حوزة الهدى للدراسات الإسلامية :: ::
 شرائط الطّواف • الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج • النقصان في الطّواف • الزّيادة في الطّواف • الشكّ في عدد الأشواط • صلاة الطّواف • السّعي • أحكام السّعي • الشك في السّعي • التقصير •
• الأبعاد الاجتماعية لمناسك الحج كتبه: سماحة السيد زهير الأعرجي - عدد القراءات: 5832 - نشر في: 28 نوفمبر 2006 م

الأبعاد الاجتماعية لمناسك الحج

 

اهتم السيد الإمام الخميني (قدس سره)، خلال حياته السياسية والاجتهادية، والاجتماعية المديدة التي قاربت قرناً من الزمان، اهتماماً بالغاً بفريضة الحج. فقد كتب العديد من الرسائل، وألقى الكثير من الخطب لإرشاد الأمة حول دور الحج، خصوصاً في الانفتاح على مجتمعات المسلمين ومشاركتها همومها وآلامها. وكان (قدس سره) يرى الحج مناسبة اجتماعية فريدة ومؤتمراً إلهياً عظيماً تُناقش فيه مشاكل المسلمين وتتبلور فيه طموحاتهم وآمالهم. بل كان (قدس سره) يرى في الحج هويةً انتماءً اجتماعياً وسياسياً للمسلمين، إذا أُحسن إقناعهم بصحة متبنيات الإسلام الحقيقي.

 

ولذلك، فإنّ هذه المقالة سوف تتناول:

أولاً: الأبعاد الاجتماعية للحج عبر مناقشة:

        أ- الانتماء الاجتماعي.

        ب- محاربة الانعزال الاجتماعي.

        ج- فلسفة الإقناع.

ثانيا: الإمام الخميني (قدس سره) والحج، عبر تحليل أقواله وخطاباته السياسية الخاصة بتلك المناسك.

 

 

أولاً: الأبعاد الاجتماعية للحج:

عندما ندرس الأبعاد الاجتماعية للحج، فإننا لا نبتغي دراسة علل الشرائع، فهذا موضوع خارج عن قدراتنا كبشر. ولكننا نلتمس أموراً ظاهرية تُعيننا على فهم أنفسنا ومجتمعنا وطبيعة تكليفنا الديني.

 

أ - الانتماء الاجتماعي:

لاشك أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش منفرداً دون مشاركة الآخرين، ومرافقتهم في أغلب نشاطاتهم الحياتية اليومية في العمل والتعليم والعبادة. فنحن خلقنا كي نعيش في مجاميع صغيرة أو كبيرة؛ ولعل هذا يفسّر لنا إلى حدّ بعيد سبب حثّ الدين الحنيف على ضرورة التزاوج، والتزاور، والعمل المشترك، والمشاركة في الأعمال التعبدية بصورة جماعية. فحاجتنا الإنسانية نحو الاتصال بالآخرين والاجتماع بهم ليست مطلباً عملياً يسهّل علينا الحياة الاجتماعية فحسب، بل إنها حاجة نفسية غريزية؛ ولذلك فإنّ الانعزال عن الآخرين يسبب أمراضاً عقليةً للفرد المنعزل.

 

وأهم ثمار الاجتماع الإنساني هو إشباع حاجة نفسية أساسية للإنسان وهي الشعور بالانتماء الاجتماعي، فالانتماء يميز الفرد ويشعره بهويته الاجتماعية التي تميزه عن الغرباء. والشعور بالانتماء الاجتماعي نحو جماعة أو عقيدة معينة يساهم بشكل فعال في التفاعل والتأثير بين الأفراد. فالأفراد الذين يتجمعون في حافلة للنقل العام في إحدى المدن الكبيرة لا يحصل بينهم التفاعل والتأثير الاجتماعي المطلوب؛ لأنهم لا يشعرون بالانتماء إلى نفس الفكرة أو العقيدة التي تجمع الحجيج مثلاً.

 

إلا أنّ مناسك الحج تلهب شعور المسلم بالانتماء الاجتماعي لمجتمع التوحيد العالمي. فطبيعة التفاعل والتغير المستمر الذي يختبره الفرد في حياته الاجتماعية تجعل مسألة الانتماء مهمة للغاية. ولا يشبع هذا الشعور الإنساني بالانتماء شيء غير الدين ورسالته العظيمة التي توحّد توجهات الأفراد نحو هدف واحد. ومن الطبيعي أنّ أهداف الانتماء الاجتماعي لن تتكامل ما لم يشعر الفرد بالأمان.

 

والحج يعطي الفرد شعوراً بالأمان؛ لوقوعه في الأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال أوّلاً، ولأنّ المناسك يجب أن تؤدى في وضع شرعي أمني خاص ثانياً. والإنسان بطبيعته يحتاج إلى حماية الجماعة ومساندتها. ومن أجل ذلك، فقد أورد الإسلام ترتيبات أمنية على درجة عظيمة من الدقة والإحكام، منها:

 

1- تقرير الأمن في البيت الحرام، بعد أن أوجب إليه الحج - بشروطه الشرعية - على المكلفين، كما ورد في النَّص المجيد: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ / فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران 96/97)، و﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح/27). وكون الحرم آمناً يأمن من دخله، يعكس أهمية الأمان في استقرار التأثير الديني على الناس.

 

2- حرمة الاعتداء على الآخرين، أو حرمة القتال في الأشهر الحرم - وهي شهر رجب الفرد وذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام - ووجوب حفظ حرمة الشعائر وحرمة القاصدين لزيارة البيت الحرام، كما ورد في النص المجيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة/2).

 

3- حرمة مكة المشرفة وضرورة تعظيمها. فهي البلدة التي شرّفها الله سبحانه من وجهين؛ الأول: الحرمة باعتبار مناسك الحج. والثاني: نسبة تلك البلدة إليه، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (النمل/91).

 

4- منع كلّ أساليب تعكير صفو الأمن خلال أداء المناسك، كالكذب والجدال والفسوق، كما جاء في النص المجيد: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾(البقرة/197).

 

واللافت للنظر أنّ مناسك الحج - بكثرة عدد المشاركين فيها، واتساع الرقعة الجغرافية التي تمارس فيها - تتم دون وجود قائد ميداني يقود جماهير الحجيج نحو هدف ما مثلاً. بل إن كلّ فرد مسؤول مسؤولية تامة عما يعمله ويقوم به من مناسك في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والرمي والنحر والمبيت. وهذا النظام الدقيق الذي ينفّذ على مساحة جغرافية واسعة دون وجود قائد ميداني يقود الأفراد يعتبر من معجزات هذا السلوك الجمعي. ومناسك الحج هذه تتميز عن أعمال الحركات الاجتماعية التي لا تتحرك دون وجود قائد منظور ونظام اداري هرمي يسيطر على الحركة. ولكن تميز مناسك الحج عن نشاط الحركات الاجتماعية يعكس تميز الخالق عز وجل الذي شرع تلك المناسك عن المخلوقات التي أنشأت الحركات الاجتماعية.

 

ولعل أحد أشكال الإعجاز الديني في الحج، هو أنّ هذه المناسك يقوم بها ملايين الحجيج من شتى المجتمعات والحضارات والتركيبات الثقافية، وبهذه الدقة، دون وجود تركيب اداري لإدارة هذه الأعمال الجماعية كما يحصل غالباً في المؤسسات التعليمية والتجارية والعسكرية، ودون سلسلة قيادة لإدارة هذا الجمع العظيم من الأفراد.

 

إنّ الشعور بالأمان الجماعي خلال أداء المناسك يرسخ فكرة «الانتماء الاجتماعي» التي تعكس حاجة الإنسان لتشخيص هويته الدينية والاجتماعية التي تميزه عن الغرباء.

