حوزة الهدى للدراسات الإسلامية :: ::
 شرائط الطّواف • الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج • النقصان في الطّواف • الزّيادة في الطّواف • الشكّ في عدد الأشواط • صلاة الطّواف • السّعي • أحكام السّعي • الشك في السّعي • التقصير •
• أحكام السّعي - - عدد القراءات: 3335 - نشر في: 10-نوفمبر-2013

أحكام السّعي

 

تقدّم أن السعي من أركان الحج، فلو تركه عمداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به أو بالموضوع إلى زمان لا يمكنه التدارك قبل الوقوف بعرفات بطل حجّه ولزمته الاعادة من قابل، والأظهر أنه يبطل إحرامه أيضاً، وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى الافراد وإتمامه بقصد الأعم منه ومن العمرة المفردة (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لو ترك السعي عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً فمقتضى الأصل بطلان الحج وفساده، لفقدان المركب بانتفاء جزئه، فالحكم بالصحة حينئذ يحتاج إلى دليل خاص، وقد ذكرنا (1) أن حديث الرفع لا يتكفل الحكم بالصحة، لأنّ حديث الرفع شأنه رفع الأحكام ولا نظر له إلى إثبات الحكم. فالاكتفاء بالناقص يحتاج إلى الدليل. نعم، في خصوص الناسي نلتزم بالصحة كما في نسيان الطّواف، لأدلّة خاصة سنذكرها إن شاء الله تعالى.

وأمّا الترك عن جهل فيدخل في الترك العمدي حتى إذا كان عن قصور فضلاً عن تقصير فانه ملحق بالعامد، ومع قطع النظر عما تقتضيه القاعدة فالنصوص دلت على بطلان الحج بترك السعي عمداً، ويصدق ذلك على الترك عن جهل فانه أيضاً من الترك العمدي، لأن العمد هو القصد إلى شيء وذلك يصدر من العالم والجاهل، فان الجاهل الملتفت قد يترك الشيء أو يفعل شيئاً عن قصد وإرادة، فالجاهل مقابله العالم لا العامد، مثلاً الجاهل بوجوب القراءة في الصلاة يترك القراءة عن قصد وعمد، لكن تركه مستند إلى جهله لا إلى عصيانه، والعامد يقابله غير الملتفت كالناسي.

وبالجملة: لو ترك السعي عمداً ولو جاهلاً، فان لم يمكن تداركه بطل حجّه أو عمرته المتمتع بها أو المفردة، وبطل إحرامه أيضاً كما تقدم في المباحث السابقة(2) لأن الاحرام إنما يجب وينعقد للأعمال والمناسك اللاّحقة، فاذا لم يأت بالأعمال ينحل إحرامه وينكشف بطلان إحرامه من الأوّل، وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى الإفراد وإتمامه بقصد الأعم منه ومن العمرة المفردة، هذا كله في التارك الملتفت علماً أو جهلاً.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 341: لو ترك السعي نسياناً أتى به حيث ما ذكره، وإن كان تذكّره بعد فراغه من أعمال الحج، فان لم يتمكن منه مباشرة أو كان فيه حرج ومشقّة لزمته الاستنابة ويصحّ حجّه في كلتا الصورتين (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إذا ترك السعي من غير التفات، كما إذا ترك السعي نسياناً صح حجّه ويجب عليه أن يعيد السعي كما في صحيح معاوية بن عمار(3)، وفي صحيح ابن مسلم «ويطاف عنه» (4) فهل يجمع بينهما بالتخيير، أو يحمل صحيح معاوية على عدم المشقة وعدم الحرج وصحيح ابن مسلم على الحرج والمشقة في السعي بنفسه؟

 

ذكر بعضهم بأنه لا موجب للتقييد بل يجمع بينهما بالتخيير (5).

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور من لزوم السعي عليه بنفسه مباشرة إن لم يكن فيه حرج ومشقة، وإلاّ لزمته الاستنابة، فانهم وإن لم يتعرّضوا لوجه التقييد ولكن الوجه فيه: أن الوجوب في المقام وجوب نفسي لا شرطي، فان الوجوب قد يكون وجوباً شرطياً أو شطرياً كالاستقبال والتشهد بالنسبة إلى الصلاة، والأمر به يكون إرشاداً إلى الشرطية أو الجزئية، وكذلك النهي عن إتيان شيء في الصلاة يكون إرشاداً إلى المانعية.

ومقتضى هذه الأوامر شرطية الاستقبال أو جزئية التشهد للصلاة مطلقاً، سواء كان المكلف ملتفتاً أم لا، فان الشرطية أو الجزئية ثابتة في جميع الأحوال ولا تختص بحال دون حال، وكذلك المانعية، فمقتضى ذلك أنه لو ترك جزءاً أو شرطاً بطلت صلاته سواء كان عالماً أم لا، فان الاجتزاء بالناقص يحتاج إلى الدليل، فلا يمكن الحكم بالصحة بمجرد الجهل بالجزئية أو الشرطية إلاّ بحديث لا تعاد(6) ولو لم يكن هذا الحديث الشريف لحكمنا بالفساد.

