حوزة الهدى للدراسات الإسلامية :: ::
 شرائط الطّواف • الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج • النقصان في الطّواف • الزّيادة في الطّواف • الشكّ في عدد الأشواط • صلاة الطّواف • السّعي • أحكام السّعي • الشك في السّعي • التقصير •
• التقصير - - عدد القراءات: 2949 - نشر في: 10-نوفمبر-2013

التقصير

 

وهو الواجب الخامس في عمرة التمتّع، ومعناه أخذ شيء من ظفر يده أو رجله أو شعر رأسه أو لحيته أو شاربه، ويعتبر فيه قصد القربة، ولا يكفي النتف عن التقصير (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا ريب ولا خلاف في وجوبه، وتدل عليه نصوص مستفيضة:

منها: الروايات البيانية الواردة في كيفية الحج كصحيحة معاوية بن عمار(1).

ومنها: الروايات الواردة في التقصير(2) فأصل الوجوب ممّا لا إشكال فيه، وبه يحل له كل شيء حرم عليه بالاحرام إلاّ الصيد، لأنه لم يحرم من جهة الاحرام وإنما يحرم عليه الصيد للدخول في الحرم.

بماذا يتحقّق التقصير

في صحيح معاوية بن عمار(3) أمر بقصّ الشعر من اللحية والشارب وتقليم الأظفار ولو كنّا نحن وهذه الصحيحة لوجب الجمع بين هذه الاُمور، ولكن المستفاد من بقية الروايات الاكتفاء بواحد منها كصحيحة عبدالله بن سنان «ويقصّر من شعره، فاذا فعل ذلك فقد أحل»(4) وفي صحيح الحلبي ما يدلّ على الاكتفاء بقرض الشعر بالأسنان(5). وفي صحيح جميل وحفص قد وقع التصريح بالاجتزاء ببعض هذه الاُمور «في محرم يقصّر من بعض ولا يقصّر من بعض، قال: يجزيه» (6).

وهل يجزي النتف مكان التقصير أم لا؟ وجهان، ذهب إلى الأول صاحب الحدائق لأن المقصود إزالة الشعر فلا فرق بين الأمرين(7) ولكن الظاهر هو الثاني، لأن المذكور في الروايات هو التقصير، والنتف لا يكون مصداقاً للتقصير، فلا بدّ من الأخذ بظواهر الروايات، والأحكام تعبدية فيجب الاقتصار بما في النصوص.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 350: يتعيّن التقصير في إحلال عمرة التمتّع ولا يجزئ عنه حلق الرأس بل يحرم الحلق عليه، وإذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة إذا كان عالماً عامداً، بل مطلقاً على الأحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) هل يجوز الحلق مكان التقصير، وعلى فرض عدم الجواز فلو حلق فهل يجزئه ذلك عن التقصير أم لا؟

المشهور تعيّن التقصير عليه وعدم جواز الحلق وعدم إجزائه عنه لو فرضنا أنه خالف وحلق، ونسب إلى الشيخ التخيير بين الأمرين(8) ونسب إلى العلاّمة أن الواجب هو التقصير، ولكن لو حلق يجزئ عن التقصير (9).

أمّا التخيير فيردّه ظاهر الروايات الواردة في المقام(10) فان الظاهر منها تعيّن التقصير. وأمّا التخيير قد ورد في الحج(11) وأمّا في عمرة التمتّع فلا يظهر من شيء من الروايات ولم يعلم مستند الشيخ.

وأغرب من هذا ما نسب إلى العلاّمة من الإجزاء على فرض عدم الجواز، لأن الواجب لو كان هو التقصير فكيف يجزئ الحلق المحرّم عن الواجب، فلا ينبغي الريب في أن المتعين هو التقصير ولا يجوز ولا يجزئ الحلق.

وصاحب الحدائق أجاز الحلق، ولكنه خصّ الجواز بصورة حلق بعض الرأس لاتمامه(12) وهذا أيضاً بعيد، لأن إزالة الشعر بالحلق لا تكون مصداقاً للتقصير.