 

ب-محاربة الانعزال الاجتماعي:

ليس عجيباً القول بأنّ الانعزال الاجتماعي يعدُّ من أخطر العوامل التي تؤدي إلى الاضطرابات العقلية التي تصيب الفرد المحروم من المشاركة في النشاطات الاجتماعية. وليس غريباً أن نقول بأنّ المسلمين هم اقل الفئات البشرية انعزالاً، وأقلهم إصابةً بأمراض الاغتراب الاجتماعي. والنقطة الرئيسية هنا هي أنّ الحقيقة الخارجية التي يتم تصورها في ذهن الإنسان لا يمكن بناؤها اجتماعياً إلا بمساعدة الآخرين، فنحن لا نستطيع أن نفهم عقيدتنا في الخلق والتكوين والحياة الاجتماعية إلاّ عن طريق رسائل يحملها الآخرون لنا. ولذلك، فإنّ للفرد طاقة نفسية لاستيعاب مفردات الحياة الاجتماعية وشروطها، وهذه الطاقة والقابلية النفسية لابد من إشباعها حتى يتحقق الاجتماع الإنساني الذي هو أصل بقاء الحياة الإنسانية على وجه الأرض.

 

ويعدّ السجن الانفرادي من أكثر العقوبات قسوة ووحشية على الإنسان؛ لأنّ الفرد بحاجة دائمية إلى الاتصال بالآخرين حتى يستطيع أن يحافظ على إحساسه المستمر بالحقائق الخارجية ويحافظ على الشعور بهويته الذاتية؛ ولذلك فإنّ الأفراد الذين يعاقبون بالسجن الانفرادي لفترة طويلة يفقدون إحساسهم بقيمة الوقت مع أنهم يحسبون الأيام عن طريق خطوط يرسمونها على جدران السجون. وعندما يفقدون إحساسهم بقيمة الوقت، فإنّ الشك يبدأ بالسريان إلى كلّ شيء في حياتهم، فلا يستطيعون - لاحقاً - الاطمئنان إلى الحقائق الخارجية التي اختبروها في حياتهم العامة سابقاً.

 

ولكن الانعزال والاغتراب الاجتماعي لا يكون دائماً نتيجة سجن انفرادي أو عزل قسري، بل قد يتولد من ضعف الإنسان أمام المشاكل الاجتماعية، أو فقدانه المعنى الواضح للحياة، أو انهيار الجانب الأخلاقي الاجتماعي، فالضعف الإنساني تجاه المشاكل الاجتماعية التي جلبتها المادية الحديثة، وانعدام العدالة الاجتماعية، وانحلال الأواصر العائلية والأسرية أدّى إلى إحساس الفرد بغربته وانفصاله عن المجتمع الكبير الذي يعيش فيه؛ لان المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها دون حلول واضحة تدفع الإنسان المادي نحو الإدمان على المخدرات والكحول، وتجعله يسبح في بحر من الاضطرابات النفسية والعقلية.

 

أما فقدان الفرد لشعوره لمعنى الحياة الإنسانية وأهداف الخلق والوجود، فانه يساعد أيضاً على الاغتراب الاجتماعي، باعتبار أنّ قلق الفرد وعدم استقراره على عقيدة معينة يطمئن إليها لتفسير معاني الخلق والحياة والإنسان تعطي ذلك الفرد صورة مرعبة قاتمة عن الحياة ودور الإنسان فيها.

 

وكذلك الحال إذا واجه الفرد غياباً للأعراف والقيم الأخلاقية التي آمن بها، فانه سيشعر بأنّ سلوكه الأخلاقي غير مقبول اجتماعياً من قبل الفئة المسيطرة على النظام السياسي والأخلاقي والاقتصادي. وهي خطوة أولية نحو الاغتراب الاجتماعي.

 

ولكن الانعزال والغربة الاجتماعية إنما هما تعبيران عن شعور الفرد المنعزل عن انسلاخه عن بقية الأفراد الذين يتعامل معهم. فالاغتراب الاجتماعي هو محاولة داخلية لرفض المجرى العام للنظام الاجتماعي من قبل المغترب، والإحساس العميق بأنه قد خُلق في زمان ومكان لم يكونا متلائمين مع بيئته الإنسانية ومحيطه الاجتماعي. بمعنى أنّ الفرد المنعزل اجتماعياً يعلم في داخله بأنّ المجتمع لا يكافئه مكافَأة نفسية أو فكرية تساعده على الاندماج مع الآخرين، والسير مع السفينة الاجتماعية الماخرة في عباب الزمن.

 

ولاشك أنّ الإسلام - باعتباره ديناً ورسالة عالمية غير مقيدة بزمن معين - اهتم بقضية الاغتراب الإنساني، وعالج هذه المشكلة عبر حثّه الأفراد على ضرورة الانتماء الاجتماعي التي لاحظنا أهميتها الفائقة في كسر طوق الاضطرابات العقلية والنفسية. وكان الحج أحد مصاديق محاربة الاغتراب الإنساني على مر التاريخ. ونظرة خاطفة لطبيعة الحج في مكافحة الانعزال الاجتماعي، تبين لنا النقاط التالية:

 

1- أنّ التهيؤ الاجتماعي للسفر يجمع الأفراد لفترة زمنية معينة، مما يساعدهم على كسر طوق العزلة الاجتماعية.

 

2- أنّ فكرة الاستطاعة تشجع الأفراد على العمل الجاد من أجل التحصيل المالي والاكتفاء، وهذا يبعد الأفراد عن الكسل ويبعدهم عن الانعزال أيضاً؛ لأنّ التكسب غالباً ما يكون جماعياً.

 

3- أنّ مناسك الحج تعكس طبيعة التجمع الإنساني، فالمسلك الجماعي في العبادة يمنح الفرد شعوراً بالاندماج مع الأمة الكبيرة المنتشرة في كلّ بقاع الأرض.

 

4- أنّ الإسلام يكافح الانعزال الذاتي «الشخصي» عبر حثّ المكلّف على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ويكافح الانعزال الموضوعي «الاجتماعي» عبر تطبيق الأحكام الشرعية على النظام الاجتماعي، وبذلك تسد الشريعة الطريق على الانعزال والاغتراب الاجتماعي بشكل مُحكَم.

 

5- العدالة الاجتماعية في الإسلام والمساعدات المتبادلة بين الأفراد أنفسهم، وبين الأفراد والدولة، وصلة الرحم، كلّها تقلل من فرص الانعزال الاجتماعي. والحج يعكس جانباً من جوانب العدالة الاجتماعية الكلية في الإسلام.

 

6- يعتبر التقدم في السن أحد أسباب الانعزال الاجتماعي في المجتمعات المادية بسبب عدم قدرة المسنّ على الإنتاج مما تسبب له مشاكل اقتصادية جمّة. وإذا أضفنا إلى ذلك مشاكل انحلال الروابط الأسرية بسبب التصنيع وتغيير الخارطة السكانية، يتضح لنا أنّ من أكثر الأمراض النفسية ظلاماً وتأثيراً على الفرد هو الانعزال الاجتماعي للمسنّين.

 

إلاّ أنّ الاستطاعة الشرعية لأداء الحج غالباً ما تحصل عندما يتوسط عمر الإنسان ويجمع مالاً من عرق جبينه ليحقق شروط الاستطاعة الشرعية. وليس هنا تمييز شرعي من أي نوع تجاه المسنين؛ لأنّ الدين ضمن منهجه الأخلاقي حثَّ على احترام الكبير وضمنَ معيشته على الصعيد العائلي أو صعيد الدولة. ولما كانت العلاقات العائلية في الإسلام متماسكة كان المسنّ أكثر الأفراد ثراءً في الخبرة والتعبد والعلاقات الاجتماعية، وأكثرهم بعداً عن الانعزال الاجتماعي.

 

وبكلمة، فإنّ الإطار الاجتماعي لمناسك الحج، تدفع الناس نحو التماسك والتعاون الذي يتحول لاحقاً إلى لبنة من لبنات بناء الدولة الإسلامية العالمية. ولاشك أن النشاطات الشرعية للحج الإسلامي إنما تساعد جميع الأفراد على كسر طوق الانعزال الاجتماعي والغربة الإنسانية التي نلاحظ مساوئها النفسية في عالم اليوم.

