقت شاء، فيجوز لكل أحد رفع اليد عن طوافه ويذهب حيث شاء ثمّ يستأنف الطّواف برأسه سواء قطعه قبل الثلاثة أو بعدها، فقوله: «يضيف إليها ستّاً» أو «فليتم أربعة عشر» ليس أمراً وجوبياً، بل ذلك من الأمر في مقام توهم الحظر، والمراد به أ نّه يصح له ويجوز له التتميم باتيان البقيّة ويجوز له أن يعامل مع ما مضى من الأشواط معاملة الصحّة، فيظهر من الروايات صحّة الطوافين، والشوط الثامن الّذي أتى به سهواً غير ضائر في صحّة الطوافين ويعتد بالشوط الثامن ويجعله أوّل السبعة من الطّواف الثاني.

ولا سيما أنّ الروايات الآمرة باتيان أربع ركعات بعد تمام الأشواط ظاهرة جدّاً في الاعتداد بالطوافين وصحّتهما، فلو كان أحدهما باطلاً لا وجه للأمر بأربع ركعات ولكن لا يستفاد من شيء من الروايات أنّ الأوّل واجب والثاني مستحب كما عن العلاّمة ولا العكس كما عن الصدوق ووالده، والمرجع هو أصالة عدم اشتراط صحّة الطّواف الأوّل باتمام الطّواف الثاني، كما أنّ الأصل عدم انقلاب الطّواف الأوّل من الوجوب إلى الندب، بل الأصل يقتضي بقاءه على الوجوب.

فالنتيجة مع العلاّمة في كون الأوّل هو الواجب للأصل، كما أنّ الزيادة السّهويّة في غير الأركان في الصلاة غير ضائرة.

هذا، ولكن في صحيح زرارة «أن علياً (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد وأضاف إليه ستّاً، ثمّ صلّى ركعتين» (41) فهو كالصريح في أنّ الطّواف الثاني هو الواجب وهو الّذي يعتد به، وأمّا السبعة الاُولى فقد تركها أي رفع اليد عنها وألغاها، ولو كان الأوّل هو الواجب لا معنى لقوله: «فيترك سبعة». ويؤيّد بأنّ الأوّل لو كان واجباً لاستلزم القران بين الفريضة والنافلة، وهذا بخلاف ما إذا كان الثاني واجباً فان إتيان الفريضة بعد النافلة غير ممنوع وليس من القِران الممنوع.

نعم، هنا إشكال آخر وهو منافاة الاتيان بالشوط الثامن سهواً لعصمة الإمام (عليه السلام) حتّى في الاُمور الخارجية وذلك مناف لمذهب الشيعة، فيمكن إخراج هذه الرواية مخرج التقية في إسناد السهو إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومثل ذلك غير عزيز في الأخبار فلا ينافي ثبوت أصل الحكم.

ومما يؤكّد أنّ الثاني هو الواجب: أمره بالركعتين بعده وبركعتين أخيرتين بعد الفراغ من السعي كما في عدّة من الروايات (42) فانّه على تقدير كون الأوّل فريضة يلزم الفصل بين الطّواف وصلاته، بخلاف ما إذا كان الثاني فريضة فلا فصل بينهما.

وأمّا الصلاة للطوافين ففي بعض الروايات أ نّه يصلّي أربع ركعات، وفي بعضها أ نّه يصلّي ركعتين بعد الطوافين وركعتين اُخريين بعد الفراغ من السعي، وفي خبر جميل الأمر بتأخير الركعتين الاُخيرتين بعد الفراغ من السعي (43).

ولكن الظاهر أ نّه لا موجب للتفصيل والتفريق، وأمّا فعله (عليه السلام) فلا يدل على لزوم التفريق والتأخير، وغاية ذلك أ نّه يدل على الرجحان والفضيلة، وأمّا خبر جميل ضعيف السند للجهل بطريق ابن إدريس إلى نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر فهو غير قابل لتقييد ما دلّ على إتيان أربع ركعات على الاطلاق، ولو أغمضنا عن ضعفه ففي المستحبات لا نلتزم بالتقييد ونحمل المقيد على الأفضلية، إلاّ إذا كان المقيد ينهى عن إتيان العمل المستحب إلاّ في ضمن الخاص فحينئذ نلتزم بالتقييد، وإلاّ في غيره فلا نلتزم بالتقييد.