وربما يوجّه ما نسب إلى العلاّمة من أن التقصير يتحقق بأوّل جزء من الحلق.

وفيه: أن التقصير لا يصدق على الحلق حتى على أول جزء منه، فالتقصير باق على ذمّته فلا بدّ من التقصير بنحو آخر من تقليم الأظفار أو الأخذ من شعره من مكان آخر.

وهل يعمّ الحكم بتعيّن التقصير للملبّد والمعقوص (13) أم لا؟

المعروف أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما من المكلفين في عمرة التمتّع، وإنما يجب عليهما الحلق في الحج والعمرة المفردة، ونسب إلى الشيخ(14) تعيّن الحلق عليهما في عمرة التمتّع أيضاً فوظيفة الملبّد والمعقوص هي الحلق مطلقاً، سواء في الحج أو العمرة المفردة أو عمرة التمتّع، واستدل على ذلك بعدة من الروايات.

منها: صحيحة هشام بن سالم، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا عقص الرجل رأسه أو لبّده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق» (15) وغير خفي أن دلالتها بالاطلاق باعتبار شمول العمرة للمفردة وللمتمتّع بها. ولكن الظاهر أن المراد بالعمرة بقرينة المقابلة للحج هو العمرة المفردة، ولو سلّمنا الاطلاق فهو قابل للتقييد.

ومنها: صحيحة عيص قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل عقص شعر رأسه وهو متمتع ثم قدم مكة فقضى نسكه وحل عقاص رأسه فقصّر وأدهن وأحل، قال: عليه دم شاة» (16) فانها أيضاً بالاطلاق تدل على أن وظيفة المعقوص هي الحلق، ولكن لو كان المراد من قول السائل «فقضى نسكه» جميع الأعمال الواجبة عليه كما هو مقتضى إضافة الجمع، وأنه لم يحلق بل قصّر بعد إتيان وظائفه حتى بعد الوقوفين، فيكون الصحيح خارجاً عن مورد الكلام، لأن كلامنا في عمرة التمتّع قبل الاتيان بأعمال الحج لا بعد الوقوفين، ولو كان المراد بقوله «نسكه» خصوص نسك العمرة، فيكون الصحيح شاهداً للمقام، ولكن لم يظهر أن المراد به خصوص نسك العمرة المتمتع بها، بل من المحتمل أن المراد به جميع النسك حتى نسك الحج.

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير، وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج، وليس في المتعة إلاّ التقصير» (17).

بدعوى أن صدر الصحيحة مطلق من حيث الحج وعمرة التمتّع، بل الموضوع مَن أحرم وعقص شعره، سواء كان إحرامه للحج أو للمتعة.

ولكن هذه الدعوى بعيدة جداً، لأن الظاهر من الرواية أن الإمام (عليه السلام) في مقام بيان التخيير بين الحلق والتقصير في الحج إلاّ الملبّد والمعقوص فانه يتعيّن عليهما الحلق وليس لهما التخيير، وأمّا المتعة فليس فيها إلاّ التقصير مطلقاً، سواء كان المكلف عقص رأسه أم لا، فالصحيحة على خلاف المطلوب أدل، إلاّ أن المستدل زعم أن كلمة «في الحج» راجعة إلى الجملة الثانية وقيد لها، وهي «وإن أنت لم تفعل فمخيّر لك التقصير والحلق» فالصدر وهو قوله: «إذا أحرمت - إلى قوله - وليس لك التقصير» على إطلاقه وشموله للحج والمتعة، إلاّ أن الظاهر أن قوله: «في الحج» قيد لجميع ما تقدّم.

ويؤكد ذلك: صحيحة اُخرى لمعاوية بن عمار وهي صريحة في أن الحلق على الملبّد والمعقوص إنما هو في الحج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ينبغي للصرورة أن يحلق، وإن كان قد حج قصّر، وإن شاء حلق، فاذا لبّد أو عقص فان عليه الحلق وليس له التقصير» (18) ويعلم من هذه الصحيحة أن تعيّن الحلق على الملبّد والمعقوص إنما هو في الحج، وبها نرفع اليد عن إطلاق العمرة في صحيحة هشام، كما أنها تكون رافعة لإجمال المراد من صحيحة عيص، وتعيّن المراد بالنسك وأنه نسك الحج لا العمرة.