 

ج- فلسفة الإقناع:

ويبرز سؤال مهم هنا، وهو: ما هي الظروف الموضوعية التي تكون سبباً قوياً لتغيير اتجاهات الأفراد واعتقاداتهم وسلوكهم ؟ وكيف نصدّق بأنّ ذلك التغيير سيكون تغييراً جوهرياً حقيقياً وليس تغييراً سطحياً ظاهرياً لا معنىً له؟

 

لاشك أننا نتعرض يومياً إلى محاولات اجتماعية عديدة للتأثير علينا في التفكير والشعور والسلوك، وهذه المحاولات تهدف إلى إقناعنا بقبول أو رفض سلوك وتفكير معين، وبطبيعة الحال فإنّ الإقناع لا يتحقق ما لم يتم تغيير اتجاه الأفراد المراد إقناعهم.

 

ولكي نفهم طرق الإقناع، لابد أن نفهم أصول الاتجاه الإنساني وهي ثلاثة:

1- العقيدة التي يؤمن بها الإنسان.

2- القضايا العاطفية المرصوصة بين أحجار تلك العقيدة.

3- النية، والقدرة على الاستجابة للمحفزات الخارجية.

 

فعندما نكوّن اتجاهنا نحو الأشياء والظواهر الخارجية التي من حولنا، فإننا نحتاج إلى معلومات يقدمها لنا الآخرون:

 

أولاً: أنّ من أهم وسائل الإقناع لتثبيت أو تغيير اتجاهاتنا هو كمية المعلومات الواردة إلى أذهاننا من المصادر الخارجية.

ثانياً: ملاحظة سلوك القادة يؤثر دائماً على أفكارنا.

ثالثاً: نظام الثواب والعقاب يؤثر دائماً على توجهاتنا السلوكية.

 

وفيما نحن فيه، تعتبر ساحة الحج من أنشط الأماكن الاجتماعية فعالية في الإقناع؛ لأنّ الحجيج يأتون من مختلف بقاع العالم وهم يحملون معلومات جديدة عن الخبرات الاجتماعية والدينية في مجتمعاتهم. ويتعرض الحجيج إلى فعالية التأثير السلوكي للذين يحتلون موقعاً متميزاً على صعيد القيادة الدينية والحركية والثقافية الإسلامية في مجتمعاتهم المتباينة.

 

ولاشك أنّ التبليغ الإسلامي الذي ينبغي أن يقوم به المبلّغون - وهو يشمل تذكير الحجيج بالثواب والعقاب الأخروي الذي تعرض له القرآن الكريم - يعدُّ وسيلة أخرى من وسائل الإقناع الاجتماعي بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية على كلّ أركان الحياة الاجتماعية الإسلامية.

 

ومع أنّ فلسفة الإقناع وتطبيقاتها قد تطورت في العقود الأخيرة، إلا أنّ مبادئها قديمة قدم فكرة: المصدر، والرسالة، والجمهور. وهي من أهم متغيرات الإقناع، وتُلَخّص بالأسئلة الثلاثة: مَن الذي يخاطب مَنْ؟ ويقول ما؟ وما هو التأثير ؟.

 

وحتى لو فهمنا الحج من هذا المنظار؛ لرأينا أنّ هذا العمل العبادي يجمع كلّ متغيرات الإقناع التي لازال الفلاسفة يناقشونها لحد اليوم. فالحاج المبلِّغ -وهو مصدر الإقناع- ينبغي أن يجمع ما بين الخبرة، والثقة، والمنزلة العلمية والاجتماعية، والجاذبية الخارجية والذاتية. والرسالة ينبغي أن تحمل كلّ معاني الجذب العقلائي والعاطفي، والأسلوب اللغوي الفصيح، والموضوعية في طرح الايجابيات والسلبيات.

 

والجمهور ينبغي أن يكون على درجة من الاستعداد لتقبل المعلومات من أجل الاقتناع. وهذه المتغيرات - في واقع الأمر - لها مدلولاتها العملية في إقناع الناس بضرورة تطبيق المفردات الشرعية والوصول إلى التغيير الاجتماعي المنشود.

 

ولاشك أنّ من أهم خطوات عملية الإقناع هو أن يشعر الأفراد جميعاً بالمساواة الحقوقية والاجتماعية فيما بينهم. فإذا تفاوتت طبقاتهم في المجتمع، انعدمت -عندئذ- وسائل الإقناع الذاتية الحقيقية؛ لأنّ الإقناع الجديد المفروض من قبل طبقة أقوى سيكون مجرّد إكراه يرضخ لشروطه الأفراد، وهذه المسألة مهمة في الحج أيضاً، فشعور الحجيج بالمساواة التامة يفتح أبواباً عديدةً للإقناع الشرعي بضرورة التغيير الاجتماعي.

 

نقطة أخرى مهمة، وهي أنّ ايجابية طرح الأفكار المُقنِعة يؤدي إلى ايجابية القبول والاقتناع من قبل الحجيج. ومثال ذلك، لو أن فرداً حاول إقناع الآخرين بتطبيق الأحكام الشرعية عن طريق عرض العقوبات الإسلامية والجزاء الرادع مجرّداً من أي إشارة إلى الرحمة الإلهية والمغفرة والثواب الأخروي، فان ذلك التبليغ سوف لا يشجع الأفراد على الاقتناع بتلك الأفكار ما لم يلازمها طرح مواز للعفو والغفران الإلهي.

 

نقطة ثالثة، وهي أنّ السلوك الإنساني لا يتبدل إلاّ بتبدل الاتجاه الداخلي للفرد. فالفرد لا يسلك سلوكاً مختلفاً ما لم تؤثر عليه قوة فكرية عظيمة تستطيع أن تصل إلى قرارة نفسه وأعماق وجدانه، فتغير اتجاهه الذاتي نحو العقائد والأفكار، وعندها فقط يتبدل سلوكه الشخصي أو الاجتماعي. ومن المهم أن نعلم أنّ الرسالة الدينية كانت ولا تزال تهدف بالأصل وبشكل واضح إلى تغيير اتجاه الأفراد أولاً عن طريق تغيير توجه القلوب كما أشارت إلى ذلك الآية القرآنية الكريمة بصدق: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...﴾(الرعد/11). وإذا ما تم تغيير اتجاهات القلوب، فإنّ تبديل السلوك سيكون أمرًا ممكناً، إن لم يكن طبيعياً.

 

ولكن إذا قاوم الفرد وسائل الإقناع لاعتبارات ذاتية محضة، فماذا يحصل؟ لاشك أن الفرد لا يستطيع أن يعيش في تنافر ذاتي بين قوتين تجذبه كل منهما نحو الطرف المضاد. فلنفترض أنّ فرداً ما كان يرتكب عملاً مخالفاً للشريعة - مساندة الظالم مثلاً - ثم التقاه عالم من علماء الدين وعرض عليه فكرة العقوبة الأخروية إذا لم يتوقف عن ارتكاب ذلك العمل، ملمّحاً إلى أبواب التوبة التي فتحها الدين أمام المذنبين. فلكي يزول هذا التنافر بين الطبيعة الفطرية التي يمثلها الدين وبين المخالفة الشرعية التي ترفضها الفطرة الإنسانية، يقف ذلك الفرد أمام نظرية الإقناع عبر الخطوات التالية:

أ- يغيّر اعتقاده بأنّ المخالفة عمل طبيعي مستساغ.

ب- يغير سلوكه السابق، وذلك بالتوقف عن ارتكاب تلك المخالفة الشرعية.

ج- يعيد تقييم سلوكه بالتوبة والاستغفار.

د- يضيف بعداً جديداً إلى تفكيره الجديد حول الالتزام بتطبيق الأحكام الشرعية.

 

إنّ الإنسان -مهما كان اعتقاده- ملزمٌ ذاتياً بتقليل التنافر الفكري الداخلي إلى أدنى حدّ ممكن؛ لأنّ التنافر بين ما يعتقده الفرد وبين ما يعمله يؤدي إلى تمزيقه نفسياً وعقلياً؛ ولذلك كانت الرسالة الدينية - ورسالة الحج بالخصوص - منسجمة تماماً مع الفطرة الإنسانية، كما أشار القرآن المجيد إلى ذلك: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم/30).