وأمّا إذا كان الأمر مولوياً وجوبياً كما في المقام، فان الأمر بالطواف والسعي والقضاء أمر مولوي وكذلك الأمر بالاستنابة، وليس الأمر في المقام إرشادياً، فيدور الأمر بين وجوب السعي بنفسه مباشرة وبين وجوب الاستنابة، ولا ريب أن كل تكليف مشروط بالقدرة وعدم الحرج، فلو فرض أن السعي مباشرة غير مقدور له أو لا يتمكن من التدارك بنفسه للعسر والحرج يرتفع الوجوب بدليل نفي الحرج فالوجوب النفسي المباشري المستفاد من صحيح معاوية بن عمار يتقيد بنفسه بالقدرة وعدم الحرج، فاذا كان صحيح معاوية بن عمار مقيداً بذلك فنسبته إلى صحيح ابن مسلم نسبة الخاص إلى العام، لأن صحيح ابن مسلم مطلق من حيث القدرة وعدمها فالنتيجة مع المشهور.

 

ومع قطع النظر عما ذكرنا من الوجه، لا موجب لحمل صحيح معاوية بن عمار على خصوص القادر، بل ما ذكره النراقي (عليه الرحمة) من الحمل على التخيير هو الصحيح.

ولكن قد عرفت الوجه لما ذهب إليه المشهور فالحق معهم.

ولزيادة التوضيح نقول: إن من ترك السعي نسياناً ولا يتمكن من القضاء والتدارك بنفسه لحرج ومشقة أو خرج شهر ذي الحجة فحجه صحيح بلا إشكال، ويجب عليه القضاء والتدارك إن كان متمكناً من ذلك، وإلاّ فيطاف عنه، هذا ما ذكره المشهور.

وأمّا النصوص الواردة في المقام فثلاثة:

منها: صحيح معاوية بن عمار الآمرة بالاعادة بنفسه مباشرة(7) والمراد بالاعادة الاتيان به لا الاعادة بالمعنى المصطلح.

ومنها: صحيح ابن مسلم الآمر بالاستنابة والطّواف عنه(8).

ومنها: خبر زيد الشحام الدال على الطّواف عنه والاستنابة (9).

والمشهور جمعوا بينها بالتمكن وعدمه، بمعنى أنه يجب عليه السعي بنفسه مباشرة في صورة التمكن وعدم الحرج وإلاّ فيطاف عنه.

واُشكل عليهم بأنه لا وجه له، بل مقتضى القاعدة والجمع بين الأخبار هو التخيير.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور، لأن صحيح معاوية بن عمار مقيد بالقدرة وعدم الحرج كما هو شأن جميع التكاليف الالهية، وصحيح ابن مسلم الدال على الاستنابة مطلق من هذه الجهة، أي من جهة أن يطوف المكلف بنفسه أم لا، فيرفع اليد عن إطلاقه بالتقييد بصحيح معاوية بن عمار، والنتيجة وجوب السعي والطّواف بنفسه مباشرة إذا كان متمكناً وإلاّ فالاستنابة، فوجوب الاستنابة في فرض عدم التمكّن من السعي مباشرة.

وربما يتخيل العكس بأن صحيح معاوية بن عمار مطلق من حيث وجوب

 

الاستنابة وعدمه، ويقيد بوجوب الاستنابة المستفاد من صحيح ابن مسلم، فالنتيجة: أن السعي مباشرة في طول الاستنابة، يعني إذا لم يتمكن من الاستنابة فيطوف بنفسه.

وهذا توهّم فاسد جداً، إذ لا نحتمل أن يكون السعي بنفسه في طول الاستنابة، بل إما في عرضها أو مقدّم عليها، وأمّا احتمال أن الواجب الأوّل هو الاستنابة ثم السعي بنفسه ففاسد غايته.

وقد يقرّب ما ذكرنا بتقريب أوضح، وحاصله: أن كل أمر نفسي مولوي ظاهر في الوجوب التعييني فيما لم تكن قرينة متصلة أو منفصلة على خلافه، فالوجوب التعييني ما يقتضيه إطلاق الدليل، فاذا ورد أمران في موضوع واحد ولا قرينة على أن الواجب شيء واحد بل يحتمل أنه واجبان، فيثبت أن كل واحد واجب تعييني ولا موجب، ولا وجه لرفع اليد عن ذلك، بل نلتزم بالوجوبين معاً، كما ورد الأمر في مورد القتل الخطأي بالدية والكفارة، فانه نلتزم بوجوبهما معاً ويؤخذ باطلاق كل من الدليلين وهذا ممّا لا إشكال فيه. وكذلك ورد في بعض الأجزاء المنسية في الصلاة الأمر بالقضاء وسجدتي السهو فانه نلتزم بوجوبهما معاً.

وأمّا إذا كان التكليف واحداً ولم نحتمل تعدد الواجب فلا نحتمل الوجوب التعييني لهما معاً، كما في مورد الأمر بصلاة الظهر والجمعة أو بالقصر والتمام في موارد التخيير فحينئذ يقع التعارض بين الدليلين، ولكن التعارض ليس بين أصل الوجوبين لعدم المنافاة بين ثبوت أصل الوجوب لهما معاً، وإنما المنافاة بين الوجوبين التعيينيين فكل من الدليلين ينفي الوجوب التعييني للآخر، فالنتيجة سقوط الاطلاقين وثبوت الوجوبين التخييريين.