ولو أغمضنا عن جميع ذلك وفرضنا دلالة الروايات على تعيين الحلق على الملبّد مطلقاً في الحج والعمرة إلاّ أنه نحتمل التعيين عليه في عمرة المتعة، وذلك لأن التلبيد والعقص كانا من الاُمور الشائعة في الأزمنة السابقة، ولو كان الحلق واجباً لوقع مرّة واحدة في المتعة من الأصحاب والرواة، ولوقع السؤال عنه، ولم ينقل من أحد وقوع الحلق منه، بل لم يتعرّض مَن تقدّم على الشيخ له في عمرة التمتّع، وإنما تعرّض إليه الشيخ في التهذيب (19) فتعيين الحلق على الملبّد والمعقوص ساقط جزماً.

وأمّا التخيير بين الحلق والتقصير فهو محتمل في نفسه، ولكن لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وهو إطلاق أدلّة التقصير وهو يشمل الملبّد والمعقوص وغيرهما ففي عمرة التمتّع يتعين التقصير سواء كان المكلف قد لبّد أو عقص شعره أم لا.

ثم إنه لو حلق رأسه لزمه التكفير عنه بشاة، لا لروايات خاصة ليناقش فيها بضعف السند أو الدلالة كما في الجواهر(20) بل للروايات المطلقة المتقدمة (21) في كفارات تروك الاحرام.

ولا يخفى أن الشيخ(22) لم يصرّح بذلك، وإنما ظاهر كلامه العموم للحج وعمرة المفردة وعمرة التمتّع، واستدل الشيخ بروايتين: الاُولى صحيحة معاوية بن عمار والثانية صحيحة عيص الدالّة على أن من أخذ من شعره أو حلق رأسه عمداً فعليه دم(23) هذا في المتعمد العالم.

وأمّا غير المتعمد كالناسي أو غير العالم كالجاهل، فمقتضى النصوص أنه لا شيء عليه، ولكن في خصوص المقام دلّت رواية على ثبوت الكفارة في مورد الخطأ والنسيان فتثبت في الجاهل بطريق أولى، لأن الجاهل متعمّد ويقصد إلى الفعل مع الالتفات لكن عن جهل بالحكم، وإذا ثبت التكفير في مورد الغفلة والخطأ فتثبت في مورد الالتفات بالأولوية وإن كان جاهلاً بالحكم.

وأمّا الرواية فهي ما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) «عن المتمتّع أراد أن يقصّر فحلق رأسه، قال: عليه دم يهريقه» (24).

ولكن الرواية ضعيفة بمحمد بن سـنان على طريق الشيخ، وبعلي بن أبي حمزة البطائني على طريق الصدوق، فلا بأس بالاحتياط استناداً إلى هذه الرواية.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 351: إذا جامع بعد السعي وقبل التقصير جاهلاً بالحكم فعليه كفارة بدنة على الأحوط (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إن جامع قبل التقصير عن عمد فقد تقدم حكمه مفصلاً في باب الكفارات حجّاً وعمرة(25) ولكن في خصوص المقام - وهو ما لو جامع جاهلاً بالحكم بعد الفراغ من السعي وقبل التقصير - وردت رواية صحيحة عن الحلبي على طريق الشيخ (26) وعن حماد على طريق الصدوق (27) تدل على أن كفارته بدنة.

والرواية ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك إني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم أقصّر، قال: عليك بدنة، قال: قلت: إني لما أردت ذلك منها ولم يكن قصّرت امتنعت فلما غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: رحمها الله كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شيء» (28) وهي كالصريحة في أن الحلبي كان جاهلاً بالحكم، لقوله (عليه السلام) «هي أفقه منك» يعني هي عالمة بالحكم وأمّا أنت فكنت جاهلاً به، فلا مانع من الالتزام بمضمونها.