نعم، لا ريب في كون التأخير والتفريق هو الأفضل لفعل علي (عليه السلام) ولرواية علي بن أبي حمزة ورواية جميل (44).

ثمّ إنّه ورد في بعض الروايات: أنّ الصلاة إنّما هي ركعتان كما في صحيحة رفاعة (45) وصحيحة ابن سنان (46) ولكن لا بدّ من حملها على أداء الوظيفة الواجبة، فليس الأمر بأربع ركعات كما في جملة من النصوص أمراً وجوبياً بقرينة هذه الرواية.

إلى هنا انتهى الجزء الرابع

ويليه الجزء الخامس وأوّله الشك في عدد الأشواط.

والحمد لله ربّ العالمين

- - - - - - - - - -

 
 


1- الوسائل 13 : 363 / أبواب الطّواف ب 34 ح 1، التهذيب 5 : 111 / 361.

2- المدارك 8 : 139.

3- الحدائق 16 : 190.

4- راجع معجم الرجال 21 : 81.

5- وهذه هي الرواية الثانية.

6- الوسائل 13 : 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 11.

7- تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

8- الحدائق 16 : 187 وما بعدها.

9- الحدائق 16 : 187 وما بعدها.

10- الظاهر زيادة كلمة «الأخير».

11- في ص 63.

12- في ص 63.

13- الوسائل 13: 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 7.

14- الحدائق 16: 194.

15- الوسائل 13: 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 6.

16- السرائر (المستطرفات) 3: 587، الوسائل 13: 373 / أبواب الطّواف ب 36 ح 14.

17- الحدائق 16: 196.

18- الوسائل 13: 370، 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 2.

19- الوسائل 13: 370، 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 5.

20- الوسائل 13: 369 / أبواب الطّواف ب 36 ح 1.

21- الوسائل 13: 369 / أبواب الطّواف ب 36 ح 4.

22- الحدائق 16: 193.

23- رجال الكشي: 530 / 1014.

24- رجال النجاشي: 341 914.

25- الظاهر زيادة قوله «شباب الضعيف» فانه وصفٌ لمحمّد بن الوليد الصيرفي، راجع تنقيح المقال 3: 197.

26- الوسائل 13: 364، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 5، 10.

27- الوسائل 13: 364، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 5، 10.

28- الوسائل 13: 364 / أبواب الطّواف ب 34 ح 3.

29- المقنع: 266.

30- في ص 63.

31- الوسائل 13: 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 9، 8.

32- الوسائل 13: 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 9، 8.

33- الوسائل 13: 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 13.

34- في ص 63.

35- الوسائل 13: 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 11.

36- الوسائل 13: 364 / أبواب الطّواف ب 34 ح 2.

37- لم نعثر عليه في المنتهى ولكنّه موجود في المختلف 4: 207.

38- حكاه عنهما في المختلف 4: 207.

39- حكاه عنهما في المختلف 4: 207.

40- الفقيه 2: 248 / 1192.

41- الوسائل 13: 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 7.

42- الوسائل 13: 365، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 7، 15، 16.

43- الوسائل 13: 364، 365، 367 / أبواب الطّواف ب 34 ح 4، 6، 15، 16.

44- المصدر المتقدم ح 15، 16.

45- الوسائل 13: 365 و 366 / أبواب الطواف ب 34 ح 9، 5.

46- الوسائل 13: 365 و 366 / أبواب الطواف ب 34 ح 9، 5.



صفـحـــــة الـبــدايـــــــة رئيـســـيــــة الحــــــوزة الــحــج فــي الــقــــرآن

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

صلاة الفجـــــر 04:18
شروق الشمس 05:28
صلاة الظهرين 11:29
غروب الشمس 05:29
صلاة العشائين 05:44
27سبتمبر2017م

مواقع تابعة

تقويم الشهر

برنامج الحج التعليمي

مجلة الحج


عداد الزوار
15360371