وأمّا مقامنا فقد ورد الأمر بالسعي بنفسه في صحيح معاوية بن عمار وورد الأمر بالاستنابة في صحيح ابن مسلم ونعلم بعدم وجوبهما معاً، ولكن سقوط الاطلاقين في المقام لا موجب له، وذلك لأن سقوط الاطلاق من صحيح ابن مسلم لا بدّ منه للعلم بأن الاستنابة إمّا واجب تخييري أو طولي، إذ لا نحتمل أن الاستنابة واجب تعييني فانها إمّا تخييري أو في مرتبة متأخرة عن السعي بنفسه فلا إطلاق لصحيح ابن مسلم وهذا بخلاف صحيح معاوية بن عمار فانه لا مانع من إطلاقه فيؤخذ به وبطبيعة الحال يقيد بالتمكن لأدلّة نفي الحرج.

فالوجوب التعييني للاستنابة ساقط ولكن الوجوب المباشري المستفاد من صحيح معاوية بن عمار نحتمل تعيينه فيؤخذ باطلاقه.

فالنتيجة: أنه مع التمكن على السعي بنفسه لا تجزئ الاستنابة، فان إطلاق صحيح معاوية بن عمار مقيد بالقدرة وعدم الحرج فلا ينتقل الفرض إلى الاستنابة إلاّ بعد العجز عن السعي بنفسه.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 342: من لم يتمكن من السعي بنفسه ولو بحمله على متن إنسان أو حيوان ونحو ذلك استناب غيره فيسعى عنه ويصح حجّه (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) مراتب السعي ثلاث:

الاُولى: أن يسعى بنفسه.

الثانية: أن يُسعى به، بأن يحمله إنسان فيسعى به.

الثالثة: الاستنابة، فان السعي فريضة كما صرح بذلك في الروايات(10) في مقابل الرمي الذي هو سنة، فلا يسقط السعي بوجه وحاله حال الطّواف، فان الفريضة لا تسقط بحال، فالواجب أن يأتي بنفسه أو بالاطافة به أو عنه، هذا ما تقتضيه القاعدة.

على أن إطلاق الروايات يقتضي ذلك، فان الطّواف المطلق الوارد في الروايات يصدق على السعي، وقد اُطلق الطّواف في الآية والروايات على السعي، فالروايات المتقدّمة(11) الدالّة على الطّواف بنفسه وبه وعنه تشمل السعي أيضاً، خصوصاً الروايات الدالّة على أنه يطاف عنه ويصلي ويرمي، وهذا شاهد على إرادة السعي من الطّواف أيضاً، وإلاّ فلا معنى لترك السعي مع أنه فريضة، فالمراتب الثلاثة المذكورة في الطّواف تجري في السعي أيضاً.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 343: الأحوط أن لا يؤخِّر السعي عن الطّواف وصلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة كشدة الحر أو التعب، وإن كان الأقوى جواز تأخيره إلى اللّيل نعم، لا يجوز تأخيره إلى الغد في حال الاختيار (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) بعد ما عرفت من تأخير السعي عن الطّواف وصلاته فالمشهور بينهم جواز تأخيره إلى الليل وعدم تأخيره إلى الغد. وعن ظاهر المحقق في الشرائع جواز تأخيره إلى الغد (12) كما فهمه غير واحد من عبارته ولم يعلم مستنده.

ونقل الحدائق عن الشهيد أنه قال بعد نقل ذلك عن المحقق: وهو مروي، ولكن الرواية لم تصل إلينا (13).

ومن المحتمل أن الشهيد أراد من الرواية صحيحة ابن مسلم الدالة على التأخير المطلق (14).

وأمّا جواز التأخير إلى الغد بخصوصه فلا رواية فيه.

وكيف كان، فلا ريب أن الصحيح ما ذكره المشهور، وأمّا النصوص الواردة في المقام:

فمنها: صحيح ابن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يقدم مكة وقد اشتدّ عليه الحر فيطوف بالكعبة، ويؤخّر السعي إلى أن يبرد، فقال: لا بأس به، وربما فعلته، وقال: وربما رأيته يؤخر السعي إلى الليل» (15) فان المستفاد منه جواز التأخير إلى الابراد اختياراً أو إلى الليل، ولا يختص الجواز بصورة شدة الحر والحرج، فان شدة الحر مورد السؤال ومن دواعي التأخير، إذ الحاج لا داعي له للتأخير بحسب الطبع وإنما يؤخره لداع من الدواعي كشدة الحر ونحوها، ولذا كان الراوي شاكاً في الحكم بجواز التأخير اختياراً ولم يكن عالماً بالحكم فسأل، ولم يكن يعتقد عدم الجواز ولذلك سأل، فالحكم بالجواز لا يقتصر بصورة الحرج بل يجوز التأخير إلى الليل اختياراً.