وليس بازائها رواية تعارضها غير العمومات والمطلقات التي لا تصلح للمعارضة بل هي قابلة للتخصيص والتقييد بهذه الصحيحة، نعم، هناك صحيحة لمعاوية بن عمار يتحد مورد السؤال فيها مع مورد صحيحة الحلبي، وقد دلت على عدم ثبوت الكفارة على الجاهل قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته ولم يقصّر، قال: ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه» (29).

إلاّ أن الكلام في ثبوت هذه الرواية بهذا المضمون، فان الكليني رواها بعين السند والمتن في موردين، في أحد الموردين رواها «ولم يقصّر» وفي مورد آخر رواها وذكر «ولم يزر» بدل «ولم يقصر» (30) وكذلك الشيخ (31) فتكون الرواية بناء على ذكر «ولم يزر» أجنبية عن مورد الكلام، لأنها تكون حينئذ في مورد طواف الحج ولا نحتمل أنهما روايتان إحداهما جاء فيها: «ولم يقصر» والاُخرى قال «ولم يزر» لاتحاد السند والمتن، ومعه يبعد التعدد. فاذن لم يعلم أن الصادر هو جملة «ولم يقصر» أو «ولم يزر» فتسقط عن الاعتبار، فتكون صحيحة الحلبي الواردة في المقام بلا معارض فلا بد من الالتزام بمضمونها، ولكن حيث لم ينقل من أحد من الأصحاب الفتوى بمضمونها بل لم يتعرضوا لمضمونها نفياً وإثباتاً فلا بد من الاحتياط الوجوبي على الأقل، فيكون هذا المورد مستثنى من مورد الجهل الذي لا يترتب عليه شيء.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 352: يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي، فلو فعله عالماً عامداً لزمته الكفارة (1).

مسألة 353: لا تجب المبادرة إلى التقصير بعد السعي فيجوز فعله في أيّ محل شاء، سواء كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما (2).

مسألة 354: إذا ترك التقصير عمداً فأحرم للحج بطلت عمرته، والظاهر أن حجّه ينقلب إلى الافراد فيأتي بعمرة مفردة بعده، والأحوط إعادة الحج في السنة القادمة (3).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا ريب أن محل التقصير بعد الفراغ من السعي على ما نطقت به الروايات الكثيرة، فلو قدّمه عالماً عامداً تجب عليه الكفارة، لاطلاق أدلّة ثبوت الكفارة على المحرم إذا أزال شعره وأخذه.

(2) لا دليل على وجوب المبادرة إلى التقصير بعد السعي، وله التأخير والفصل بينهما إلى أن يضيق الوقت للحج، كما أن ليس له مكان خاص فيجوز فعله في أيّ مكان شاء، في المروة أو في المسعى أو في منزله أو في غير ذلك، لعدم الدليـل وللاطلاق والتسالم على عدم الموالاة.

(3) إذا طاف المتمتع وسعى ثم أحرم للحج قبل أن يقصّر، فان فعل ذلك عامداً فالمشهور أنه تبطل عمرته ويصير الحج مفرداً. وخالف ابن إدريس وذهب إلى بطلان الاحرام الثاني - لأنه وقع في غير محله - والبقاء على الاحرام الأول، فيجب عليه التقصير ويتم حجّه متمتعاً (32).

واستدل للمشهور بروايتين:

الاُولى: معتبرة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبّى بالحج قبل أن يقصّر، فليس له أن يقصّر وليس عليه متعة» (33) وفي التهذيب «وليس له متعة» (34) وهو الصحيح.

الثانية: رواية العلاء بن الفضيل قال: «سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهلّ بالحج قبل أن يقصّر، قال: بطلت متعته هي حجة مبتولة» (35).