 

هذه ملامح مختصرة عن الأبعاد الاجتماعية لمناسك الحج، وقد عرضناها كمدخل لدراسة الفهم الاجتماعي لفريضة الحج عند السيد الإمام الخميني (قدس سره).

 

ثانياً: الإمام الخميني (قدس سره) والحج تعرض الإمام الخميني (قدس سره) لأفكار الحج بكثير من الدقة الاجتماعية، وحاول أن يرسّخ في ذهن الأمة فكرة مهمة. وهي أنّ مناسك الحج ليست مناسك روحية فحسب، بل إنّ لها مقاصد وملاكات اجتماعية على نطاق المسلمين في العالم أجمع. وسوف نعرض خمس عشرة فكرة من أفكار الإمام (قدس سره) حول الحج مع تعليق مختصر على كلّ منها.

 

1- الفريضة ذات المحتوى الاجتماعي:

يقول الإمام (قدس سره) في إحدى رسائله واصفاً فريضة الحج بالقول: "نظرًا لاقتراب أيّام إقامة واحدة من الفرائض الإسلامية الكبرى ذات المحتوى الإنساني، الروحي، السياسي، الاجتماعي، العظيم، أعني فريضة حج بيت الله الحرام يلزم... تطهير هذه الفريضة المقدسة من آثار الطاغوت لتعود إلى الإسلام الحقيقي...".

 

تعليق: تعدُّ مناسك الحج التي شرعها الإسلام شكلاً من أشكال السلوك الجمعي ووجهاً من أوجه التفاعل الروحي والاجتماعي بين المسلمين. ومع أننا ننظر إلى الحج من زاوية: الأحكام الشرعية التي تلزم الفرد بوجوب الحضور عند تحقق الاستطاعة الشرعية، وما يرافق ذلك الحضور من إلزامات في تطبيق تلك الأحكام. وننظر إلى تلك العبادة أيضاً من زاوية الإطار الروحي الذي يتجسد في الرحلة الشيقة إلى بيت الله الحرام وما يرافقها من سمو أخلاقي عظيم يرفع الفرد المكلف إلى أعلى درجات الكمال النفسي والروحي مع خالقه العظيم. إلا أنّ الحق هو أن هناك جانباً ثالثاً خطيراً من جوانب الحج، ألا وهو الجانب الاجتماعي وما يرافقه من سلوك جمعي عالمي ينتهي إلى تغيير اجتماعي له أبعاد خطيرة.

 

ولما كانت مناسك الحج على درجة عظيمة من الأهمية على الصعيد الشرعي، فإننا نفترض أن ينبثق عن تلك الفريضة لونان من ألوان النشاط الإنساني.

اللون الأول: هو النشاط التعبدي الفردي وما يصاحبه من خشوع وتواضع وتذلل للمولى عز وجل.

 

اللون الثاني: هو النشاط الاجتماعي الذي يتمثل بالسلوك المشترك بين المتعبدين، وما ينتج عنه من تفاعل بين الأفراد من مختلف الأجناس، ويؤدي بالنهاية إلى التغيير الاجتماعي الذي هو الأصل في نشاطات السلوك الجمعي.

 

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل إنّ الحج يولد شعوراً لدى الأفراد المندمجين بمناسكه وأفعاله، بالوحدة الكونية التي تجمع الخلق والمخلوقات. فالنظام الكوني في الحركة والدوران والبداية والنهاية ينعكس بشكل من الأشكال على هذه الأفعال التعبدية المنتظمة كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والصعود إلى جبل عرفات، والإفاضة إلى المزدلفة، ونحوها. وهذا الانسجام في طبيعة مناسك الحج يبرز شكلاً جديداً من أشكال التنظيم الاجتماعي الديني الذي يستحق تأملاً دقيقاً في أهدافه ومقاصده الحياتية.

 

2- هذا المؤتمر العظيم:

يشير الإمام (قدس سره) إلى مناسك الحج ومناسبتها، فيصفها بالمؤتمر العظيم. يقول (قدس سره): "لا يخفى على أحد أنّ إقامة مثل هذا المؤتمر العظيم لا يتسنى لأية شخصية ولا لأيَّة حكومة. فهذا أمر الله تعالى هو الذي أعدّ هذا التجمع الكبير".

 

تعليق: إنّ الإسلام لم يقدّم للبشرية أعظم نظريات السلوك الجمعي فحسب، بل وضع الأفراد على محك التكليف الشرعي العملي وأوجب عليهم - عند تحقق الاستطاعة الشرعية وضمن تحديد زماني معين - التوجه إلى بيت الله الحرام في وسط صحراء الجزيرة العربية القاحلة لأداء تلك المناسك الشرعية في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والنحر والمبيت. والتزام الأفراد بهذا العمل على مدى القرون المتمادية، مع ملاحظة المشاق التي كان يعاني منها الفرد في التنقل، عبّر عن حقيقتين:

 

الأولى: حقيقة الرسالة الإسلامية وارتباطها بالتصميم الإلهي للخلق والمخلوقات. فلو قامت أية حركة اجتماعية أو حزب سياسي بدعوة الناس إلى التجمع في ذلك المكان الصحراوي في وقت محدد من كلّ عام، لما استجاب لتلك الدعوة أحد.

 

الثانية: أنها عبّرت عن أنّ النتائج المترتبة على تأدية تلك المناسك إنما تثمر على صعيدين:

فردي: وهو ما يتعلق بالتهذيب الروحي للذات.

وجماعي: وهو ما يتعلق بتهذيب المجتمع الإنساني الكبير.

ولاشك أن الآثار الناتجة عن مناسك الحج يمكن فهمها على أساس أنها آثار مؤتمر عظيم للمكلفين من أهل الأرض، قد دعت له السماء.

 

3- المعاني والإشارات:

يشير الإمام (قدس سره) إلى أنّ أعمال الحج التعبدية لا يمكن أن تؤخذ على ظاهرها، بل لابد من فهم معانيها، فـ: «الطواف حول بيت الله مؤشر لعدم الالتفاف حول غير الله، ورجم العقبات رجم شياطين الإنس والجن...».

 

تعليق: بالرغم من أنّ اللغة تعتبر وسيلة مهمة من وسائل التفاعل الاجتماعي، إلا أنّ الاتصال غير الشفهي -وهو تبادل المعلومات أو التعبير عن عمل ما بواسطة رموز غير لغوية كالإشارات والتعابير الجسدية- يعتبر مهماً أيضاً في وسائل الاتصال الاجتماعي والديني.

 

فيستطيع الجسم الإنساني عموماً -والوجه البشري بالخصوص- القيام بحركات متنوعة، كالغضب والحزن والفرح والتعجب والخوف والقلق ونحوها. ولا ريب أنّ حركات الجسم الإنساني تبعث بشكل مباشر أو غير مباشر برسائل ورموز مفهومة على الصعيدين الاجتماعي والديني.

 

ومن الواضح أنّ الإشارات والتعابير الجسدية تختلف من مجتمع إلى آخر حسب التركيبة الثقافية والدينية التي يعيشها الأفراد في ذلك المجتمع، فهذه الإشارات تستطيع أن تبعث برسائل اجتماعية فعالة بين الأفراد.

 

ولكن الإشارات والتعابير الجسدية غير محدودة بحدود الإشارات الاجتماعية، بل إنّ لها معان دينية وروحية. فالدين، وفهماً منه لطبيعة الإنسان في التعبير استخدم الإشارات والتعابير الجسدية في العبادات كالصلاة والحج. فالصلاة بشكلها الخارجي، كاستحباب رفع اليدين إلى الأذنين أو حيال الوجه في تكبيرة الإحرام، والوقوف في القراءة، والانحناء في الركوع والسجود، والجلوس في التسليم، ورفع اليدين عند الدعاء ما هي إلا تعابير جسدية للاتصال بالخالق عز وجلّ عبر اللغة والتعبير الجسدي الشرعي الذي وضعه الشارع عزّ وجل للمكلف. والطواف، والسعي، والوقوف في عرفات والمشعر الحرام، والرمي، والمبيت في منى هي أيضاً تعابير جسدية لطبيعة هذه العبادة الواجبة على المكلفين.