وممّا يؤكد ما ذكرنا - أي جواز الفصل إلى الليل مطلقاً وإن لم يكن حرج - أنه لو كان الحكم مقتصراً على الحرج لكان على الإمام (عليه السلام) التقييد إلى أول زمان الابراد ولم يقيد بذلك، ومقتضى الاطلاق جواز التأخير إلى أول زمان الابراد وأوسطه وآخره. وبالجملة: المستفاد من الصحيحة عدم لزوم التعجيل.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة؟ قال: نعم» (16).

ومن عدم تعيينه زمان التأخير يستفاد جواز التأخير إلى أيّ وقت شاء، والتعب من دواعي التأخير فلم يكن الجواز مقيداً إلى زمان زوال التعب.

ويكفينا الأصل في عدم اعتبار اتصال السعي بالطواف.

وأمّا التأخير إلى الغد فقد ورد النهي عنه في صحيحة العلاء، قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطّواف بين الصفا والمروة إلى غد؟ قال: لا» (17) والرواية صريحة في المنع عن التأخير إلى الغد، وعليه لم يعلم مستند المحقق في حكمه بالجواز إلى الغد.

ومن المحتمل أن الغاية في كلامه - أي الغد - خارجة عن المغيى لا داخلة فيه، فيكون الغد مما ينتهي إليه الحكم بالجواز، وهذا الاحتمال قريب وشائع في الاستعمالات أيضاً، كقوله تعالى: (أتِمُّوا الصِّيامَ إلَى اللَّيل) الآية(18) وقوله تعالى: (أقِم الصَّلاةَ لِدلوكِ الشَّمسِ إلى غَسَقِ اللَّيل) (19) فان الليل وكذا غسق الليل غير داخل في المغيى قطعاً، فاذن يرتفع الخلاف ولا يكون المحقق مخالفاً في المسألة.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 344: حكم الزيادة في السعي حكم الزيادة في الطّواف، فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم وعمد على ما تقدم في الطّواف، نعم إذا كان جاهلاً بالحكم فالأظهر عدم بطلان السعي بالزيادة وإن كانت الاعادة أحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) حال السعي حال الطّواف في البطلان بالزيادة بالمعنى المفسّر المتقدم(20) للزيادة في الطّواف.

ويدل على ذلك صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إن طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد وليطرح ثمانية، وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط فليطرحها وليستأنف السعي»(21) فانه صريح في أنه إذا طاف ثمانية يلغي الجميع وإذا طاف تسعة تلغى الثمانية ويحسب التاسع أول الأشواط.

ويدل عليه أيضاً صحيحة اُخرى عن معاوية بن عمار «من طاف بين الصفا والمروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية واعتد بسبعة»(22) فان طرح الثمانية السابقة يدل على بطلان السعي بالزيادة.

وفي صحيح عبدالله بن محمد عن أبي الحسن (عليه السلام) «قال: الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فاذا زدت عليها فعليك الاعادة وكذا السعي»(23).

وقد تقدّم الكلام في عبدالله بن محمّد، وأن صاحب المدارك أشكل في السند، لاشتراك عبدالله بن محمد بين الثقة وغيره، ووافقه الحدائق في أصل الاشكال، ولكن أجاب بجبر الرواية بعمل الأصحاب، مضافاً إلى أنه يرى صحة جميع الروايات المذكورة في الكتب الأربعة(24). ولكن قد عرفت أن المراد بعبدالله بن محمد بحسب المرتبة والطبقة هو عبدالله بن محمد الحجّال وهو ثقة ثقة.

وهل يختص الحكم بالبطلان بالعالم أو يعمّ الجاهل بالحكم أيضاً بعد تسالم الأصحاب على الصحة بالزيادة السهوية؟

ولا يخفى أن مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة أن حاله حال الطّواف من دون فرق بين العالم والجاهل، ولكن الظاهر اختصاص الحكم بالبطلان بصورة العلم، فلو طاف أربعة عشر شوطاً بين الصفا والمروة مثلاً جهلاً بتخيل أن الذهاب والاياب معاً شوط واحد صح سعيه.

ويدل عليه صحيح جميل، قال «حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطاً، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: لا بأس سبعة لك وسبعة تطرح» (25).

وكذا صحيح هشام بن سالم، قال: «سعيت بين الصفا والمروة أنا وعبيدالله بن راشد فقلت له: تحفظ عليّ، فجعل يعدّ ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً فبلغ مثل (منِّي) ذلك فقلت له: كيف تعد؟ قال: ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً، فأتممنا أربعة عشر شوطاً فذكرنا لأبي عبدالله (عليه السلام) فقال: قد زادوا على ما عليهم، ليس عليهم شيء»(26) وبهما نخرج عن الاطلاق المتقدم.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 345: إذا زاد في سعيه خطأً صحّ سعيه، ولكن الزائد إذا كان شوطاً كاملاً يستحب له أن يضيف إليه ستة أشواط ليكون سعياً كاملاً غير سعيه الأول فيكون انتهاؤه إلى الصفا، ولا بأس بالاتمام رجاء إذا كان الزائد أكثر من شوط واحد (1)

 

- - - - - - - - - -

(1) ويدل على ذلك بعد تسالم الأصحاب على الصحة صحيحة عبدالرّحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: إن كان خطأً أطرح واحداً واعتدّ بسبعة» (27) فانها بالمنطوق يدل على الصحة في صورة الخطأ وبالمفهوم يدل على البطلان في صورة العلم وعدم الخطأ.