ولا يخفى أنه لو أغمضنا عن الروايتين فالحق مع ابن إدريس، إذ لا موجب للانقلاب إلى الافراد، فان الانقلاب يحتاج إلى الدليل فكلامه (قدس سره) على طبق القاعدة، ولذا ذكر السيد صاحب المدارك بعد نقل الخبرين وقصورهما من حيث السند عنده، لضعف الخبر الأول لأن في السند إسحاق بن عمار وهو مشترك بين الثقة وغيره، والثاني ضعيف بمحمد بن سنان، فيشكل التعويل عليهما في إثبات حكم مخالف للأصل(36) واستحسنه صاحب الحدائق بناء على مسلك المدارك وأصله من عدم اعتماده على الموثقات ومناقشته في أسناد كثير من الروايات، ولكن أورد عليه بأنه لا موقع للمناقشة في أسناد هذه الروايات بعد ذكرها في الكتب الأربعة المعتبرة(37).

أقول: أمّا الخبر الثاني فالأمر كما ذكره، وأمّا الخبر الأول فمعتبر، فان إسحاق بن عمار غير مشترك بين الثقة وغيره، فانه إسحاق بن عمار الساباطي وقد يوصف بالصيرفي وهما شخص واحد، وكونه فطحياً لا يمنع عن وثاقته كما حقق في محلّه، فالرواية معتبرة ولابدّ من العمل بمضمونها، إنما الكلام في دلالتها على مذهب المشهور.

وقد يناقش بدعوى أنها لا تدل على الانقلاب إلى الإفراد، وإنما تدل على بطلان متعته، فيكون حال هذا المكلف حال من لم يتمكّن من الاتيان بالمتعة وحال من عجّز نفسه اختياراً عن الاتيان بها، نظير من لا يتمكّن من المتعة لضيق الوقت أو مفاجئة الحيض ونحو ذلك من الموانع.

وفيه: أن الدلالة تامة، وذلك لأن السؤال في الرواية في الحقيقة يرجع إلى أمرين: أحدهما حكم الاحرام قبل التقصير. والآخر وظيفته بالنسبة إلى إتيان أعمال الحج والإمام (عليه السلام) لم يتعرّض لاحرامه للحج وأنه باطل أم لا، بل أمضاه، وإلاّ لو كان إحرامه للحج باطلاً كان عليه إلغاؤه، فيعلم من عدم تعرضه أنه أمضاه، ولذا ليس له أن يقصّر، ولو كان إحرامه للحج بحكم العدم وكان باطلاً فلا مانع من التقصير، فعدم جواز التقصير يكشف عن صحة إحرامه الثاني وأنه يأتي بأعمال الحج فاذا لم تكن له متعة والمفروض صحة إحرامه طبعاً ينقلب إحرامه للحج إلى حج الإفراد، فقوله «وليس له أن يقصّر وليس له متعة» ظاهر في إمضاء الاحرام فيستمر في أعمال الحج.

وهل ذلك وظيفته؟ يعني تنقلب وظيفته من التمتّع إلى الإفراد أو عليه الحج تمتعاً من قابل؟ لا يبعد ظهور الرواية في انقلاب الوظيفة وعدم وجوب الحج تمتعاً في السنة الآتية، فيأتي بعمرة مفردة بعد الحج، ولكن الأحوط إتيان الحج تمتعاً في السنة المقبلة.

ويمكن تقريب ما ذكرنا بوجه آخر، وهو أن تكليفه بالتمتع في هذه السنة قد سقط عنه لقوله: «ليس له متعة» وبعد ذلك ما هو تكليفه، هل يقتصر بالحج الإفرادي أو يأتي بالتمتع في السنة الآتية؟ مقتضى العلم الاجمالي هو إتيان الإفراد في هذه السنة والتمتّع في السنة المقبلة، فان قلنا بانقلاب وظيفته من التمتّع إلى الإفراد فهو، وإن لم ينقلب فلا بدّ له من إتيان التمتّع في السنة الآتية، فان قلنا بظهور الرواية في الانقلاب فالاحتياط غير واجب، وإن لم يكن لها ظهور، فيجب الجمع للعلم الاجمالي، هذا حكم العامد سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً به.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 355: إذا ترك التقصير نسياناً فأحرم للحج صحت عمرته، والأحوط التكفير عن ذلك بشاة (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا ينبغي الريب في صحة عمرته وأن إحرامه للحج بحكم العدم، فيقصّر ثم يحرم للحج، ورواية أبي بصير المتقدمة (38) تختص بغير الناسي.