 

والذي يهمّنا على هذا الصعيد هو أنّ التعابير الجسدية في الحج هي وسيلة من وسائل التفاعل الاجتماعي، لأنّ الجدية في أداء المناسك والتي تعكسها تلك التعابير الجسدية من الخوف من الخالق عزّ وجلّ، والبكاء خشية منه، والتضرع والدعاء، وانتظام الجسم في الطواف، والإسراع في بعض مراحل السعي، كلّها تساهم في عملية التماسك الديني بين الأفراد ؛ خصوصاً عندما يشعر الأفراد أنهم يؤدون هذه المناسك مجتمعين، فتكون التعابير الجسدية وسيلة من وسائل انتظام الأفراد وانضباطهم كأمة لها كيانها الروحي والفكري والعبادي المتميز. ولاشك أنّ هذه التعابير الجسدية الجماعية في ممارسة الفريضة تساهم في إنشاء انسجام داخلي بين المسلمين له أبعاده الاجتماعية العظيمة.

 

إذن، فان رجم الشيطان أو الطواف حول البيت ينبغي أن يكونا مؤشرين لحسن توجه المكلف نحو الله سبحانه وتعالى. فالهدف هو الوصول إلى الله سبحانه عبر هذه الوسائل.

 

4- القدرة العقلية:

يقول الإمام (قدس سره) ضمن وصاياه في الحج: «...يلزم تذكير السادة العلماء، وعلماء الدين المتمرسين المرافقين للقوافل بتشكيل جلسات قبل الحركة؛ لتعريف الحجاج المحترمين على المسائل الشرعية والواجبات الإنسانية».

 

تعليق: لاشك أنّ العلم بالأحكام الشرعية الخاصة بالمناسك ضروري من أجل أدائها بصورة صحيحة. ولعل أهم ما ينتجه الجانب التطبيقي المتعلق بمناسك الحج هو التغيير الناتج من ملاقاة الحجيج بعضهم مع بعض. فالتكليف الوجوبي لتأدية تلك الفريضة مرهون بشروط ثلاثة، وهي: البلوغ والعقل والاستطاعة. بمعنى أنّ القدرة المالية والعقلية هي التي تحدد وجوب الحج. ولكن إذا استثنينا القدرة المالية باعتبارها مجرّد وسيلة للوصول لتأدية أعمال الحج، بقيت لدينا القدرة العقلية، وهي الأصل في التغيير الاجتماعي.

 

أي أنّ المكلفين الذين يجتمعون لأداء المناسك هم الذين لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. ولاشك أنّ الحجيج يفدون من مجتمعات إنسانية متباينة في الفكر واللغة والعادات الاجتماعية والثقافية، والحج لا يوحّدهم على صعيد السلوك العبادي فحسب، بل على صعيد الفهم الاجتماعي لطبيعة المجتمعات الأخرى. ومثال ذلك، أنّ المكلفين المنتمين لمجتمع أكثر تطبيقاً لأحكام الإسلام وإلزاماته الأخلاقية، إذا تواجدوا على ساحات البيت الحرام وحرم مكة فإنهم سيتميزون عن غيرهم من بقية أفراد المجتمعات، بسبب تطابق سلوكهم مع السلوك الشرعي. وهذا السلوك العملي القريب من جوهر الإسلام سيترك آثاره الواضحة على بقية الأفراد من المجتمعات الأخرى. وبسبب هذا التفاعل الاجتماعي، فإنّ المسلمين على اختلاف تركيبتهم الثقافية والاجتماعية سيكتسبون بعضهم من بعض بما يرفع من مستواهم الأخلاقي والتطبيقي بالمقدار الذي ينسجم مع الشريعة، وهذا هو المقصود من التغيير الاجتماعي المطلوب.

 

وثمة عامل آخر مهم ينبثق عن مناسك الحج، ويقوم بدور البناء الاجتماعي أيضاً، وهو ترسيخ دور القيادة الدينية المرجعية في حياة الأمة الإسلامية؛ لأنّ المفترض بالحجيج أن يقلّدوا فقيهاً مرجعاً يرشدهم إلى تعاليم دينهم، وهذه القيادة الشرعية الفكرية لها مردودها الايجابي على انسياب العمل الاجتماعي، وانسجام الأفراد في توجهاتهم العملية والروحية. ولا ريب أنّ القيادة العلمائية تستطيع أن تفرض التغيير الاجتماعي على الأفراد، إلا أنّ ذلك ليس من طبيعة الرسالة الإسلامية التي تهتمّ بالفرد اهتماماً شاملاً، وتحمّله مسؤولية القيام بالعمل العبادي الفردي والعمل الاجتماعي على خط متواز كما نتلمس ذلك من روح النص المجيد: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد/11).

 

ولذلك فإن دور الفقيه هو إرشاد الأفراد نحو ضمان صحة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، خصوصاً فيما يتعلق بمناسك الحج التي نحن بصددها. إلا أنّ التفاعل الاجتماعي بين الأفراد وما يحققه من نتائج عظيمة في التغيير الاجتماعي هو من مسؤولية الأفراد أنفسهم. ويجب أن لا يغيب عن بالنا أبداً أنّ هؤلاء الأفراد لديهم القابلية العقلية والفكرية المشروطة في التكليف الشرعي الخاص بوجوب الحج، على إيصال مجتمعاتهم إلى مستوى الكمال الروحي والاجتماعي الذي صمّمه لهم الإسلام.

 

5- سفر إلى الله:

يقول الإمام (قدس سره): «اِعلموا أنّ سفر الحج ليس سفر تكسّب، ليس سفر حصول على متاع الدنيا، انه سفر إلى الله. أنتم تتجهون إلى بيت الله، فعليكم أن تؤدوا كلّ الأمور في إطار الهي...».

 

تعليق: إنّ هذا السلوك الجمعي «أداء المناسك» هو سفرٌ خالص إلى الله. والسفر إلى الله يقتضي طهارة استثنائية. فأداء المناسك مبنيٌّ على طهارة الحجيج من النجاسات المادية كالحدث والخبث، والنجاسات الروحية كالجدال والفسوق، ومبنيٌّ على إلزامهم بارتداء زيّ مُوَحَّد يُعَدُّ من أبسط الأزياء الإنسانية، وعلى حثهم على مراقبة سلوكهم في عدم إيذاء الكائنات الحية كالحيوانات والأشجار، بل كلّ ما يخصّ البيئة الإنسانية وما حولها. ولاشك أنّ هذا التهذيب الفردي ضمن السلوك الجماعي يترك آثاره النفسية والتربوية العميقة داخل شخصيات الأفراد.

 

إنّ الطهارة الروحية والمادية تعتبران من أهم مميزات السلوك الجمعي الإسلامي. ففي الطواف بالبيت تتوجب -إجماعاً- الطهارة من الحدث الأكبر وهو ما يوجب الغسل، والأصغر وهو ما يوجب الوضوء، باعتبار أنّ الطواف بالبيت صلاة، كما جاء في المشهور من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكذلك تتوجب طهارة المرأة من الحيض. وبذلك يكون السلوك الجمعي الإسلامي من أطهر التجمعات الإنسانية على وجه الأرض؛ حيث يتجمع للطواف والسعي وبقية المناسك، الملايين من الأفراد وهم على أتم أشكال الطهارة البدنية والروحية.

 

6- رداء الحج والانسجام الاجتماعي:

يقول الإمام (قدس سره) بشأن رداء الحج وتأثيره على الانسجام الاجتماعي بين المسلمين: «المسألة الأساسية في هذه الاجتماعات - يعني مناسك الحج - هي أن يجتمع المسلمون معاً في هذه المواقف في جوٍّ خال من التشريفات وبعيد عن كلّ الجوانب الذاتية وبكفن واحد أو بثوبين بسيطين».