ثم إن جماعة صرّحوا باستحباب إضافة ستة أشواط في خصوص هذه الصورة وهي ما إذا سعى سهواً ثمانية أشواط ليكون المجموع أربعة عشر شوطاً، ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم الذي رواه الشيخ بطريقين صحيحين عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «وكذلك إذا استيقن أنه طاف بين الصفا والمروة ثمانية فليضف إليها ستة»(28) ورواها الصدوق أيضاً بإسناده إلى محمد بن مسلم(29) ولكن قد عرفت غير مرّة أنّ طريقه إليه ضعيف، وفي ما رواه الشيخ غنى وكفاية، هذا.

ولكن صاحب الحدائق استشكل في هذه الصحيحة بوجهين:

الأوّل: أن السعي ليس مثل الطّواف والصلاة عبادة برأسها تقع مستحبة أو واجبة فما فائدة هذه الاضافة بعد عدم ثبوت الاستحباب النفسي للسعي.

الثاني: أن اللاّزم من إضافة الستة وجعل المجموع سعيين كاملين، كون الابتداء في الطّواف الثاني من المروة والختم بالصفا، وهذا خلاف المعهود والمتسالم والمصرّح به في الروايات من لزوم البدأة بالصفا والختم بالمروة في السعي، فالعمل بهذه الصحيحة مشكل (30).

وأورد عليه صاحب الجواهر بأنّ ما ذكره اجتهاد في مقابل النص (31).

ولقد أجاد (قدس سره) فانّ السعي وإن لم يكن مستحبّاً في نفسه في غير هذا المورد، ولكنه ليس بأمر منكر عقلي غير قابل للتخصيص، فيمكن الحكم باستحبابه في خصوص هذه الصورة، فلا مانع من التقييد والتخصيص في مورد خاص حسب التعبّد الشرعي، وكذلك البدأة من المروة والختم بالصفا وإن لم يكن جائزاً في نفسه ولكن لا مانع من جواز ذلك في خصوص هذا المورد.

وبالجملة: الرواية صحيحة السند وواضحة الدلالة، عمل بها الأصحاب فلا مانع من الالتزام بمضمونها. نعم، مورد الصحيحة زيادة شوط واحد لا زيادة أزيد من شوط واحد، وحيث إن الحكم على خلاف القاعدة نقتصر على موردها، فلو زاد شوطين أو أكثر لا يستحب له التكميل إلى أربعة أشواط.

والعجب من صاحب الحدائق فانه لا يعوّل على الاستحسانات والاستبعادات بعد النص خصوصاً إذا كان صحيحاً، كيف استشكل في ذلك.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 346: إذا نقص من أشواط السعي عامداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به ولم يمكنه تداركه إلى زمان الوقوف بعرفات، فسد حجّه ولزمته الاعادة من قابل، والظاهر بطلان إحرامه أيضاً، وإن كان الأولى العدول إلى حج الإفراد وإتمامه بنية الأعم من الحج والعمرة المفردة. وأمّا إذا كان النقص نسياناً، فان كان بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي حيثما تذكر، ولو كان ذلك بعد الفراغ من أعمال الحج. وتجب عليه الاستنابة لذلك إذا لم يتمكن بنفسه من التدارك أو تعسّر عليه ذلك ولو لأجل أن تذكّره كان بعد رجوعه إلى بلده، والأحوط حينئذ أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالاتمام أو التمام. وأمّا إذا كان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فالأحوط أن يأتي بسعي كامل يقصد به الأعم من التمام والاتمام، ومع التعسر يستنيب لذلك (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إذا نقص من السعي عمداً - من دون فرق بين العالم والجاهل بالحكم، كما إذا تخيل أنّ الواجب مثلاً خمسة أشواط ولم يلتفت إليه إلى أن فات زمان التدارك - فلا محالة يفسد حجّه، فانّه داخل في من ترك السعي عمداً برأسه، إذ لا دليل على الاجتزاء بالناقص.

ولكن قد عرفت أنّ بطلان حجّه يستلزم بطلان إحرامه من الأوّل، لارتفاع موضوع الحج، فلا يحتاج إلى محلل آخر للخروج من إحرامه وعليه الحج من قابل.

وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى حج الإفراد وإتمامه بنية الأعم من حج الافراد والعمرة المفردة.

وأمّا إذا نقص من أشواط السعي نسياناً وسهواً فلا يوجب البطلان جزماً، فانّ نقصان بعض أجزاء السعي سهواً لا يزيد على ترك أصل السعي نسياناً الذي قد عرفت أنه لا يوجب البطلان.

ولكن الفقهاء ذكروا فيه تفصيلاً وهو أنه، لو ترك شوطاً أو أكثر بعد التجاوز من نصف السعي، أي بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي، فيأتي بالناقص متى تذكر ولو كان بعد الوقوفين، لعدم اعتبار الموالاة في خصوص هذه الصورة فينضم اللاّحق إلى السابق، ويسقط الترتيب أيضاً في فرض النسيان، لأنّ الترتيب بين التقصير والسعي أو بين أعمال الحج والسعي شرط ذُكري يسقط عند النسيان. وإن لم يتمكّن من الاتيان بنفسه لمانع من الموانع كالرجوع إلى بلده يستنيب فيأتي النائب بالناقص، والأمر كما ذكروه.