إنما الكلام في وجوب الكفارة عليه بشاة أم لا، ورد في المقام روايتان:

الاُولى: صحيحة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة ونسي أن يقصّر حتى دخل في الحج، قال: يستغفر الله ولا شيء عليه وتمت عمرته» (39).

الثانية: معتبرة إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يتمتّع فينسى أن يقصّر حتى يهلّ بالحج، فقال: عليه دم يهريقه» (40).

فربما يقال إن مقتضى قانون الاطلاق والتقييد هو التقييد في المقام بأنه ليس عليه شيء إلاّ الدم، ولكن يبعد تطبيق هذه الكبرى على المقام إذ المنفي بقوله: «لا شيء عليه» إنما هو الدم، لأ نّا لا نحتمل وجوب شيء آخر غير الدم حتى يكون مورداً للنفي، بل المرتكز في الأذهان أنه إن وجب شيء فهو الدم ونحوه من الكفارات فالسؤال والجواب ناظران إلى الكفارة، فقوله «لا شيء عليه» كالصريح في نفي الكفارة بشاة وأنه ليس عليه دم سوى الاستغفار، فتقع المعارضة، فيحمل ما دل على الوجوب على الاستحباب، ولذا عبّرنا بأن الأحوط التكفير بشاة.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 356: إذا قصّر المحرم في عمرة التمتّع حل له جميع ما كان يحرم عليه من جهة إحرامه ما عدا الحلق، أمّا الحلق ففيه تفصيل، وهو أن المكلف إذا أتى بعمرة التمتّع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر، وأمّا بعده فالأحوط أن لا يحلق، وإذا حلق فالأحوط التكفير عنه بشاة إذا كان عن علم وعمد (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) إذا فرغ المتمتع عن أعمال العمرة وقصّر يحل له كل شيء حرم عليه لأجل الاحرام، بل يحل له حتى الصيد في غير الحرم، إنما الكلام في الحلق، فالمشهور والمعروف جوازه بعد التقصير، وإنما يستحب له التوفير، ونسب إلى بعض المحدثين تحريمه وقال: إنه يحل له بالتقصير كل ما حرم عليه بالاحرام إلاّ الحلق، والظاهر حرمة الحلق كما نسب إلى بعض، واستشكل الشيخ النائيني فيه وقال (قدس سره): يحلّ له بفعله كل ما حرم عليه بعقد إحرامه على إشكال في حلق جميع الرأس(41).

ولعل منشأ الاشكال معروفية الجواز وإلاّ فمقتضى النص الحرمة، والعمدة في ذلك صحيحتان:

الاُولى: صحيحة معاوية بن عمار قال (عليه السلام): «ثم قصّر من رأسك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك وقلّم أظفارك وابق منها لحجك، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحل منه المحرم وأحرمت منه» (42) وقوله: «فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء» يراد به غير الحلق لقوله: «وابق منها لحجك».

وبالجملة: لا ينبغي الريب في ظهور الصحيحة في عدم جواز الحلق وأنه يلزم عليه الابقاء للحج.

وأوضح من ذلك: الصحيحة الثانية لجميل فقد سأل أبا عبدالله (عليه السلام) «عن متمتع حلق رأسه بمكة، قال: إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن تعمّد ذاك في أوّل شهور الحج بثلاثين يوماً فليس عليه شيء، وإن تعمـد بعد الثلاثين يوماً التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دماً يهريقه» (43) فان السؤال عن الحلق بمكة ظاهر في أن السؤال من جهة أعمال المتعة، وأن من تمتع يجوز له الحلق أم لا، وإلاّ لو كان السؤال ناظراً إلى جواز الحلق من جهة الاحرام فلا فرق بين مكة وغيرها، فان الحلق للمحرم غير جائز سواء كان في مكة أم لا.