 

تعليق: إنّ الموضة في الأنظمة المادية تستهلك جزءاً كبيراً من موارد النظام الاجتماعي المالية؛ لأنها تصميم مؤقت يستبدل دائماً بتصميم آخر، خصوصاً الملابس وما يتعلق منها بالمظهر الخارجي للفرد. ويعتبر الفرد -الذي يعيش في المجتمع المادي ولا يساهم في الموضات الحديثة المتناوبة الصدور- كائناً انعزالياً خارجاً عن إطار الانسجام الاجتماعي.

 

ولكن الحج يُشعِر الفرد بأنّ الزي ما هو إلا وسيلة من وسائل تغطية مساوئ الإنسان فحسب، وليس مظهراً من مظاهر الطبقية والثراء والتميز والتفاضل الإنساني. فارتداء ثياب الإحرام البسيطة توفر للنظام الاجتماعي الإنساني موارد غير قليلة، عندما يتحتم على الحجيج ارتداؤها، وهي ثوبا الإحرام للرجل يأتزر بأحدهما، ويرتدي الآخر. ولاشك أن وجوب ارتداء قطعتين من قماش غير مخيط، لابد من أن يجعل الفرد يشعر بقيمته الحقيقية وتواضعه في الحياة الاجتماعية.

 

ويمكن اعتبار أعمال الحج من أكمل أشكال السلوك الجمعي، لما تتميز به من دقة وتنظيم، مع أنه خال من التشريفات. فالمناسك التعبدية الجماعية التي يقوم بها الأفراد في الحج تختلف تماماً عن نشاط الحركات الاجتماعية مثلاً، وأعمال الكنائس النصرانية والمعابد اليهودية، وتختلف تماماً عن كل سلوك الجمعي آخر. ومن المناسب على سبيل الافتراض أن نطلق على السلوك التعبدي والاجتماعي الذي يقوم به الأفراد في الحج بالسلوك الجمعي الإسلامي، حتى يتميز عن بقية أشكال التصرفات التي تفسرها الأفكار الدينية والاجتماعية الأخرى.

 

ولعل منشأ اختلاف أعمال الحج عن أعمال الأفراد المنضوين تحت راية الحركات الاجتماعية هو أنّ الأعمال العبادية للمكلفين في الحج مع أنها خاضعة للأحكام الشرعية بدقة، إلا أنّ التأثر والتأثير الذي يحصل بين الأفراد في الطواف، والسعي، والوقوف في عرفات، والإفاضة إلى المزدلفة، والمبيت في منى، يُخرِج أعمال الحج عن أعمال الحركات الاجتماعية المحضة التي تهدف بالأساس إلى إيصال صوتها إلى الجهات السياسية فقط. بينما يؤدي الحج ومناسكه العظيمة إلى إكمال العمل العبادي وإلى انسجام فكري وروحي بين الحجيج.

 

7- تبادل المعلومات:

يقول الإمام (قدس سره) بشأن بعض وظائف الحج: «المهم - في هذه التجمعات - أن تبادلوا المعلومات بشأن ما مرّ في بلاد المسلمين...».

 

تعليق: لما كانت المجتمعات الإنسانية تختلف في درجات الرقي والتقدم الحضاري والثقافي، فان اجتماع الناس من مستويات متباينة في الإبداع يساهم في تبادل المعلومات وفي التأثر البنّاء على الصعيد الإنساني العالمي. ولاشك أنّ تعدد المواقف في الحج والفترة التي يقضيها الحجيج قبل مناسك الحج وبعدها، تمنح هؤلاء الأفراد فرصة عظيمة للتفاعل والتأثير الاجتماعي فيما بينهم. وتبادل المعلومات، على إطلاقه، يعني انتشار المعرفة والعلم بأوضاع المجتمعات بين المسلمين.

 

بيْدَ أنّ مقتضيات تبادل المعلومات خلال أداء المناسك وبعدها تؤدي إلى تغيير هائل يتم على صعيدين:

الصعيد الأول: التغيير الروحي والتطهير النفسي من آثام الانحراف، فقد ورد في النص المجيد: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ِ (الحج/26). فطهارة البيت الحرام من عبادة الأوثان يجعل تلك البقعة من أطهر المناطق الجغرافية على وجه الأرض. فهذه الأرض الطاهرة تحمل وقت الحج، بل في كلّ وقت، أطهر الأفراد وأنقاهم؛ لأنهم يعيشون حالة من حالات الكمال النفسي مع خالقهم العظيم؛ فمنهم «الطائفون» حول البيت، و«القائمون» و«الركع السجود».

 

الصعيد الثاني: هو التغيير الاجتماعي الذي عكسته الآية الشريفة بصدق ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج/28). خصوصاً إذا ما لاحظنا أنّ التحديد الزمني للحج الوارد في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ (الحج/28)، والتحديد الجغرافي: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران/96)، ودعوة الأفراد للاشتراك: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا..﴾ (الحج/27)، كلّ ذلك يجعل الحج وأعماله من أعظم وسائل التغيير المنشود.

 

8- مدار الأمر: المسلمون:

ويقول (قدس سره): «...وأن يفكروا في حلّ مشاكل المسلمين».

تعليق: إنّ الدليل على أنّ التأثير الاجتماعي والتأثر يجب أن يتم بين المسلمين أنفسهم خلال مناسك الحج، هو عدم السماح للمشركين بالدخول إلى حرم مكة والتأثير على شعائر الحج العبادية، وما يصحبها من تغيير اجتماعي مرتقب. ولعلّ ما ورد في القرآن الكريم يصرّح بذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...﴾ (التوبة/28). والمراد بالنجس هو النجاسة الشرعية، و﴿...لاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (التوبة/28)هو منعهم من دخوله ودخول كلّ مسجد.

 

9- تبادل وجهات النظر:

يقول الإمام (قدس سره) شارحاً طبيعة الحج الإبراهيمي: "تبادلوا وجهات النظر وتفاهموا لحلّ مسائل المسلمين المستعصية. اِعلموا أنّ هذا الاجتماع الكبير الذي يعقد سنوياً بأمر الله تعالى في هذه الأرض المقدسة يفرض عليكم أنتم المسلمين أن تبذلوا الجهود على طريق الأهداف الإسلامية المقدسة ومقاصد الشريعة المطهرة السامية، وعلى طريق تقدم المسلمين وتعاليمهم واتحاد المجتمع الإسلامي وتلاحمه".

 

تعليق: إنّ تعلم الخبرات الاجتماعية من أفراد يختلفون تماماً في المنشأ واللون واللغة والمكان، يساهم مساهمة عظيمة في بناء الدولة العالمية الموحّدة، وهو دليل على عالمية الإسلام، وعالمية الرسالة السماوية على النطاقين النظري والتطبيقي.

 

ولاشك أنّ السلوك الجمعي في أحكام الحج يصهر تلك الخبرات الاجتماعية، فيتعلم المسلمون الوافدون من قارات العالم المختلفة بعضهم من بعض التقاليد والعادات الاجتماعية والعلوم النظرية والثقافات والقضايا الفكرية، وهذا يؤدي حتماً إلى تقارب في وجهات النظر الفردية والجماعية بخصوص المشاكل التي تعاني منها تلك المجتمعات. ولما كان الفرد مُكلَّفاً على الصعيد الوجوبي بالحج مرة واحدة عند تحقق الشروط، فان اختلاف نوعية الأفراد المكلفين بالحج كلّ سنة يساهم في نقل الخبرات الاجتماعية فيما بينهم، ويقلل من فرص احتكار تلك الفريضة على طبقة معينة من الأفراد. وبالتالي، فانه يساهم في ازدهار نمو تلك المجتمعات البشرية المتباينة في العادات والتقاليد والثقافات.

 

10- اشتراك الأفكار:

يقول الإمام (قدس سره) شارحاً طبيعة التجمع: «لتشترك أفكاركم وعزائمكم على طريق الاستقلال واقتلاع جذور سرطان الاستعمار».