أمّا أصل وجوب الاستنابة فلا ينبغي الريب فيه، لأن السعي من أركان الحج وحاله حال الطّواف في وجوب الاتيان بنفسه مباشرة أو بأن يسعى به شخص آخر أو يُسعي عنه.

إنما الاشكال في أمر آخر وهو إتيان النائب خصوص الناقص كشوطين أو ثلاثة أشواط وهذا غير وارد في النص، لأن المذكور فيه أن النائب يسعى عنه، وظاهره إتيان النائب تمام الأشواط، وأمّا انضمام الناقص كالثلاثة إلى الأربعة فيحتاج إلى الدليل فمقتضى القاعدة أن الحاج إذا لم يتمكن من السعي بتمامه فما أتى به كأربعة أشواط في حكم العدم فكأنه لم يسع، ولا دليل على الاكتفاء بفعل الغير في إتيان الناقص، فلا بدّ له أن يستنيب لتمام السعي، ولكن حيث إن المشهور ذكروا الاستنابة للباقي فالأحوط أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالاتمام أو بالتمام.

وأمّا لو ترك أزيد من النصف وكان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فسعيه باطل فيجب عليه التدارك والاستئناف بنفسه إن تمكن، ومع التعسر يستنيب، وأمّا تتميمه باتيان الباقي فلا نلتزم به في هذه الصورة، وإنما التزمنا بذلك في الفرض الأوّل للإجماع والتسالم من الأصحاب بخلاف هذه الصورة فانه لا إجماع فيها، خصوصاً إذا كان الفصل كثيراً، ولكن مع ذلك الاحتياط يقتضي بالسعي الكامل القاصد به الأعم من الاتمام والتمام.

فتحصل: أنه من نقص شوطاً أو أكثر بعد التجاوز من النصف صح سعيه ويرجع ويبني ويأتي بالناقص، والظاهر أنّ ذلك ممّا لا خلاف فيه.

ويدل عليه أيضاً: صحيح سعيد بن يسار الآتي(32) ومورده وإن كان إتيان ستة أشواط ونسيان شوط واحد، ولكن الظاهر أنه لا فرق بين إتيان الخمسة والستة.

وأمّا الأمر بالاعادة والاستئناف فيما إذا لم يحفظ أنه سعى ستة، فهو حكم الشك في عدد الأشواط، فتأمل.

ولو نقص نسياناً قبل التجاوز من النصف، أي قبل تمام الشوط الرابع، كما إذا سعى شوطاً أو شوطين ونسي، فلا إجماع على الصحة في المقام، ومقتضى القاعدة فساد السعي، ولا يشمله صحيح سعيد بن يسار، لأن غايته التعدي إلى نسيان الشوطين والثلاثة بعد التجاوز من النصف لا قبل النصف.

ثم لا يخفى أن الاحتياط الذي ذكرناه في الفرض الأول باتيان تمام السعي قاصداً به التمام والاتمام مبني على اعتبار الموالاة في أشواط السعي وإلاّ فيأتي بالناقص حتى بعد فوات الموالاة بمقتضى الاجماع المتقدم الدال على جواز البناء من حيث القطع وبمقتضى الصحيحة الواردة بعد التجاوز من النصف.

 

ثم إن صاحب المستند ذكر رواية اُخرى كصحيحة معاوية بن عمار تدل على أنّ مَن سعى أقل من سبعة أشواط يرجع ويسعى الباقي، وذكر (قدس سره) أن إطلاقها يشمل ما إذا نقص أكثر من نصف، فان عنوان الأقل من سبعة أشواط يشمل حتى ما إذا سعى شوطاً واحداً ونسي الباقي (33).

ولكن العبارة التي نسبها إلى الرواية ليست من الرواية، بل هي من كلام الشيخ جزماً، قان الشيخ روى رواية معاوية بن عمار أوّلاً، ثم ذكر في ذيلها: فان سعى الرجل أقل من سبعة أشواط ثم رجع إلى أهله فعليه أن يرجع فيسعى تمامه وليس عليه شيء، وإن كان لم يعلم ما نقص فعليه أن يسعى سبعاً، وإن كان قد أتى أهله أو قصّر وقلّم أظفاره فعليه دم بقرة روي (34). وذكر رواية سعيد بن يسار دليلاً لما ذكره وقد اشتبه على صاحب المستند والوافي (35) والحدائق(36) فزعموا هذه العبارة من تتمة صحيحة معاوية بن عمار، مع أنه من كلام الشيخ قطعاً، ويدل عليه بوضوح قوله: «روي» بعد نقل هذه العبارة، فان من عادة الشيخ في التهذيب أنه يذكر حكماً من الأحكام ويستدل بالرواية ويقول: روى فلان، ولو كانت هذه العبارة من ذيل الصحيحة لا معنى لقوله: «روي» في هذا المورد، ولذا لم تذكر هذه العبارة في الوسائل(37) ولا في منتقى الجمان(38) فكأنه تنبها لذلك، راجع التهذيب تجد صدق ما ذكرناه (39).