ثم إن التفصيل بين مضي ثلاثين يوماً من أوّل شهور الحج وبين مضي أكثر من ذلك وجواز الحلق في الفرض الأوّل دون الثاني، ظاهر جدّاً في أن السؤال والجواب ناظران إلى الحلق في نفسه للمتمتع، لا من جهة الاحرام وإلاّ فلا وجه لهذا التفصيل، فيعلم من هذه الرواية لزوم إبقاء الشعر وتوفيره بمقدار يتمكّن من تحقق الحلق للحج، ولذا يجوز الحلق في أيام شهر شوال، لأن الحلق في شهر شوال لا يمنع من الحلق في الحج إذا وفّر شعره من ذي القعدة.

والحاصل: لا إشكال في أن الرواية ظاهرة بل صريحة في عدم جواز الحلق للمتمتع في نفسه، وحمله على الاستحباب كما صنعه المشهور مما لا وجه له، ولكن حيث إن الصحيحة بمرأى من الأصحاب ومع ذلك لم يلتزموا بالحرمة فلا أقل من الاحتياط فما ورد في الروايات أنه لو قصّر حل له كل شيء يقيد بغير الحلق.

- - - - - - - - - -

 

مسألة 357: لا يجب طواف النساء في عمرة التمتّع ولا بأس بالاتيان به رجاء، وقد نقل شيخنا الشهيد (قدس سره) وجوبه عن بعض العلماء (1).

 

- - - - - - - - - -

(1) لا خلاف في عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتّع، فلو قصّر حل له النساء بلا إشكال ولم يعلم بمخالف معين.

نعم، نقل الشهيد في الدروس عن بعض الأصحاب قولاً بوجوبه ولم يصرّح باسمه(44).

ولكن لا ينبغي الريب في عدم وجوبه، للنص الدال بالصراحة على عدم الوجوب وهو صحيح صفوان، قال «سأله أبو حارث، عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصّر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، إنما طواف النساء بعد الرجوع من منى» (45) أي طواف النساء ثابت في الحج بعد أعمال الحج.

وفي معتبرة سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) قال: «إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة وقصّر فقد حلّ له كل شيء ما خلا النساء، لأن عليه لتحلة النساء طوافاً وصلاة» (46).

وربما يقال بدلالتها على وجوب طواف النساء في عمرة المتعة، ولكن الدلالة مخدوشة، لأن المفروض في الرواية أنه حج الرجل فدخل مكة متمتعاً، والذي يدخل مكة متمتعاً بالعمرة لا يقال حج الرجل، فيعلم أنه دخل مكة بعد أعمال الحج، فالمعنى أن الرجل تمتع وذهب إلى عرفات والمشعر وحج ثم دخل مكة بعد أعمال الحج فيكون الطّواف المذكور هو طواف النساء الثابت في الحج، هذا.

والرواية على مسلك المشهور ضعيفة السند، لعدم توثيق سليمان المروزي في الرجال ولذا عبّروا عنه بالخبر، لكنه موثقة عندنا لأنه من رجال كامل الزيارات.

على أنه لو فرضنا دلالته على وجوب طواف النساء في عمرة التمتّع ولم نناقش في السند، أيضاً لا نقول بالوجوب، لا للمعارضة بينه وبين صحيح صفوان المتقدم، بل للقطع بعدم الوجوب، للسيرة القطعية بين المسلمين وهي كافية وافية في نفي الوجوب إذ لو كان واجباً لكان من أوضح الواجبات، لأنه ممّا يكثر الابتلاء به، ولم ينسب القول بالوجوب إلى أحد من العلماء سوى الشهيد نسب الوجوب إلى عالم مجهـول فلو كان هنا رواية صريحة في الوجوب لالتزمنا بالعدم للسيرة القطعية، ونطرح الرواية أو تحمل على محامل. بل لا يمكن القول بالاستحباب أيضاً، إذ لو كان مستحباً لصدر من الأئمة (عليهم السلام) أو من الأصحاب وسائر المسلمين ولو مرة واحدة، ولم يصل إلينا صدوره من أحد منهم.