 

تعليق: إنّ المناسك التعبدية الجماعية تولّد إحساساً عظيماً بالشعور الموحّد تجاه المشاكل المشتركة، بل حتى فيما يتعلق بطبيعة الإنسان ووحدة الخالق عزّ وجلّ. ولاشك أنّ التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من وعي أبعاد تلك الفريضة من قبل المكلفين، وقد جاء في «كتاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى (قثم بن عباس) عامله على مكة فقال: أقم للناس في الحج واجلس لهم العصرين فأفتِ المستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم...». وهذا العمل - لاشك - يعتبر من أعظم وسائل التأثير الاجتماعي على الناس.

 

ورسالة الدين على درجة عظيمة من الأهمية على صعيد التأثير، لأنّ تلك الرسالة تهذّب نظرة الأفراد وتوحّدها تجاه الحياة الاجتماعية والسياسية والخلق والخالق والوجود. فالفرد يقارن رأيه مع فرد آخر يشابهه في الدين والاعتقاد، ولا يكترث كثيراً لفرد آخر يبتعد عنه في الدين والمنشأ الاعتقادي والموقع الجغرافي. وإذا كان البعد شاسعاً بين آراء ذلك الفرد ومعتقداته وبين آراء الآخرين ومعتقداتهم، فان التأثير الاجتماعي سيكون في أدنى مستوياته. فالفرد الذي يعتنق ديانة معينة ويعيش في قرية أفريقية مثلاً لا يمكن أن يكون له تأثير اجتماعي على أفراد يعتنقون ديانة أخرى ويعيشون في مدينة آسيوية نائية. وعلى ضوء ذلك، نفهم أن التأثير الاجتماعي يحصل غالباً بين الأفراد الذين يعتنقون ديناً واحداً ويؤمنون بنظام عقائدي واحد، فيما إذا اجتمعوا في مكان واحد؛ لأنّ اجتماع هؤلاء الأفراد في مكان واحد سيولد ضغطاً نحو الانسجام الاجتماعي. وهذا الضغط هو الذي يبدل قلوب الناس بعضهم تجاه بعض آخر، ويجعلهم أكثر اقتناعاً بضرورة تقاربهم الفكري والسلوكي. وهذا عين ما يحصل أثناء مناسك الحج العظيمة وقبلها وبعدها.

 

11- المسائل الأساسية:

يشير الإمام (قدس سره) في تشخيصه لطبيعة المسائل التي ينبغي تناولها في الحج، فيقول: «...وفي هذا الاجتماع المقدس للحج عليهم أن يتبادلوا وجهات النظر في المسائل الإسلامية الأساسية أولاً، وفي المسائل الخاصة للبلدان الإسلامية ثانياً...».

 

تعليق: يمرّ التأثير الديني على الناس بمراحل ثلاث. ولنفترض أنّ طالباً يذهب إلى محاضرة ما؛ فذلك الطالب يمر بمراحل فكرية ثلاث تشخّص تقبّله للفكرة التي يطرحها المحاضر.

 

فالمرحلة الأولى: انفتاح ذهنية ذلك الطالب وتهيؤه لتقبل مفردات التأثر والتأثير. بمعنى أنّ الفرد الذي يبذل جهده للذهاب إلى إحدى مجالس الدرس للاستماع إلى محاضرة في علم السياسة مثلاً، لابد له من تهيئة ذهنه بشكل مسبّق لتقبل أو رفض النظريات السياسية التي يقدّمها المحاضر.

 

المرحلة الثانية: تشخيص المستمع للنقص الفكري الذي يعاني منه، أو حاجته لتقبل الأفكار والمعتقدات التي يطرحها الطرف المقابل؛ ومصداقها أنّ المستمع إذا لاحظ أن المحاضر -في مثالنا السابق- قد قدّم نظرية جديدة مقنعة، فاقتنع هذا المستمع بصحتها وانسجام مفرداتها مع الواقع، عندئذ يمسي هذا الطالب أقرب إيماناً بتلك النظرية.

 

المرحلة الثالثة: هضم الفرد للفكر المطروح من أجل التأثير، وتقبّله لذلك التأثير باعتباره فكراً يتناسب مع نظامه الأخلاقي الذي آمن به، وهذه المرحلة تعكس إيمان الفرد -في المثال المذكور سابقاً- بأن تبني تلك النظرية المطروحة من قبل المحاضر سيكون أمراً شخصياً حتمياً.

 

ومن المسلّم به بين أواسط علماء أهل الفن، أنّ التجانس الاجتماعي يعتبر من أهم عناصر التأثير السياسي والفكري على الأفراد؛ لأنّ التأثير الحقيقي لا يعمل عمله الفعّال إلاّ مع أفراد متقاربين في الفكر والاعتقاد؛ بمعنى أنّ التأثير الاجتماعي يتم بين أفراد متقاربين فكرياً أكثر مما لو كان بين أفراد يختلفون تماماً في الفكر والمعتقد؛ ولذلك، فان الحج واقعاً هو أعظم ساحة للتأثيرات والتغيرات الاجتماعية التي تهدف الرسالة الإسلامية إحداثها على الصعيد العالمي. ولولا طاعة الأفراد للرسالة الدينية وأحكامها الشرعية لما حصل التأثير الاجتماعي المنشود.

 

فإطاعة الأفراد للنظام الديني طوعية اختيارية إذا كانت السلطة سلطة شرعية، بمعنى أنّ الأفراد يحاولون - بصدق - إطاعة النظام الديني أو الاجتماعي إذا لم تُسلَّطْ عليهم سلطة لا يؤمنون بشرعيتها. واعتقاد الناس بأنّ الدين سلطة شرعية يسهّل عملية الانقياد له ولأحكامه، بل يسهّل في الواقع عملية تغيير توجهاتهم، وبنائهم بالطريقة التي صممتها الشريعة لهم. ولولا طاعة الأفراد للنظام الاجتماعي لما استطاع المجتمع وقيادته السياسية من الصمود بوجه الفوضى الناتجة من عصيانهم للقوانين التي تنظّم حياة المجتمع. وبذلك نستنتج أنّ للطاعة دوراً رئيسياً في إكمال عملية التأثير على الأفراد، خصوصاً فيما يتعلق بالحج. فالحج ينشئ استعداداً عظيماً عند الأفراد لإطاعة الأحكام الشرعية دون نقاش أو جدال.

 

وفي جوّ عبادي كهذا، لابدّ من طرح المسائل الأساسية وتجاوز المسائل الهامشية، ذلك أنّ المسائل الأساسية لها ساحة أوسع في الحج من زاوية التقبل والاستيعاب.

 

12- اجتماع أهل الفكر والرأي:

يقول (قدس سره): «...وأن يجتمع هناك أصحاب الفكر والكتاب والمثقفون والعلماء لدراسة مشاكل المسلمين ولحلّ ما أمكن حلّه...».

 

تعليق: إنّ إطلاق الشريعة وعدم تقييدها لتصرفات الناسك خارج إطار الأعمال الواجبة في الحج، يفتح الطريق لاستثمار ألوان الملاقاة والتلاقح الفكري بين الحجيج بلحاظ الأعراف الاجتماعية والارتكازات العقلية المتفق عليها. فإذا كان العرف الاجتماعي يتقبل الكتاب المكتوب كوسيلة من وسائل التأثير، تعيّن على المؤمنين بدافع وعيهم لمتطلبات التغيير الاجتماعي بذل جهودهم في إيصال أحكام الشريعة الغراء وأفكارها عن هذا الطريق إلى كلّ المجتمعين في تلك البقعة الطاهرة من العالم. وإذا كان العرف الاجتماعي لا يتقبل إلا التأثير الشفهي تعيّن على المؤمنين أخلاقياً، القيام بذلك العمل. وهذه الحرية في استخدام وسائل التأثير على الأفراد، تعتبر أنضج ثمراً وأعمق انتاجاً على صعيد التغيير الاجتماعي المطلوب.