وفي المقام نكتة يجب التنبّه إليها ولم أر من تعرّض إليها، وهي أنه في صورة لزوم التدارك والاتمام على الحاج بنفسه، لا إشكال في لزوم الاتيان بالسعي في شهر ذي الحجة، لأنه من أجزاء الحج وأعماله فيجب إيقاعه في أشهر الحج، وأمّا لو تذكّر النقص بعد مضي أشهر الحج كما لو كان ذلك في شهر محرم، فالاتمام غير ممكن لزوال وقته، فسعيه باطل فيجب عليه السعي قضاء، ولا دليل على الاكتفاء بالاتمام وإتيان الباقي في القضاء، وإنما الانضمام والتكميل باتيان الباقي والاكتفاء به فيما إذا أتى به في أيام الحج وأشهره، وهذا من دون فرق بين ما لو قلنا باعتبار الموالاة أم لا، ففي هذه الصورة، أي ما إذا خرج عن أشهر الحج، يجب عليه القضاء بنفسه أو بغيره، من دون فرق بين ما كان النقص بعد التجاوز من النصف أو قبله، والظاهر أن مرادهم (قدس سرهم) من إتيان الباقي بعد الفراغ من الحج إتيانه بعد الفراغ من مناسكه، فطبعاً يقع السعي في شهر ذي الحجّة، وكلامهم غير ناظر إلى مضي شهر ذي الحجّة.

وبالجملة: عليه القضاء باتيان السعي الكامل بعد مضي شهر ذي الحجّة بنفسه ولو بالرجوع، وإلاّ فيستنيب في تمام الأشواط، ومع ذلك الأحوط أيضاً أن يأتي بالسعي الكامل قاصداً به الأعم من الاتمام والتمام.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 347: إذا نقص شيئاً من السعي في عمرة التمتّع نسياناً فأتى أهله أو قلّم أظفاره فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي، فالأحوط بل الأظهر لزوم التكفير عن ذلك ببقرة، ويلزمه إتمام السعي على النحو الذي ذكرناه (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) والأصل في هذه المسألة روايتان:

الاُولى: رواية ابن مسكان، قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة، فذكر بعد ما أحلّ وواقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط، قال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطاً آخر» (40).

الثانية: صحيحة سعيد بن يسار قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط، ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه، وقلّم أظافيره وأحلّ، ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط، فقال لي: يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط؟ فان كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً وليرق دماً فقلت: دم ماذا؟ قال: بقرة، قال: وإن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثم يرق دم بقرة» (41).

إلاّ أن جملة من الأصحاب أشكلوا في الحكم المذكور، لأن مقتضى القاعدة عدم وجوب الكفارة في موارد الخطأ في باب الحج عدا مورد الخطأ في الصيد، ولذا حملوا النص على الاستحباب، فيقع الكلام في موردين:

أحدهما: في تقليم الأظفار وقص الشعر.

أمّا تقليم الأظافر، فقد ورد في صحيح سعيد بن يسار المتقدم، ولا موجب لحمله على الاستحباب بدعوى أن المطلقات دلت على أن الكفارة إنما تثبت في حال الخطأ في خصوص الصيد وأمّا غير الصيد فليس فيه الكفارة إذا صدر خطأ وعن غير عمد.

ولكن هذه الدعوى فاسدة، لأن ما دل على عدم ثبوت الكفارة في الخطأ في غير الصيد ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص، بل هو حكم شرعي قابل له في هذا المورد الخاص.

وهل تلزم الكفارة في قص الشعر أيضاً كما عن الشيخ وجمع من الأصحاب على ما عن

المدارك(42)؟ الظاهر ذلك وعدم اختصاصها بتقليم الأظفار، والوجه فيه: أن الصحيحة وإن لم يذكر فيها قصّ الشعر ولكن لايستفاد منها اختصاص الحكم بالتقليم بل الحكم بلزوم الكفارة من جهة الاحلال، فالمنظور هو الاحلال لا التقليم وإلاّ لكان ذكر الاحلال بعد التقليم لغواً، فان قوله «وقلّم أظافيره وأحلّ» ظاهر في أن الميزان هو الاحلال ولا خصوصية لتقليم الأظفار، فالكفارة ثابتة من جهة الاحلال لا من جهة خصوص تقليم الظفر، كما لا يختص الحكم بذلك بما إذا أتى ستة أشواط بل يعم ما إذا أتى بأقل من سـتة واعتقد الفراغ وأحل، إذ لا نحتمل خصوصية لستة أشواط، فان جهة السؤال والمنظور فيه هو الاحلال قبل إتمام السعي كما ذكره الشيخ في التهذيب (43) خلافاً لصاحب الجواهر حيث اقتصر على الستة (44) وما ذكره الجواهر بعيد جداً.

المورد الثاني: وهو المواقعة، فقد ذكر في كلامهم وحكموا بالكفارة في موردها واستدلّوا له برواية ابن مسكان قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة، فذكر بعد ما حل وواقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط، قال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطاً آخر» (45).