- - - - - - - - - -

 
 


1- الوسائل 11: 220 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 8.

2- الوسائل 13: 505 / أبواب التقصير ب 1.

3- الوسائل 13: 505 / أبواب التقصير ب 1 ح 1.

4- الوسائل 13: 505 / أبواب التقصير ب 1 ح 2.

5- الوسائل 13: 508 / أبواب التقصير ب 3 ح 2.

6- الوسائل 13: 507 / أبواب التقصير ب 3 ح 1.

7- الحدائق 16: 298.

8- الخلاف 2: 330 المسألة 144.

9- المنتهى 2: 710 السطر 28.

10- الوسائل 13: 505 / أبواب التقصير ب 1، 4.

11- الوسائل 14: 221 / أبواب الحلق والتقصير ب 7.

12- الحدائق 16: 301.

13- تلبيد الشعر: أن يجعل فيه شيء من صمغ أو خطمي وغيره عند الاحرام لئلا يشعث ويقمل اتقاءً على الشعر. مجمع البحرين 3: 140. عقص الشعر: جمعه وجعله في وسط الرأس وشدّه، والعقيصة للمرأة: الشعر يلوى وتدخل أطرافه في اُصوله. مجمع البحرين 4: 173.

14- التهذيب 5: 169.

15- الوسائل 14: 222 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 2.

16- الوسائل 14: 224 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 9.

17- الوسائل 14: 224 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 8.

18- الوسائل 14: 221 / أبواب الحلق ب 7 ح 1.

19- التهذيب 5: 160.

20- الجواهر 20: 454.

21- في شرح العروة 28: 466.

22- التهذيب 5: 158، الاستبصار 2: 242.

23- في التهذيب والاستبصار لم يستدل الشيخ إلاّ برواية أبي بصير.

24- الوسائل 13: 510 / أبواب التقصير ب 4 ح 3.

25- شرح العروة 28: 360 المسألة 220.

26- التهذيب 5: 162 / 543.

27- الفقيه 2: 238 / 1138.

28- الوسائل 13: 508 / أبواب التقصير ب 3 ح 2.

29- الوسائل 13: 130 / أبواب كفارات الاستمناع ب 13 ح 4، وفي ص 121 ب 9 ح 1.

30- الكافي 4: 440 / 5، وص 378 / 3.

31- التهذيب 5: 161 / 539، وص 321 / 1104.

32- السرائر 1: 581.

33- الوسائل 12: 412 / أبواب الاحرام ب 55 ح 5.

34- التهذيب 5: 159 / 529.

35- الوسائل 12: 412 / أبواب الاحرام ب 55 ح 4.

36- المدارك 7: 282.

37- الحدائق 15: 119.

38- في ص 164.

39- الوسائل 13: 512 / أبواب التقصير ب 6 ح 1، 2.

40- الوسائل 13: 512 / أبواب التقصير ب 6 ح 1، 2.

41- دليل الناسك (المتن): 305.

42- الوسائل 13: 503 / أبواب التقصير ب 1 ح 1.

43- الوسائل 13: 510 / أبواب التقصير ب 4 ح 5.

44- الدروس 1: 329.

45- الوسائل 13: 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 6، 7.

46- الوسائل 13: 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 6، 7.



صفـحـــــة الـبــدايـــــــة رئيـســـيــــة الحــــــوزة الــحــج فــي الــقــــرآن

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

صلاة الفجـــــر 04:16
شروق الشمس 05:26
صلاة الظهرين 11:30
غروب الشمس 05:35
صلاة العشائين 05:50
22سبتمبر2017م

مواقع تابعة

تقويم الشهر

برنامج الحج التعليمي

مجلة الحج


عداد الزوار
15358821