 

إنّ السلوك الجمعي الإسلامي في الحج يؤدي إلى تغيير ملموس. فالحج باعتباره سلوكاً جمعياً منتظماً وثابتاً في الزمان والمكان والشروط، يمتلك تأثيراً هائلاً في النفوس. ويمكن ملاحظة طبيعة السلوك الجمعي لأهل الرأي عبر النقاط التالية:

 

أ-إنّ السلوك الجمعي الإسلامي يؤدى كلّ سنة في موعد منتظم ومحدّد. وهذا يعني أنّ تأثير السلوك الجمعي الإسلامي يبقى مستمراً على مرّ السنين.

 

ب-إنّ الحج والسلوك الجمعي المنبثق عنه قضية عالمية بكل أبعاد الكلمة؛ لأنّ الحجيج يأتون إلى مكة من مختلف أنحاء العالم، ولا يفصلهم في أداء مناسكهم فاصل عرقي أو جغرافي أو لغوي، وقد جاء في النص المجيد: ﴿... يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ (الحج/27). ولذلك فإنّ التأثير الذي يكتسبونه من خلال التلاقح الفكري فيما بينهم هو أهم مصادر التغيير الاجتماعي.

 

ج- إنّ شروط ذلك السلوك الجمعي تحقق كمالاً أكبر نحو التغيير الاجتماعي، وهي شروط البلوغ وسلامة الجهاز العقلي والاستطاعة الشرعية للفرد. بمعنى أنّ الحجيج هم من الأفراد الذين لديهم القدرة العقلية على تحمل أعباء الحج ومسؤولياته الاجتماعية ؛ بينما يحتمل أن يقوم بالسلوك الجمعي في مناسبة غير الحج أفراد ليست لديهم قابليات عقلية على التغيير، أو صبيان ليست لديهم الخبرة الكافية، مع أنّ سلوكهم يسمى سلوكاً جمعياً.

 

13- اجتماع الكعبة والمنهج الإلهي:

يقول الإمام (قدس سره) في وصف ذلك المؤتمر ومنهجه الإلهي: «اجتماع الكعبة أكبر اجتماع، لا تستطيع أية حكومة أن تعقده بنفسها، والله سبحانه وضع المنهج لاجتماع المسلمين دون أن يكلّف ذلك الحكومات أية مشقة أو نفقات».

 

تعليق: إنّ الحركات الاجتماعية التي يؤسسها الأفراد لمعالجة مشكلة من المشاكل الاجتماعية، غالباً ما تنحلّ وتموت بانحلال تلك المشكلة. فحركات التحرر الوطنية من الاستعمار تنحلّ مع رحيل الاستعمار، وحركات تحرر المرأة تنحلّ مع اكتساب المرأة حقوقها الاجتماعية، وحركات المساواة بين الأجناس البشرية المتباينة تموت بعد تحقق التغيير الاجتماعي في المساواة بين الأفراد. إلا أنّ الحج وشعاره العظيم بالبراءة من المشركين، يبقى فوق كلّ الحركات الاجتماعية وطروحاتها. فهو، وإن كان سلوكاً جماعياً منظّماً، إلا أنّ أطروحته الفكرية الشاملة، وتصميمه الإلهي يجعله مستمراً مع بقاء الحياة الاجتماعية على وجه الأرض. وما القرون الأربعة عشر التي مرّت على تنزيل التشريع، والأحداث التي مرّت خلالها على الإنسانية، إلا دليل موضوعي ناصع على أنّ الحج ما هو إلا جزء من التصميم الإلهي للخلق والمخلوقات ومصالحهم الاجتماعية.

 

14- البراءة من المشركين:

يقول (قدس سره) في إعلان البراءة من المشركين: «...علينا أن نعلن كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة من ذلك المكان المقدس... لنكسر الأصنام ولنرمِ الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر في العقبات ونطردهم، ليكون حجّنا حج خليل الله...».

 

تعليق: لما كان الحج يعكس أكمل مثال من أمثلة السلوك، فإنّه لابدّ وأن يرفع أرقى الشعارات الاجتماعية التي تؤدي في النهاية إلى التغيير الاجتماعي المطلوب. وهذا الشعار الذي أمر الإسلام المكلفين برفعه في الحج هو شعار (البراءة من المشركين)، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة/1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة/3). فأعظم الانحرافات التي يدينها الإسلام ويعدّها مصدر كلّ أنواع الشقاء الإنساني هو الشرك بالله عزّ وجلّ. ولاشك أنّ بقاء الشرك في المجتمع الإنساني يعدّ عائقاً من عوائق إقامة العدالة الاجتماعية. فاعلان البراءة من المشركين هو من أعظم المساهمات في التطلع نحو هدف تغيير المجتمع الإنساني إلى مجتمع موحّد قائم على أساس تطبيق أحكام الرسالة الإلهية، وما ينبثق عنها من عدالة اجتماعية على جميع المستويات.

 

15- المبلِّغ في الحجّ:

يقول (قدس سره) في خطابه الموجّه إلى المبلغين في الحج: «أوصلوا هذا المؤتمر الإسلامي الكبير إن شاء الله إلى النتيجة المطلوبة التي يريدها الإسلام».

 

تعليق: ما هي المواصفات التي يجب أن يتحلى بها المبلِّغ حتى يستطيع أن يقوم بتأثير اجتماعي فعّال على بقية الأفراد من الحجيج ؟ قد يتلخص الجواب بثلاثة عوامل يجب أن تتوفر في ذلك المبلّغ الذي يحاول أن يؤثر على الحجيج على الصعيدين الفردي والجماعي:

 

أولاً: الثقة بالنفس. وهي من أهم عوامل التأثير الاجتماعي؛ لأنّ الثقة بالنفس تعكس إيمان المبلّغ بالعقيدة التي يحملها ويدعو إليها. وإقناع الآخرين بصحة النظرية التي يطرحها الفرد المؤثِّر لابدّ من أن يكون مستنداً على ثقته المطلقة بصحة فكرته؛ لأنّ الشك في أصل الفكرة لا يساهم في إنجاح عملية التأثير الاجتماعي، بل يساهم في تحطيمها وإفشالها.

 

ثانياً: العلم والمعرفة، وهي حالة الفهم التي يختبرها الفرد من خلال الدراسة والخبرة والاستكشاف. فالعالِم هو الذي يستلم مباشرة المعلومات التي يستطيع إدراكها بوضوح، فيحللها ويبني عليها فهماً جديداً على درجة عالية من اليقين دون أدنى شك.

 

ثالثاً: أنّ من وسائل التأثير الاجتماعي المهمّة هو مقابلة المؤثِّر أو المبلّغ للأفراد الذين يريد تغييرهم وجهاً لوجه. بمعنى أنّ إقناع جماهير الحجيج بضرورة تطبيق أحكام الإسلام ورسالة الدين ومكافحة الظلم والفساد مثلاً، يكون أكثر فاعلية إذا تمّ الاتصال بين المبلّغ وبقية الأفراد اتصالاً شفهياً مباشراً.

 

إنّ التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من تطابق آراء الحجيج ونظراتهم تجاه العدالة والحق والخالق والكون والحياة. والحقائق الكونية والاجتماعية المرسومة في ذهنية هؤلاء الحجيج ما هي إلا نتاج المعالم الأخلاقية للرسالة الإسلامية. ولما كان التجانس الاجتماعي من أهم وسائل التأثير، أصبح واضحاً أنّ من أهم أهداف الحج هو تغيير المجتمعات الإسلامية المتباينة في العادات والتقاليد والثقافات ورفعها إلى مستوى شرعي مقبول، بحيث تكون مهيّأة فكرياً ونفسياً لإقامة الدولة الإسلامية العالمية الموحّدة.



صفـحـــــة الـبــدايـــــــة رئيـســـيــــة الحــــــوزة الــحــج فــي الــقــــرآن

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

صلاة الفجـــــر 05:04
شروق الشمس 06:19
صلاة الظهرين 11:34
غروب الشمس 04:49
صلاة العشائين 05:04
18ديسمبر2017م

مواقع تابعة

تقويم الشهر

برنامج الحج التعليمي

مجلة الحج


عداد الزوار
15613022