وحملها بعضهم على أنه أتى أهله في حال الشك في عدد الأشواط لا الاعتقاد والجزم بالفراغ والاحلال، لقوله «وهو يظن» ولكن الظاهر أن المراد بالظن هنا هو الاعتقاد وقد استعمل في غير مورد من الآيات والروايات في الاعتقاد كقوله تعالى: (الَّذينَ يَظنّونَ أ نَّهُم مُلاقوا رَبِّهِم وَأ نَّهم إلَيهِ راجِعُون)(46) فالدلالة غير قاصرة إلاّ أن السند ضعيف بمحمد بن سنان، ولكن على تقدير صحة السند لا يثبت بها حكم جديد آخر غير ما حكم به صحيح سعيد بن يسار (47) لما عرفت أن الحكم بالكفارة مترتب على الاحلال، فقبل المواقعة أحلّ بالتقليم أو قصّر الشعر، ويثبت الكفّارة بالاحلال واقع أهله أم لا، فلا خصوصية للمواقعة، فالنتيجة ثبوت الكفارة بالاحلال ولا أثر للعمل المتأخر عن الاحلال، مواقعة كانت أم غيرها.

نعم، لو قلّم أو واقع أهله غافلاً عن الحج بالمرّة وغير ملتفت أصلاً إلى الحج فليس عليه شيء، للاطلاقات المتقدمة في محلها (48) الدالة على عدم ثبوت شيء في مورد الجهل والغفلة، وقد خرجنا منها في خصوص الاحلال.

فظهر أن الحكم بالكفارة معلّق على الاحلال لا على المواقعة، وأمّا إذا قلّم أو قصّ شعره أو واقع أهله ولم يأت بذلك بعنوان الاحلال من العمرة كما إذا كان ذاهلاً عن الأعمال بالمرّة فلا يترتب عليه شيء أصلاً، هذا مقتضى الجمع بين صحيح ابن يسار والمطلقات النافية للكفارة في مورد الخطأ.

- - - - - - - - - -

 
 


1- في مصباح الاُصول 2: 267 ذيل الأمر الثالث.

2- في الصفحة 121.

3- الوسائل 13: 486 / أبواب السعي ب 8 ح 3.

4- الوسائل 13: 485 / أبواب السعي ب 8 ح 1.

5- المستند 12: 176.

6- الوسائل 1: 372 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

7- الوسائل 13: 485 / أبواب السعي ب 8 ح 1.

8- الوسائل 13: 486 / أبواب السعي ب 8 ح 3.

9- نفس المصدر ح 2.

10- الوسائل 13: 485 / أبواب السعي ب 1 ح 1، 6، 7.

11- في الصفحة 135.

12- الشرائع 1: 310.

13- الحدائق 16: 295.

14- الوسائل 13: 411 / أبواب الطّواف ب 60 ح 2.

15- الوسائل 13: 410 / أبواب الطّواف ب 60 ح 1.

16- الوسائل 13: 411 / أبواب الطّواف ب 60 ح 2.

17- الوسائل 13: 411 / أبواب الطواف ب 60 ح 3.

18- البقرة 2: 187.

19- الإسراء 17: 78.

20- في ص 62.

21- الوسائل 13: 489 / أبواب السعي ب 12 ح 1.

22- الوسائل 13: 491 / أبواب السعي ب 13 ح 4.

23- الوسائل 13: 490 / أبواب السعي ب 12 ح 2.

24- تقدّم كل ذلك في ص 64.

25- الوسائل 13: 492 / أبواب السعي ب 13 ح 5.

26- الوسائل 13: 488 / أبواب السعي ب 11 ح 1.

27- الوسائل 13: 491 / أبواب السعي ب 13 ح 3.

28- الوسائل 13: 491 / أبواب السعي ب 13 ح 2. التهذيب 5: 472 / 1661، الاستبصار 2: 240 / 835.

29- الفقيه 2: 257 / 1247.

30- الحدائق 16: 281.

31- الجواهر 19: 433.

32- في ص 147.

33- المستند 12: 180.

34- التهذيب 5: 153 ذيل الحديث 503.

35- الوافي 13: 948 باب ترك السعي والسهو فيه ح 17.

36- الحدائق 16: 284.

37- الوسائل 13: 489 / أبواب السعي ب 12 ح 1.

38- منتقى الجمان 3: 279.

39- التهذيب 5: 153.

40- الوسائل 13: 493 / أبواب السعي ب 14 ح 2.

41- الوسائل 13: 492 / أبواب السعي ب 14 ح 1.

42- المدارك 8: 216.

43- لاحظ التهذيب 5: 153.

44- الجواهر 19: 443.

45- الوسائل 13: 493 / أبواب السعي ب 14 ح 2.

46- البقرة 2: 46.

47- المتقدِّم في ص 147.

48- لاحظ شرح العروة 28: 349.



صفـحـــــة الـبــدايـــــــة رئيـســـيــــة الحــــــوزة الــحــج فــي الــقــــرآن

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

صلاة الفجـــــر 04:16
شروق الشمس 05:26
صلاة الظهرين 11:30
غروب الشمس 05:35
صلاة العشائين 05:50
22سبتمبر2017م

مواقع تابعة

تقويم الشهر

برنامج الحج التعليمي

مجلة الحج


عداد الزوار
15358830